Home»ذاكرة الثورة»سلام أبو شالة.. من الزبداني إلى المنفى.. يومي الأخير في سوريا

سلام أبو شالة.. من الزبداني إلى المنفى.. يومي الأخير في سوريا

62
Shares
Pinterest Google+

سلام أبو شالة – خاص الفيحاء نت

يحدثُ أنَّ..
سلام أبو شالة ـ الفيحاء نت

من يسيرُ في طرُقاتكِ الخراب؟
من يغلقُ نوافذكِ المخلوعة عُنوةً؟
لا أضواء في غُرف أطفالُكِ
مات الدفء في شوارعكِ
وبردَ الحليب في أثداءِ الأمهات

أغادِرُكِ ليس هرباً من الموتِ
بل.. من الاعتقال!.

ما زالَ المفتاح معي
وآخرٌ..
خبّأتُهُ في أصيص وردةٍ
قبل أن تُبحرَ الأشرعة
تركتُ له أمنيتي الوحيدة
علّه يصدأ مع قلبي
على مهلٍ.. في الغُربةِ؟.

هذا آخرُ ما كتبتُه قبل خروجي من الزبداني في أحد صباحاتها العكرة المبللة بالرماد والدم.
لم يكن ليخطر على بالي البتة في يوم من الأيام بأنني سأرحل وحيدة إلّا من نفسي التي تركتها تائهة في شوارعها المترعة بالحنين؛ هائمة في أزقتها التي ما زالت تحتفظ بخطى المارة وأصوات الأطفال وهم يغادرون منازلهم على عجل إلى المدارس في شهر أيلول.
لم أستطع النوم على مدى يومين قبل رحيلي، كنت قلقة جداً على ابنة صديقتي التي أصيبت بشظايا برميل أسدي.. لم أنس صورتها أمامي وهلعها الشديد وصراخها بعد أن رأت الدم ينهمر من جسدها الغضّ، الفتاة الصغيرة تنتمي لعائلة رفضت النزوح من الزبداني وسُجنت في الحصار القاتل؛ أضحت بأعين نظام الأسد “عائلة ارهابية”.
كل ذلك يمرّ أمي كشريط فيلم سينمائي لكن دون فترات استراحة.
بالأمس وأنا أضع قطعة من الخشب الأخضر في المدفأة “صوبيا المازوت التي تحولت إلى مدفأة تعمل على الحطب” أصبت بالسعال الشديد، قالت لي صديقتي خائفة، ماذا بك؟ فأجبتها لا بأس.. مجرّد تحسس من رائحة البارود والقذائف وأردفت: المهم أننا أحياء.


كان هاجسا الحياة والاصرار على النجاة، يمنحاني القوة كي أخرج من الزبداني سالمة من الموت والحصار في آن معاً؛ كي أرى أبنائي فقط.
لم يكن يهمني أي شيء آخر، طغت مشاعر الأمومة على كياني وأصبح كلّ الأطفال المحاصرين أطفالي.
جاء أحد الأطفال الذي وُلِدَ ونشأ خلال سنوات الثورة ليراني كعادته في كل صباح.. فأعطيته قطعة من البسكويت وعلبة حليب صغيرة ماركة “نستلة” كانت معي مُخبأة منذ مدّة، فقلبني بشّدة وقال لي: ” أنا بحبك كتير” وركض فرحاً ليخبر والدته.
بكيت كثيراً بعد ذلك وأخبرت خالته بأنّي سأغادر؛ وبأنّي سأشتاق له كثيراً ولكلِّ شيء في مدينتي المنكوبة.
بقيت لي ساعتان على الرحيل، خرجت إلى الشارع الذي يُفضي إلى “ساحة المحطة ” بالكاد أستطيع المشي من الركام، صوتٌ من بعيد ناداني باسمي وصرخ بي: أُسرعي.. ثمة قنّاصٌ هنا.


ربما كان أسدياً والأرجح أنه من “حزب الله” اللبناني؛ وقد شلّ الحركة تماماً في الساحة.
اتجهت نزولاً وأنا أختبئ من الرصاص الطائش إلى حيِّ “عين جابر” وتابعت بين بساتين “عين الحمّة” إلى بيتنا..
كان الدمار شديداً.. ذكّرني بصورة لمدينة “هيروشيما”.
أذهل وأنا أرى تبعات الحقد الكبير في التدمير؛ والذي صهر الحياة بكل مكنوناتها في بوتقة الموت.
وأنا أقترب من المنزل.. لا زلت أسمع صدى صوتي على درج منزلنا وأنا أوصي ابنتي أن تأكل التفاحة أثناء الفرصة بين الدروس؛ وأقول لابني أن يهتمّ بأزرار سترته المدرسية:
– هل تأكلها يا ولد؛ صارت سترتك كعجوزٍ فَقَدَ أسنانه.
وأنا أرى صورَ مدينتي المنكوبة اليوم من بلدِ تغريبَتي الطويلة، أعرفُ جيداً أن المفتاح الذي خبأته معي سيحتاج باباً كي يفتحه.. في حين اختفت منازل المدينة جميعها مع أبوابها.
وبعد أن خسرنا بيوتنا.. فقدنا الطريق إليها..!.

 

سلام أبو شالة، كاتبة سوريّة من مدينة زبداني، تسببت الآلة القمعية لقوات النظام واقتحامه المدينة، بتهجيرها إلى تركيا، واستقرارها في إسطنبول.

يومي الأخير في سوريا.. زاوية يُترك فيها الحديث، لكاتبها بالبوح، عمّا حصل في اليوم الأخير لوجوده في سوريا، وحين قرر الهجرة تحت وطأة عنف النظام وملاحقته للأحرار، وكمّ الأفواه

 

Previous post

هكذا ردّ لاجئون سوريون على الألمان بعد ملصقاتهم العنصرية

Next post

رضوان زيادة: الفيدرالية نظاماً سياسياً