Home»مقالات رأي»د. يحيى العريضي: ناب الإعلام الأمريكي بجلد (ترامب)

د. يحيى العريضي: ناب الإعلام الأمريكي بجلد (ترامب)

0
Shares
Pinterest Google+

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

مجيء الملياردير “دونالد ترامب” من خارج منظومة “البزنس” التقليدية لـ “فورد” و “روتشيلد” وغيرهما تُشِكِّلُ منه ظاهرة غريبة وتجعل /صوفته حمراء/. أتى الرجل المنظومة بقوّة ذراعه وبلطجيته، وصَنَعَ ملياراته عبر شركات البناء والاستثمار والمنتجعات و”كازينزهات القمار” وتعهدات مسابقات ملكات الجمال, وعالم “المصارعة” وأي شيء يجلب الملايين والقروض التي لا تسدّد عبر إعلان الإفلاس.

لكنَّ هذا الملياردير عجز عن مدِّ أذرعه الأخطبوطيَّة إلى إمبراطورية الإعلام, واكتفى بوضع اليد على “تلفزيون الواقع”، الذي يشكل منبراً ثانوياً في تلك الامبراطورية التي تطعم وتحرم، وتبرمج الرأي العام كيفما شاءت، عبر تحالفاتها مع إمبراطوريات النفط والسلاح والبنوك والتقانات.

لم يتمكن ترامب من عضويتها أو اختراقها، فقرر أن يضع يده عليها كلياً، ولو عن طريق البلطجية السياسية والقفز فوقها من خلال الوصول الى البيت الأبيض، فيكون المتحكم بها وليس مجرد عضو عادي فيها. ومن هنا لم يأت من أحد الحزبين الوحيدين التاريخيين في أمريكا ليتدرّج بالعضوية وصولاً إلى الاعتماد من أحدهما، كي يترشح إلى انتخابات الرئاسة. أتى الانتماء لأحدهما (الجمهوري) اضطراراً من قِبَله, واضطراراً من قبل الحزب، بعد أن هشّم مرشحي الحزب الآخرين.

عمل ترامب فوراً على وضع اليد على مؤسستي السلاح والنفط خلال تشكيله لطاقمه؛ وكثيرة هي المرات التي تحدث-خلال حملته الانتخابية- عن وجود خيرة الجنرالات في صفّه (هؤلاء يحركون سوق السلاح). وفي اختياره لطاقمه اختار لوزارة الخارجيَّة- وهي الوزارة الأهم في إدارته- رجلاً من عالم النفط “تيلرسون” رغم وجود مرشحين أكثر كفاءة منه للمنصب.

ما بقي خارج سطوة ترامب، كان عالم الإعلام؛ وكانت معركته الأصعب مع هذا العالم، الذي يستطيع أن يصنع من معتوه أو قاصر رئيساً، ويستطيع أن يحرم أو يدمر رئيساً أسطورياً. وفيما يخص منطقتنا فقط، وبحكم معرفتنا بما طالنا من تلك الرئاسات الأمريكية، نذكر أن هذا الإعلام هو الذي جلب “جونسون” و”كارتر” و”ريغن”؛ الأول لا يستطيع أن يدير مكتبة (وضعوا له كسنجر ليديره – ونذكر من أفضاله هزيمة العرب 1967)؛ و “كارتر” الذي كان مزارعاً فاشلاً (ووضعوا أيضا “كسنجر”- بعد ترفيعه من مستشار للأمن القومي إلى وزير خارجية- واستبداله بـ “برجنسكي” ليأتينا من أفضالهما اتفاقيات كامب ديفيد 1979، وخروج مصر من المطالبة بالحق العربي)؛ و”ريغن” الذي لم يكن إلا ممثلاً من الدرجة الثالثة، لينجز دخول إسرائيل إلى عاصمة عربية (بيروت 1982). في الوقت ذاته نسف هذا الإعلام نيكسون طعناً بأمانته، ولأسباب لا تعادل واحداً بالمئة مما فعله “كلنتون” المطعون بأمانته و أخلاقه و”كندي” الذي كان بيته كجحر أرنب لعلاقاته الجنسية التي تجاوزت حتى “كلنتون”. ولكن اغتياله أتى لاحقاً بعد شهرين من اعتراضه على منشأة ديمونة النووية الاسرائيلية.

لم يتمكن ترامب من دخول إمبراطورية الإعلام الأمريكي, ولم يتمكن من نيل رضاها. لكنَّه لم يهادنها منذ بداية حملته الانتخابية. أمَّا هي فلم تأخذه على محمل الجد بداية، وكانت تلك بداية خطئها القاتل.

لقد سحق ترامب منافسيْه من مرشحي الحزب الجمهوري, فاضطُرذلك الحزب إلى ترشيحه, فكان لا بد لامبراطورية الإعلام من استدراك واقع الحال. فكان التركيز تفضيلياً على مرشحة الحزب الديمقراطي “هيلاري كلنتون” التي تنتمي إلى المؤسسة السياسية الحاكمة المتحالفة مع الامبراطوريات الآنفة الذكر جميعاً. ولم يصدّق مخلوق في أمريكا أو خارجها بأن لدى “ترامب” فرصةً في النجاح؛ إلا أن ترامب بقي على استراتيجيته في القفز فوق المؤسسات؛ وكان “مدُّ اليد إلى الخارج” باعتقاد الإعلام؛ ومن هنا قصة “الارتباط مع المؤسسة المافيوية الروسية”؛ ومن هنا تكريس قصة تقانات السطو وقرصنة المعلومات وبينها (إيميلات) في المعسكر المناوئ لترامب, وتأثيرها في نتائج الانتخابات. ولا تزال تلك المعركة حامية الوطيس حتى الآن, حيث يتخذ الإعلام منها البوابة التي يمكنه من خلالها إزاحة “ترامب”، بعد أن تسلل في غفلة منها إلى البيت الأبيض.

حرب الإعلام على ترامب لا تتوقف؛ ويزداد أوارها مع كل خطوة يقوم بها “ترامب” حتى ولو كانت لصالح أمريكا، ولصالح أمنها القومي. فأن يجلب رئيس ما يقارب النصف ترليون دولار إلى الخزانة الأمريكية، ويحرك مؤسسات السلاح والنفط والتقانات والاقتصاد عامة، ليس بالإنجاز القليل؛ إلا أن إمبراطورية الإعلام تستمر بالهجوم على ترامب، وكأنه سحب نصف الترليون تلك من أمام المواطن الأمريكي.

الحملة على ترامب لم تقتصر على شخصه فقط، بل يطال سعيرها طاقم إدارته أيضاً, علَّ البناء ينهار من خلال ضرب أعمدته التي اختارها ترامب بعناية. لا بد أن ذلك الإعلام كان مضطرّاً بداية أن يشيد بتلك الأعمدة؛ فسيَرٌها الذاتية غاية في القوة؛ إلا أن فشله في نسف شخص “ترامب”، اضطره للعمل على نسف أعضاء إدارته؛ فتراهم يتساقطون الواحد تلو الآخر, وصولاً إلى كبير موظفيه في البيت الأبيض.

مؤخراً يجري التركيز على الوزير الأول في إدارته، السيد “تيلرسون” وزير الخارجية. فقد نشرت “واشنطن بوست” في عددها الصادر يوم الاثنين 7-8-2017 مقالاً بعنوان {“تيلرسون” مخيب جداً للآمال}, متجاوبةً مع موجة أو حملة تمهيدية لنسف مصداقية الرجل تحت يافطة نية ترامب ازاحته لعدم رضاه عن أدائه.

تشكِّك الصحيفة في مقالها هذا بمؤهلات تيلرسون لشغل منصب وزير الخارجيَّة، وتعتبره معادياً للمؤسسة التي يقودها، وتقول: إن إدارة الوزارة الأولى في أمريكا تختلف عن إدارة شركة نفط.

وفي مقارباته للسياسة الخارجية، كان ذلك الإعلام ذاته قد تغاضى عن الأداء الأخرق للوزير الأسبق “جون كيري” الذي لم يكن أكثر من صبي هرم مرتعد أمام نظيره الروسي “لافروف”. ولم تكتف بالتغاضي عن معلمه معدوم الموهبة الذي مرّغ هيبة أمريكا بالتراب والعار، بل أشادت به. وتبرز في هذا السياق القضية السورية التي سلَّم السيد “أوباما” ملفاتها على طبق من ذهب إلى “بوتين”. وأعتقد أن أحد أوجه الهجوم على “تيلرسون” يتعلق بأدائه تجاه القضية السورية، حيث جعل “لافروف” وحتى معلمه لا يعرفان الطريقة التي يرضيانه بها، وينفذان له ما يريد بعد أن أبلغهما في الثامن من نيسان في موسكو أن المقاربة الروسيّة للمسألة السورية فاشلة.

وبجدية تامَّة يمكن القول إنَّ الأمور في سورية لا تتحرك الآن إلا وفقاً للإرادة الأمريكية، ولا تتحرك وفقاً لمصلحة بوتين بل مصلحة أمريكا. وفيما يخصُّ السوريين فالمسألة ليست مسألة مفاضلة بين روسيا و أمريكا، أو بين شرَّيْن فكلاهما بالنسبة إلى السوريِّ سم زعاف، مع فارق صغير بينهما، لكنَّه جوهري، فالإدارة الروسية المسيطرة تريد أن تسحق ثورة الشعب السوري، وتعيد الحياة إلى نظام الأسد الاستبداي بغعادة تكريره. أمَّا الإدارة الأمريكية فربما تختلف قليلاً لتبقي على بصيص أمل يعيد للشعب السوري الروح والحياة؛ فالوزير “تلرسون” ما يزال يقول- وأعتقد أنَّه جاد- بأن لا وجود لمنظومة الأسد في مستقبل سورية.

أخيراً- ومع استِعار الحرب بين “ترامب” وإمبراطورية الإعلام- يمكن للمرء أن يتجرأ على التنبوء ويقول بأن إمبراطورية الإعلام ستخفق لأول مرة أمام رجل لا يعرف التراجع أو الخوف، وبالتالي لا يعرف الإخفاق، لأنه إن أخفق سيسحق من يُوصله إلى ذلك بالمعيّة, وإمبراطورية الإعلام غير مبرمجة للوصول إلى نهاية كهذه. كلمة أخيرة بخصوص وزير الخارجية الأمريكي الذي يستهدفه الإعلام ليكون ثغرة وربما “عورة” “liability” في جسد ترامب، إلا أنه بإمكان هذا الرجل أن يكون عنصر تحصين لترامب وتحديداً في الملف السوري عبر لجمه وترويضه للثعلب “لافروف” ومعاكسة كل ما يدفع باتجاهه؛ فلافروف يجانب الحقيقة كلما تنفّس؛ وعليه أن يعرف أن استعادة روسيا لما سمّاه “ريغن” يوماً /امبراطورية الشر/ سيكون من سورية.

Previous post

تفجير انتحاري يستهدف معسكرا لجيش الإسلام في درعا

Next post

سرايا أهل الشام توقف الخروج من عرسال وتطالب بالالتزام بالاتفاق