Home»ذاكرة الثورة»أسد القصّار: اليوم الأخير في دمشق

أسد القصّار: اليوم الأخير في دمشق

0
Shares
Pinterest Google+

أسد القصّار – الفيحاء نت

لا ادري إن كنت سأنصف الذاكرة أو سأنصف نفسي أو سأنصف دمشق في مقالي هذا
ولا ادري إن كان ذلك سيضيف شيئا للقارئ أم أنه لن يكون سوى جلدا علنيا للذات
إذ ستكون سطوري سرداً لما ترسب في الذاكرة حول ذاك اليوم إذ اني ارى أن حياتي كلها بدأت وانتهت فيه .
سأحكي لكم قصة قصيرة ..
قصة صبي شامي نشأ في كنف أسرته في السعودية بحكم عمل والده هناك، ولأنه طويل القامة قوي البنية
قرر الاستاذ أن يعينه عريف للنظام في اليوم التالي يحضر أولياء أمور الطلاب
ليتقدموا بشكوى جماعية .. كيف لسوري أن يكون عريفا على أبناءنا السعوديين؟!! لا لسطة اجنبي على ابنائنا
وبالفعل يستدعيه المدرس الى مكتبه ويبلغه اسفا بعزله لا لشيء إلا لكونه سوري
… في الصيف وككل المغتربين يصحب أهله لقضاء العطلة في دمشق

يقف في الحارة وحيدا عيناه تستجدي الصبية بأن يقبلوا صداقته .. يسمعهم وهم يصيحون
فيما بينهم : لا تلعبوا السعودي حتى يشتريلنا طابة !! ، وبالفعل يصعد مسرعا الى والدته المحبة
ويأخذ منها النقود ويسابق الريح الى دكان ابو زهير ويقوم بشراء الكرة وجلبها الى الصبية املا منه
بان يكون ذلك شفيعا له لنيل محبتهم وصداقتهم .. يخطفون الكرة منه ويجرون وهم يقولون : ضحكنا عليك
يا سعودي !! .. من أنا ؟ أين وطني ؟ الى اين انتمي .. تلك الأسئلة كانت بمثابة حرقة قلب لدى ذاك الصبي
حرقة دفعته للبحث عن هويته وجذره حرقة دفعته لكي يسعى سعيا حثيثا ليحقق حلما .. حلم قد يكون بسيطا وبديهي ولا يرقى بأن يكون حلما لدى الكثيرين .. أن يكون له وطن وان يعيش في ذلك الوطن وأن لا يحس بأنه غريب بعدها.
التحق بالجامعة ، خاض غمار العمل السياسي ، كتب ، نشر ، اعتقل ، لوحق تخرج وقرر أن يبقى في دمشق .. طوال تلك السنين وبالرغم من معارضة العائلة المهاجرة منذ عقود بقي في دمشق .. بلا مبالغة كان يقول لنفسه في كل يوم : انا سوري ..انا دمشقي… انا اعيش في سوريا ..في وطني.. سأستمر في العمل هنا.. سانجب هنا ولن استصدر لأبنائي جوازات سفر .. مالداعي لذلك؟!! وانا كلي عزم أن لا أغادر دمشق لا حيا ولا ميتا ، كان يجول يوميا بعد الانتهاء من العمل في طوالع القيمرية والحارات المحيطة بجامع بني أمية يحضر حكايات الحكواتي في قهوة النوفرة.. يلقي القصائد على منابر الشعراء الهواة في باب شرقي ، يداوم مع زملائه من الكتاب المغمورين في مقهى الهافانا أو في نادي الصحفيين في العفيف وكأنه يكفر عن كل يوم قضاه خارج وطنه وكأن ذلك خطيئة ، خطيئة لم ترتكبها يداه !!

.. يوم الغضب السوري .. وقفة عند مجلس الشعب .. مظاهرة الحريقة .. مظاهرة الأموي نصرة لدرعا .. توالت حبات المسبحة بالانفراط لتغدوا الشام رغم كل ما اريد لها أن تكون بركانا يغلي حرية ، واكب صاحبنا كل ذلك ، وكان حاضرا بجسده وروحه واحلامه … وهو في قمة السعادة .. فالثورة لم تكن حلمه بل إن وقوعها كان أمرا فاق حلمه .. لن تغدو البلاد سوريا الاسد بعد اليوم ، سيختفي حرف القاف البغيض الدال على السلطوية عن اسماعنا ، سننتخب رئيسا ونشتمه في العلن ، سيصلي من يصلي ، ويسكر من يسكر في العلن .. كان صاحبنا يبكي في تشييع كل شهيد .. كان يبكي حسدا … كيف يصل هذا الرجل الى منتهى العظمة ؟ كيف تصبح دماؤه جزءا من العلم الذي نرفعه ؟ لم لا اكون مكانه ؟!! ..هكذا كان يقول لنفسه اعتقل … خرج .. اعتقل .. وخرج مرة أخرى .. اين الثورة ؟ لا ثورة ، بح !! قتال، جهاد، احتلال، ميلشيات… اي شيء سوى تلك الثورة التي خرج بها ولأجلها.. .هرب وخرج لا من بطش ولا من تهديد بالاعتقال مجددا ولا من مذكرة قضائية صدرت فيما بعد تحكم عليه بالسجن بتهمة التآمر على سلامة الوطن ومجموعة أخرى من التهم ولا لكلمة قالها له قائد فصيل اسلامي في الغوطة : (انتو الطنطات تبع المظاهرات انتهى دوركن ، هلق دور الزلم الي بتحمل سلاح !!!) هرب لأنه أصبح يحس أنه لو مات اليوم فسيكون ذلك الموت موتا عبثيا موتا بلا هدف أو غاية… رقم قد تذكره نشرات الأخبار في شريطها السفلي وقد لا تذكره.. موت لن يكون له أثر سوى حسرة في قلب أبيه، خرج وهرب لأنه لم يعد يرى ذلك الوطن الذي لم يكن يحلم الا بالبقاء فيه، ليخلو ذاك الوطن من كل شيئ سوى كونه مصقلة سوف تسقط فوق رأسه في أي لحظة …. وقف أمام السور الغربي لقلعة دمشق وبكى وانتحب .. واستذكر قصته وحلمه وحرقة قلبه مذ كان طفلا الى تلك اللحظة، دخن سيجارة .. وألقى عقبها في نهر بردى ومشى الى المنزل وفي الصباح استقل سيارة أجرة الى المطار وغادر . يخطو صاحبنا اليوم ببطئ في شوارع مدينة فرايبورغ في جنوب ألمانيا وعين تنظر الى النهر الذي يتوسطه ويخاله بردى وعين أخرى تحابي ابنه ذا الخمس سنين اللذي لم يولد في الوطن ولم يعش فيه،، ولا يدري ذاك الاب الحزين .. ان كانت هذه اللوحة فصلا أخيرا في حلم لن يتحقق أم أن الأقدار تخبئ
له ولصغيره عودةٌ الى دمشق !!
هذا الهارب المحروق القلب من عاش وما زال يعيش بلا وطن.. هو انا.

 

أسد عبد الكريم القصار، شاعر وكاتب سياسي ساخر من مواليد ١٩٨٧ , يساري التوجه اعتقل ولوحق قبل الثورة وفي أثنائها يقيم ويعمل في مدينة فرايبورغ في الجنوب الألماني.

Previous post

أردوغان خلال مؤتمر صحفي مع بوتين: متفقون على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية

Next post

فضل شاكر: من وقف بوجه الظالم (بشار الأسد) وقال كفى يحاكم ظلما.. شكرا لعدالتكم