Home»ثقافة وفن»رداً على مقال انجيل الشاعر في جيرون.. عن التاريخ والأدب في عين الشرق

رداً على مقال انجيل الشاعر في جيرون.. عن التاريخ والأدب في عين الشرق

10
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – محمد صارم – شاهدون

من الطيب والجيد أن تتعدد الأصوات والقراءات في عمل واحد، مهما تباينت ،واختلفت في تقييماتها ونظرتها إلى هذا العمل، على إن تنطلق من ممكنات النص ومضمراته، لا من آليات ذهنية خارجة عنه، أو من تصورات مسبقة، وعلى أن تتلمس في كوامنه ما يحقق لها الوصول إلى مراميها، فكل قراءة جديدة هي كشف إضافي، واختراق جمالي ومعرفي لأسوار النص، لتحديد هويته ومعالمه بشكل أعمق، وترسيم حدود انغماسنا فيه، أو نفورنا منه.

غير أن الكاتبة أنجيل الشاعر في قراءتها لرواية عين الشرق للكاتب إبراهيم الجبين لها تصور مغاير في هذا الشأن، فالرأي الأخر لا يستوجبه النص بذاته، ولا تفرضه الرواية المذكورة، وإنما هو ضرورة المخالفة والاختلاف لإيجاد صوت آخر.

فعلى الرغم من إعجابها بالرواية، كالآخرين، وفق ما يمكن أن يُفهم من كلامها، وبالكاتب، أيضا حسب وصفها، تقول الكاتبة: ” كل من قرأ رواية إبراهيم الجبين..أعجب بها حد الذهول”، و تتابع: “كاتب مثله لا ينقصه السحر في إذهال القارئ، لكن لا بد من رأي آخر يخالف ما جاء في الرواية من آراء لكي تتضح الجوانب الأساسية في الرواية”.

تعادل صيغتها القول: لو لم يكن هناك رأي آخر لوجب علينا ابتداعه، وذلك للنظر إلى الرواية من زاوية أخرى. حسنا! يمكن اعتبار هذا مقبولا في العموم، لكنه في النقد يتجاوز الموضوعية الملقاة عليه، فالنقد سلطة على سلطة النص، تنأى بنفسها عن التحيز الأولي، وإعلانها هذا يشهر تحيزه المسبق للقراءة، أو الكتابة، عن الرواية، بداعي الاختلاف.

ولكن أي اختلاف هذا؟ وما الذي تأخذه الكاتبة على الرواية؟
تقول الكاتبة:”لن أتطرق الجانب السياسي،أو السلطة السياسية التي عراها إبراهيم الجبين،كما عراها كثير من الكتاب والكاتبات من قبل والأمثلة كثيرة، على وجه الخصوص في الأعوام السبعة الأخيرة؛ إذ صدر، حول الوضع السوري، أكثرُ من اثنتين وعشرين رواية حتى عام 2016، معظمها لكتّاب وكاتبات معارضين ومعارضات، يقيمون خارج سورية، وقد بات القول فيها نافلًا ومعروفًا لدى كل مواطن سوري، وإن كان بعضهم يخفي معرفته بذلك عمدًا،” .

بداية من الإجحاف القول: إن المضامين هي من يحدد مشروعية العمل الأدبي، فهي،أي الكاتبة، تضع الرواية في سياق التشابه مع سواها، ولا يقع الإجحاف على رواية عين الشرق، وإنما على الروايات السورية الأخرى، وعلى جوهر العمل الأدبي الإنساني بعمومه، والمتشابه في مضامينه.

والكاتبة هنا رغم إقرارها بالتوافق مع المضامين السياسية للرواية في تعرية التسلط والاستبداد، لكنها تحط من قيمة هذا الاعتراف بدواعي شيوع تلك المضامين في عدد
كبير من الروايات السورية المعاصرة، و في هذا إشارة منها لعدم إتيان الرواية بشيء جديد على هذا الصعيد ، وكأن جوهر الأدب مجبول على ماهية ما يقول، لا على الكيفية، وعلى الرغم من هذا فإن الإجحاف لا يتوقف هنا أيضا، لأنه، حتى، وفق معاييرها تلك، فإن المضامين الرئيسة لعين الشرق لا تقتصر على الجانب السياسي فقط.

وعلى الرغم من إعلانها عدم نيتها في مناقشة تلك المضامين السياسية ، إلاّ أنها عادت إليها مرتين ، مرة من بوابة الجانب الذي آثرت الدخول فيه، وهو الجانب الديني كما أسمته، فأخذت على الكاتب استخدامه لشخصية ابن تيمية، ووجدت في استحضاره لتلك الشخصية نكوصا، وابتعادا عن عصر التنوير الذي نحيا فيه، إلى عصور غابرة يستعيدها الكاتب، وهي فكرة غريبة على عالم الأدب، و أقل ما يمكن وصفها بالخلط بين الكاتب وأدواته.
وابن تيمية هو أحد شخصيات الرواية المتعددين، وكان الكاتب الجبين عمد إلى استنطاقها،أي الشخصية، في حوار متخيل، ضمن توظيفه المتعدد للتاريخ، وضمن استلهامه لعصر شديد الخصوبة دلاليا بما يتوافق مع ما نحياه الآن، وكان الحوار في سجن القلعة الذي قبع فيه ابن تيمية، يتعدى سطوره الواضحة، وكلماته المباشرة، ليشير إلى أن العلة ليست في الرجل، العلة هناك في مكان آخر، هناك، حيث يقبع صانعوه، صانعو محمود غول آسي، وأمثاله .

ومرة أخرى عادت الكاتبة إلى المضامين السياسية ، ولكن من بوابة تعرية النخب الثقافية، مستعينة،هذه المرة، بنص طويل لميشيل فوكو يعري فيه الاستبداد القائم على إخضاع الجسد بوسائل التعذيب لخلق تشكيلات إنسانية مطواعة بمقدار ما هي مقهورة وخائفة.
ومن نص فوكو تبني الكاتبة دفاعا عن تلك النخب العاجزة بوصفها جزءا من هذا المجتمع المقموع، وتوجه لوماً للكاتب إبراهيم الجبين الذي لم يترفق بأحوال هذه النخب البائسة، ولم يتفهم ظروفها.
وتخلص الكاتبة بعدها إلى نتيجة “فالسلطة المراقِبة والمعاقِبة لا بد أن تنتج مجتمعًا خاضعًا وطيعًا، ولا يتوجب على المثقفين -كإبراهيم الجبين- السيرُ في هذا الاتجاه بطريقة أدبية تنال من كرامة الإنسان كإنسان،”

في هذا الدفاع لا تهدم الكاتبة أنجيل الشاعر دور المثقف ووظيفته، الثقافية والسياسية، بوصفه واعيا وثائرا بآن معا، بل تبرر أن تتحول الثقافة بمجملها إلى حدود المعرفة ذات الطابع النفعي على الصعيد الشخصي، وتسلّم بدوره الوظيفي في مساندة الاستبداد، لأن الظروف غير مواتية، ويمكن للمثقف لاحقا أن يتحول إلى ثائر بعد زوال الاستبداد.

ولا يتوقف الأمر هنا على صعيد النخب الثقافية، فالكاتبة تتحدث عن ” شخصيات تحضر في الرواية بأسمائها الصريحة، وقد عرّى بعضها من القيم الإنسانية والأخلاقية، في ضوء مواقفها من الثورة السورية، من وجهة نظر طائفية بحتة.”

يثير هذا المقتبس الكثير من الأسئلة: أولها على المستوى اللغوي لالتباسه، فليس معروفا تماما إن كان الكاتب الجبين قد عرى بعضها من وجهة نظر طائفية بحتة؟ أم أن أولئك المثقفين الذين حضرت أسماؤهم في الرواية، قد اتخذوا موقفا معاديا من الثورة السورية على خلفية مواقف طائفية.
وهنا نغدو بين احتمالين يقف الأول عند سوء الظن عبر اتهام الكاتبة للكاتب بالطائفية، يعززه هذا المقتبس من قولها “هذا الخطاب الجديد في الرواية التوثيقية أو التاريخية كرواية (عين الشرق)، لا يتيح للقارئ إلا أن يتعاطف مع طائفة معينة من الطوائف السورية، لا مع الإنسان السوري، وهذا ابتزاز عاطفي اتبعه، من قبل، الكاتبُ خالد الحسيني في روايته (عداء الطائرة الورقية)، إذ جعلنا نتعاطف مع “الهازارا” أو الشيعة على حساب الإنسان.”
ويقوم الاحتمال الثاني الذي أرجحه شخصيا، على حسن الظن، بافتراضها صياغة غير موفقة باعتبار الذين عراهم الكاتب قد اتخذوا موقفا من الثورة السورية على خلفية طائفية.

ولكن السؤال الأبرز في هذه النقطة وخارج السياق اللغوي: ما شأن الثورة السورية برواية عين الشرق؟ فأحداث الرواية تعود إلى زمن سابق علي الثورة، ومن عراهم الجبين كشخصيات حضرت بأسمائها ليس مرتبطا بمواقفهم من الثورة بأي حال من الأحوال، بل يعود إلى سلوكياتهم المنبثقة من شخصياتهم وتكوينهم، ولعل موقفهم اللاحق من الثورة السورية على خلفية طائفية يعزز ما ذهب إليه الكاتب إبراهيم الجبين.
وعن النخب الثقافية الساقطة أيضا، تعتبر الكاتبة أن إبراهيم الجبين قد أخطا مرتين، مرة بانتقاده لتلك النخب، ومرة أخرى بانتمائه لتلك النخب فتقول:
“ا السؤال الأهم: هل خرج إبراهيم الجبين من دائرة المثقف السوري؟ أما عرّى نفسه قبل أن يعرّيه؟

ألا يقودنا هذا إلى سؤال إضافي: هل كان على الكاتب إبراهيم الجبين أن يتجنب تعرية النخب الثقافية وانحدارهم الأخلاقي في تلك الحقبة من الاستبداد، كي لا يصيبه سهم انتمائه لتلك الشريحة وفق رأي الكاتبة، أما كان عليه أن يصمت ليفوز الجميع، بمن فيهم هو؟.

ربما فاتنا أن نذكر أن عنوان المقالة ” التاريخ في عين الشرق” والكاتبة تأخذ على الرواية أنها حشدت الكثير من القصص والحكايا الأقرب إلى حكايا الجدات لتصنع تاريخا، إذ تقول في هذا الصدد:”معظم الحكايات أو السرديات تحتوي على نوع من التاريخ، بمعناه الشعبي الشائع، تاريخ المكائد والمؤامرات. المؤامرات لا تصنع تاريخًا”. ولكن مع وجاهة هذا الرأي يجب تذكير الكاتبة أن عين الشرق ليس كتابا تاريخيا، هو محض رواية أدبية تمزج الخيال بالواقع، وتستخدم التاريخ كأحد أدواتها فحسب.

Previous post

مهاجرة سورية: أصدقاء على ضفاف السكايب

Next post

النظام يحاول صناعة نصر بكذبة إعلامية حول عودة اللاجئين