Home»أسرة ومجتمع»طعم البساطة.. حنيننا للأشياء التي لم نكن نشعر بقيمتها

طعم البساطة.. حنيننا للأشياء التي لم نكن نشعر بقيمتها

6
Shares
Pinterest Google+

مفيدة عنكير – الفيحاء نت
لم أكن أعلم أن أمي كانت تقصد هذا حقا، حين كانت تقول لنا:” ستأتي عليكم أيام وتتحسرون عليها”. كانت تكرر هذه الجملة حين كنا نتذمر من طبخها لـ(الخبيزة أو المجدرة أو البقلة)، كنت أظن أنها تقصد أننا سنصاب بفقر ولن نجد ما نأكله. ربما هذا ما أصاب بعض الناس الذين أعرفهم حقا، إن لم يصبني أنا بشكل مباشر، وأقصد الفقر والقلة بسبب ما آلت إليه أحوالهم بعد كل ما أصابهم من شتات وتهجير وفقر في الحال. لكنه أصابني هنا وأنا في ألمانيا بعيدة عن كل ما أتذكره وأحن إليه. فمذ أتيت لاجئة وأنا أمشي وأحاكي نفسي وأجعل المقارنة سبيلي الوحيد لأغري حنيني بذكريات ربما كانت لا تعنيني..

 

لكنها فجأة أصبحت تلهب أشواقي وتشدني كتفصيل مهم من تفاصيل ماضيّ الذي بات ينخر أحلامي ويقظتي ويعترض أحاديثي اليومية مع أصدقائي وأهلي، وحتى مع كل غريب يسألني وصفا لسوريتي، لأذهب وأبحث عنها كما غيري في المحال التركية والعربية، لكن سعفني كثيرا وجودي في قرية صغيرة لأبحث في الحقول المجاورة لي، حتى أن نفسي راودتني أن أسرق منها لعدم وجود أصحاب لتلك الحقول حولي، لأطلب منهم السماح لي بأخذ بعضها، فما أذكره أن أبي وأمي لم يردوا سائلا لبعض منها.
أرى الأطفال هنا وهم يلعبون بألعاب بعضها جديد وبعضها لم يرها إلا على شاشات التلفاز، وإن رآها قسم منهم فلابد أنه فقدها في حرب بدأت بقتلهم وقتل طفولتهم وألعابهم أيضا، رغم هذا كله ورغم كل هذه الألعاب، لم يتوقف ممدوح “صديقي الصغير” عن الصراخ مندهشا حين رأى (الكلال) في أحد المتاجر المليئة بالألعاب الحديثة، لينادي أخته التي رفضت شراءها له، لأشتريها أنا له رغما عنها.


بقي ممدوح أكثر من عشر دقائق وهو يحدثني عن ذكرياته معها ومع أطفال حارته، ليأخذني أنا أيضا لذكريات أخوتي وشجاراتهم المستمرة مع أصدقائهم وهم يتباهون من فاز ومن خسر، ومن منهم جمع أكثر عدد من “الكلال”. أيعقل أن كرات بهذا الحجم أيقظت فينا كل هذا، لم ننسى أن نتذكر أيضا لعبة الحجارة (القاموع) وكم اختبأنا ومارجعنا بعدها، لتقاطعنا نايا ضاحكة وتذكرنا بلعبة (الوار) تلك الحصوات التي هشمت أصابعنا تهشيما جعلنا لا ننساها.ضحكنا وبكينا دموعا خبأناها عن بعضنا لنكمل طريقنا في شوارع مدينتنا الألمانية التي لايوجد فيها أي حفرة صغيرة تدل على أن أحدهم لعب هذه اللعبة سابقا، وحتى أننا لم نرى حجارة فيها أيضا.


تحرك صور العجائز هنا صورة جدتي أيضا في مخيلتي، جدتي التي لم تعد تذكرني ربما، لكني متأكدة أن بعضا من السكاكر لازال في جيبها، خشية مرور طفل عابر تعطيه إياها، جدتي التي ترفض أية نقود يعطيها لها أبناؤها، وتكتفي بسعر البيض الذي تجمعه وتبيعه كل أسبوع فقط لأنها لا ترضى أن يقال ( الحاجة ديبة) حملها ثقيل في كبرتها، بينما أراني أنا وغيري نسارع لنتعلم كيف نعتني بالعجائز هنا، لأن هذا العمل من أكثر الأعمال أهمية، فهم يدفعون الكثير لكي يجدوا شخصا غريبا في آخر عمرهم يرعاهم، ويستر ما يتكلمون به حين يعترض عقلهم الزهايمر اللعين، هذا الزهايمر الذي يجعل جدتي تذكر أسماء أحفادها مثل ما تذكر اسم جدي وغزلياته لها أيضا، ومثل ما تذكر سهرات الحصاد والبيادر، و تذكرأيضا حتى حمارها الذي ضل الطريق يوما، وعاد لأنه أصيل كما تقول.


حنيني لجدتي، يرافقه دعاؤها الدائم لي: ” الله يرزقك عهوى نيتك” وربما كانت تبدله أحيانا وتقول:” الله يستر عليكي”، وأحيانا (يرزقك طولة العمر)، أدعية جدتي هذه ككل الجدات في بلادي، قد يتفنن بها، بحسب حبهن للمدعو له. ترى هل الجدات هنا يملكن موهبة الدعاء!!. لغتي البسيطة لم تسعفني لأسمع شيئا ويبدو أني لن أسمع سوى كلمة “شكرا”، وإن أكثرن ربما قلن “شكرا جزيلا”.


الجد والجدة، حنانكم المخبأ وقت الحاجة، ملاذكم الوحيد حين يعصف بكم غضب الوالدين، بيت سركم، مطمورتكم التي لم تضعوا بها شيئا، غطاؤكم الذي لم تطلبوه ، طعام شهي رغم الشبع.
أذكر أول وصول بعض الأصدقاء والأقرباء إلى تركيا وألمانيا، ولغلاء أسعار الدخان، استعانوا بالدخان (اللف) أو كما يسميه البعض (قشق).


في البداية استصعبوا هذه العملية، واستنكروها، لكنهم مع مرور الوقت، استعذبوها جدا، واستعذبوا الأحاديث التي باتوا يتداولونها وهم يلفون سجائرهم، كما استعذبت النسوة صنع خبز الصاج، وبتن يخبزن بدل أن يشترين الخيز الألماني أو التركي، ليعرفوا جميعا رجالا ونساء قيمة ماضٍ لم يجربه بعضهم، وبات لها طقسها الخاص. يبدو أن الظروف تعيدنا دون أن نعلم لماضٍ هو حقا ما يستحق أن يقال عنه (الماضي الجميل)، فالحنين ليس وحده من يعيدنا، ويجعلنا نرى به مالم نكن نراه جميلا يوما.


مالذي جعل هذه الأشياء تحتل أولويات ذكرياتنا ونحن بعيدين عن كل ما يقربنا منها، رغم أنها كانت على قائمة أولويات مهملاتنا، وكل هذا دون أن ندري. أي حميمية فيها حتى جعلتها ملتصقة بذاكرتنا كالتصاق أسمائنا بنا، هل هو زيف العيش الهني الذي نتوهم، فتكشفه لحظات صدق أرواحنا التي تأبى إلا أن تعود لحيث تكونت. ما لذي يجعل نارا صغيرة بقليل من الأخشاب المهملة تجعل طعامنا أشهى وكلامنا أنقى ودموعنا هطالة بكل هذا البوح، ثم ما لذي يجعل قعداتنا حولها بلا سقف ولا مأوى مشتهاة كل ما أردنا إجازة من حياة نظنها الأجمل وحداثة نظنها الأكثر راحة.

Previous post

خبرته جذبت العرب والأتراك للعلاج عنده.. أنقرة تكافئ طبيب أسنان سوري بمنحه الجنسية

Next post

عبد الكريم عنكير: لماذا القبعات البيضاء بالذات؟