Home»ذاكرة الثورة»سمية طه: اليوم الأخير في سوريا

سمية طه: اليوم الأخير في سوريا

2
Shares
Pinterest Google+

سمية طه – الفيحاء نت

كان قد بقي لرمضان من سنة 2012 يومان كنت في ظهيرة ذلك اليوم أتسوق في الصالحية فاشتريت بلوزة رياضية وجزداناً صغيراً وعدت إلى البيت كان الوضع في منطقتي غير طبيعي.
ركنت سيارتي عند باب الجامع واشتريت من البقال إندومي وآيس كريم ودخلت إلى بيتي ،انتبهت على الفور أن الكهرباء مقطوعة توترت قليلاً مسكت جوالي وحاولت الاتصال بصديقتي فلم أستطع فالشبكة مقطوعة ، ارتعبت من صوت أول قذيفة هاون كانت الساعة الخامسة تماماً فتحت النافذة فسمعت أصواتاً تصرخ وتقول مات مات..

أغلقت النافذة وجلست على الأرض أنتظر الفرج من الله فجأة امتلأت غرفتي بالغبار وانتشر زجاج النوافذ في كل الغرفة وسمعت صوتاً قوياً في المبنى الذي أقطن فيه توقعت أنها قذيفة
لم أصب بأذى لكن هرعت إلى مكتبي فأخذت ورقة وكتبت عليها اسمي ورقم هاتف أهلي
أنا كنت طالبة في جامعة دمشق وأهلي يعيشون في اللاذقية
خفت قذائف الهاون بعد قليل وخفتت كل الأصوات عدا صوت طلقات الرصاص انتظرت أذان المغرب ظننت أنهم سيتوقفون عن القصف وإطلاق الرصاص أثناء وقت الأذان فهرعت إلى باب البيت الخارجي المطل على الشارع ومددت رأسي فسمعت مباشرة صوت شيءٍ اخترق بلور سيارةٍ كانت تقف عند باب البيت توقف قلبي عن النبض ودخلت إلى البيت مرة أخرى
جرات الغاز كانت مقطوعة لذلك اشتريت سخاناً كهربائياً لأطبخ عليه والكهرباء مقطوعة لذلك أكلت الإندومي من دون طبخ وشربت الآيس الكريم الذي ذاب
لبست بلوزتي الجديدة والتي أحتفظ بها حتى يومنا هذا وجمعت شهاداتي ووضعت جواز سفري في جزداني وانتظرت الساعة المناسبة لأهرب مما أنا فيه.

 
جلست أتذكر دمشق وحاراتها وقلت في نفسي كل شيء طبيعي فقد كنت طوال اليوم أتنقل بين المنطقة والأخرى وكل شيء كان على ما يرام
مسكت اوراقي وتوجهت مرة أخرى لباب البيت فتحته وخرجت مشيت خطوتين فصرخ شاب من بعيد مجنونة عودي إلى بيتك وأطلق أعيرة نارية في الهواء دخلت إلى البيت بعد أن نشف الدم في عروقي وجلست أنتظر وأنتظر حتى الساعة العاشرة إلا عشرة دقائق سمعت أذان العشاء ففتحت باب البيت لأرى الناس تهرب أفواجاً
ركضت إلى سيارتي تفحصتها وعندما مشيت فيها حمدت ربي بأنها لم تصب بأذى ،الطرقات الرئيسية كانت مغلقة بحاويات مشتعلة فلجأت إلى حارات التضامن الفرعية التي أحفظها كلها وكأني كنت أحاول الخروج من متاهة دخلت أخيراً في طريق رئيسي خالفت كل الإشارات وأكملت طريقي قطعت أفران الزاهرة باتجاه الاتوتستراد وتوقفت عند أول كشك والتفت إلى الخلف وإذ بقذيفة نزلت في مستودعات الزاهرة وكأن بركاناً انفجر أكملت طريقي إلى ساحة باب مصلى فوجدت الدنيا طبيعية الناس تتسوق وتتمشى وكأن ما من شيء يحدث بالقرب منهم.

كنت خائفة كثيراً من وصول القصف إلى مناطق أخرى بدمشق فقررت السفر إلى اللاذقية توجهت إلى كازية حرستا فسألني الرجل العامل فيها إلى أين تذهبين في هذه الساعة يا ابنتي وعندما قلت له إلى اللاذقية صرخ صوتاً وقال مجنونة انتظري حتى الصباح على الأقل
ركنت سيارتي عند الكازية ونمت فيها وما أن أشرقت الشمس حتى بدأتُ برحلتي عندما وصلت إلى تحويلة حمص كان الطريق مغلقاً بسبب انفجار صهريجين فيول وتفحم ما حولهم من سيارات بمن فيهم انتظرت ما يقارب ال3ساعات ثم انتبهت لخط عسكري هو الوحيد المفتوح


كان معي بالسيارة علمين علم الثورة وعلم النظام.. لففت علم الثورة على بطني تحت ملابسي ورفعت علم النظام الكبير على سيارتي واخترت أغاني تمجد النظام ورئيسه وتوجهت مشياً إلى الحاجز وقلت للضابط أنا فتاة وحيدة الإرهابيين بالأمس قصفو بيتي وأريد أن أصل اليوم إلى اللاذقية وأشرت للضابط تلك سيارتي فشعرت وكأنه رأى كنزاً ثميناً سيارة مغطاة بعلم النظام وأغاني تمجد رئيسه فقال لي انتظري أول رتل عسكري يمر من هنا أكملي السير ورائه
مشيت بالفعل بعد نصف ساعة وعندما مررت بطرطوس شعرت وكأني دخلت حدود دولة ثانية
عند جسر بانياس رأيت الدبابات
وصلت أخيراً إلى اللاذقية فوجدتها أكثر من طبيعية تعج بالحياة دخلت إلى بيت أهلي انصدموا من شكلي والغبار يغطيني كنت خائفة أخبرتهم بما حدث لم يصدقوني حملت شهاداتي وتوجهت إلى تركيا وأنا على يقين بأني لن أعود طالما سوريا محكومة من قبل وحوش

أهلي سافروا معي أيضاً تماشياً مع حالتي النفسية في ذلك اليوم آملين بعودة قريبة
وها قد مرت الأيام والسنين ولم نعد
دمشق التي كانت تمطر ياسميناً أمطرت رصاص
أنا التي وعدت دمشق أول يوم وطأتها بأني لن أتركها أبداً تركتها عند أول رصاصة وأول قذيفة وأصبحت لاجئة بعيدة عنها لاجئة على حدود وطني أنتظر يوم السقوط الأخير يوم سقوط النظام

Previous post

كازاخستان: اجتماع آستانا المقبل سيناقش قضايا المعتقلين السوريين

Next post

الحمض النووي يدين المتهم بقتل عروبة بركات وابنتها