Home»أدب الثورة»سرمد جيلاني: حرية مرهونة بالموت

سرمد جيلاني: حرية مرهونة بالموت

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – سرمد جيلاني – رصيف 22

استيقظ مع حاستي السادسة، يُفضّل كثيراً من الناس أن يدعوها “تَطَيُّر”، أٌفضّل أن أدعوها حاسةً سادسة، معرفة الأيام السيئة في لحظاتها الأولى، ويا لكثرتها مؤخراً، لو فرضنا أن مؤخراً تشتمل على نصف قرنٍ من العمر، لم أعش نصفه حتى الآن.

نصف ساعةٍ كانت كافيّة لأتأكد من وثوق حاستي مجدداً، وأنا الباحث عن تكذيبها ولو لمرّة.

يصلني خبر وفاة فدوى سليمان، مهما اختلفت الطرق أو الأماكن، ما للسوري إلا موته، فدوى إحدى السوريات الثائرات التي اشتهرت كثيراً في شهور الثورة السوريّة الأولى، كان لصوتها الصادح في الخالدية والبيّاضة بحمص صدىً هز أركان “تنظيمٍ علماني مُسلّح” يحتّل البلاد وينتهك حياة العباد تحت مظلّة تُسمى “نظام حاكم”.

تنطوي صفحة فدوى مثل كثيرين، دون أسىً، إلّا من القريب، سبعُ سنين كانت كافية لنُصبح أرقاماً كلما زدنا خانةً جديدة ارتفع غلاء روح “سيادة الرئيس” وكأننا ما كنا يوماً أروح تضجّ بالحياة، وفي الحديث عن الحياة، التي بتنا نمارسها كذنب، تؤرقني فكرة العيش في أوروبا، نموت نحن، مقصوفون، مغتالون، معتقلون، متوفون، نموت غصباً، ويحرقنا لهيبُ حربٍ هي الفاتورة الأكبر لمطالبٍ تُعتبر أدنى الحقوق في العالم، يحرقنا لهيبٌ في قارّةٍ هُجِّرنا منها، في الوقت الذي يكون همّ صديقك الأوروبي تناسق لون ملابسه، أو تسريحة شعره الجديدة، ربما ليس ذنبه ما يجري لنا، ولا هو ذنبنا أيضاً!، كلّ الأرواح التي خسرناها، لم يروها تعادل روح الطاغية حتى الآن، وأصبح خبر مئة شهيدٍ مثل جنازة جارتك العجوز الطاعنة في السن، ينتظر أولادها وفاتها كي يرفعون الآجار عليك، وتستمر أنت في ممارستك اليومية، نعيّ الأحبّة، لتصبح عادةً لا أكثر.

بدأت قصتنا يوماً ذات ثورة، أوهمونا بوقوفهم معنا، أعطونا من الآمال بحجم بواخر السلاح التي زوّدوا فيها قاتلنا، بل زادوه أكثر، تحدثوا لنا عن أحلام رؤيتنا في مصافي الدول، على صناديق الاقتراع، نعيش الديمقراطية والحريّة، أسعدونا بأحلامٍ هي حقوق الشعوب الأوائل، وفرحنا، رَعونا، حتى أصبحنا أكباش الفداء، ذبحونا، ومتنا، تحت الأرض، فوق الأرض.

بدأت قصتنا يوم قررنا الخروج في ثورةٍ ضد الظلم، وبحكم احتلالٍ امتدّ لأكثر من خمسمائة عامٍ متقطّعة اختلفت وجوه المحتلِّ فيها مع توحد الهدف، كما القتلة الآن، لم يكن لنا خبرة في الثورات، خرجنا على فطرتنا الأولى، قررنا التوقف عن إعطاء الخد الثاني عند تلقي الصفعة على الخد الأول، أفهم صعوبة استيعاب العالم لما قمنا به، أما الآن، بعد نصف مليون شهيد وأضعافهم من المعتقلين والمغيبين قسراً، بعد نصفِ شعبٍ مُهجّر، كيف يمكن لمن لديه السلطة ألّا يتأثر فينا !، كيف يمكنه مسح دماء المدنيين الملطخة إيديه فيهم ويكمل يومه، كيف لا يتملّكه رغبة بمحاسبة الجلّاد ! بدأ حكم آل الأسد منذ نصف قرن، وبدأنا منذ مئات آلاف السنين! كيف أصبحوا أصحاب أرضٍ وأصبحنا مُهجّرين؟!.

صمتٌ وموت، المتلازمان كاسمين يجمعهما الـواو لغةً، ويجتمعان واقعاً، الموت الماشي بهدوء، ينثر نفسه على المنازل والساحات، يرفض أحداً إعارته أي انتباه، يتجنب الناس حديثاً يشمله، يكرهونه، وهو الحاضر رغماً عنهم، وبقوة .الموت بهدوء، كاستسلام الضحيّة لجلّادها – حتى لو لم تفعل -، إيماناً بصواب القدر، إيمان القاتل بشريعته، اختلفا حتى وصل كلاهما للموت، واتفقا على “سماويّة النيّة”، فلا تبرير له إلا بعد أن يتحقق، ولا ندم على السكوت إلا بعد وقعوه، أما العالم، يشخص الأبصار لهيبةٍ قامت على أرواحنا.

لم يحتج قاتلاً للتذكّر، على مرّ الزمان لم يستعد مجرى ما فعله ليوافق الضحيّة على هول أفعاله، والجريمة وإن غدت بعيدةً عنّا، ما زالت ترتسم في حياتنا بقوّة.

لم نستطع الخروج من الحدود، لم نقدر على تجاهل الصمت، هربنا للمدن البعيدة، المزدحمة الني نضجّ بالحياة، للمدن التي لا نسمع فيها صدىً لأي ذاكرة.

نحاول استجماع بقايا ركام الإنسانيّة فينا، ننظر إلى أطفالنا، كـ”عمراناً” فاته برمليه المسجّل بإسمه، لا فرق بين أنفاسهم وأنفاس أخمدها الموت، في مثل هذا اليوم الماطر، حمماً عليهم لا مطر.

نبرر لأنفسنا، لأنفاس الطفل، ولم يكونوا أطفالاً يوماً، كُتب عليهم أن يكونوا رجالاً للحاضر، للمستقبل الآتي، رأوه أم لم يستيطعوا.

نسوةٌ لم يعشن خارج تلك الدائرة، دائرة الحرب، أمهاتٌ لرجالٍ قادمون، أو قدموا، لا فرق.

أو الأموات، المتوارين تحت التراب، رافضي النسيان، المشتعلين ثورة، كما الأحياء تماماً، بفرق روح.

أبناء دولةٍ قررت محاربة الشيطان بقتل أبنائها، أجسادٌ ضعيفة، تحت تدفق شلالات الدماء، في العراء، جيلٌ مرّ، قاتلٌ لم يهجل، مذابح ملحميّة، لا سجن لا إعدام لا اعتذار للضحيّة .

وما زلنا هنا، نحن، هم، الحق، الباطل، الشهداء، القتلى، الضحايا، المدنيين، العسكريين، القتلة، المقتولين، المخطئين، المحقّين، المتعبين، المغتربين، المُهجّرين، النازحين، المرهقين، الثائرين.

لم ينقص، سوى كمٌّ هائلٌ من الأجساد، ولم تزد سوى أرواحٌ سكنتنا ومتنا.

Previous post

بدء اجتماع المعارضة في الرياض

Next post

محمد المطرود: شهداؤنا في الجنة قتلاهم في الجحيم