Home»غير مصنف»د. رياض نعسان آغا: ذكريات إدلبية1

د. رياض نعسان آغا: ذكريات إدلبية1

1
Shares
Pinterest Google+

د. رياض نعسان آغا – الفيحاء نت

أُهملَتْ إدلب منذ عهد عبد الناصر.. أتذكر ما كان يحكي الرجال في سهرات إدلب في أواخر الخمسينيات، عن وفد من وجهاء إدلب مضوا إلى دمشق لمقابلة المشير عبد الحكيم عامر يطلبون فيه أن يمر الخط الحديدي عبر المدينة فيربطها باللاذقية وحلب ويبثّ شيئاً من حيوية اقتصادية واجتماعية فيها لكونها منعزلة عن طريق (دمشق – حلب) وكانت الخطة أن يمر القطار خارجها.. وعاد الوفد بخفي حنين… ولم تفتر المطالبة في عهد الانفصال، ثم في عهد البعث، لكن الخط الحديدي لم ينفذ إلا بعد عقود.. ومرّ القطار من خارج المدنية، وبقيت إدلب منسية أمداً طويلاً، وقد فاتها ذاك القطار..

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر

 

حين زار عبد الناصر إدلب في أول جولة له في سوريا بعد إعلان الوحدة، خرجت جماهير إدلب تحتفي به وبضيفيه اللذين رافقاه، الرئيس اليوغسلافي تيتو والإمام البدر بن حميد الدين اليمني، كنت طفلاً أرتدي مع زملائي ملابس الكشافة وقد وضعونا في النسق الأول لاستقبال الرئيس، وكنت مذهولاً وأنا أرى حالة تشبه الجنون من الناس في حبّ عبد الناصر، ولكن رجال المخابرات أخبروا عبد الناصر أن هناك مخططاً لاغتياله في إدلب وبالغوا في الحذر، فخسر أهل إدلب كل ما بذلوه من صياح وهتاف مكتفين بحب من طرف واحد، وغادر عبد الناصر وفي نفسه شيء من إدلب..

الرئيس السوري السابق ناظم القدسي

 

حين تسلّم ناظم القدسي رئاسة الجمهورية السورية بعد الانفصال، وبدأ جولة في المحافظات، استعد الناصريون في إدلب لاستقباله بالحجارة والبندورة والشتائم… وقد شكل المحافظ وفداً من وجهاء البلد لاستقبال الرئيس وعرض مطالب المحافظة عليه… وكانوا متفائلين بأن يدعم بلدية إدلب، ويأمر بمرور الخط الحديدي في المدينة، وينفذ بعض المشاريع الحيوية لإنماء المحافظة…

كان الانفصاليون يدركون أنهم معزولون عن الشعب مرفوضون منه، ولذلك تم اختيار شارع ضيق مقابل السرايا القديمة لا يتجاوز بضعة أمتار يلقي الرئيس القدسي فيه خطبته من شرفة صغيرة جداً… لم يكن هناك استعداد أمني، وحراسة مشددة مثل تلك التي كانت لعبد الناصر، بل وقف ناظم القدسي على شرفة السرايا، وجهاً لوجه أمام أعداء نظامه من الناصريين وسواهم، وكنت أقف على بعد أمتار قليلة منه حين بدأ خطابه فانطلقت حناجر الجماهير تردد بصوت واحد: ناصر… ناصر… ودوى في المكان الهتاف الشهير (بدنا الوحدة باكر باكر، مع الأسمر عبد الناصر) ولم يقطع القدسي خطابه… رغم أنه فؤجىء بالحجارة والبندوره تنهال عليه وعلى المنصة… وهاجم رجال الشرطة المتظاهرين الذين فروا بعيداً نحو الحديقة المجاورة للسرايا، وتم اعتقال بعضهم… وكنت قد لزمت جانباً من الجدار، أتفرج على الذي يدور وأنا خائف مذعور…

لم يعد بوسع وفد الوجهاء أن يعرض مطالب المحافظة على الرئيس الذي كان يكتم غضبه وغيظه، وروى لي والدي ـ وكان يمثل علماء الدين في الوفد ـ أن مطالبهم تقلصت إلى رجاء الرئيس أن يعفو عمن تصرفوا بطيش وحماقة… وأصدر الرئيس أوامره بالإفراج عن كل الذين اعتقلوا بتهمة الاعتداء عليه وضربه بالحجارة..
لقد جعلني هذا الموقف النبيل من ناظم القدسي أكن احتراماً عميقاً له، وقد أدركت أن الديمقراطية تحتاج إلى نبل وتسامح كبيرين.

الرئيس السوري السابق نور الدين الأتاسي

 

حين زار نور الدين الأتاسي إدلب بعد أن صار رئيساً للدولة، كان يرافقه الأستاذ جميل حداد الذي كان محافظاً لإدلب و قد صار وزيراً في الحكومة، وكان خلال عمله محافظاً في إدلب قد تمكن من أن يبني علاقات متينة مع الناس الذين أحبوه رغم كراهيتهم لنظام البعث، المهم أن الناس تجاهلوا أن رئيس الدولة موجود وهو من ينبغي أن يرحب به، واكتفوا بالترحيب بمحافظهم السابق الذي أحبهم فأحبوه، حتى إن المتحمسين حملوا سيارة المحافظ السابق، وربما تقصدوا ذلك كي يشيحوا بوجوههم عن رئيس الدولة الذي كان ثالث رئيس لسورية يغادر إدلب ممتعضاً، وكان الرابع حافظ الأسد.

 

Previous post

معتقلة سابقة من ذوي الاحتياجات الخاصة: تعرضت للعنف الجنسي

Next post

مشعل العدوي: ترجمان غير محلف