Home»دراسات وترجمات»مصطفى الجرف: تأملات إثنية في الثورة السورية

مصطفى الجرف: تأملات إثنية في الثورة السورية

0
Shares
Pinterest Google+

مصطفى الجرف- أرشيف بناة المستقبل

النخبة السورية لم تنجح في إنجاز مهمتها التاريخية الأساسية بشكل كامل, ربما بسبب حداثة التجربة, وربما لكونها لم تعط المدى الزمني المطلوب للنجاح في ظل ظروف محيطة صعبة. ولكن ربما بالأساس بسبب وجود نقاط ضعف بنيوية داخلية عانت منها تلك النخبة, وجعلتها تبتعد عن النموذج الأصلي الذي تحدث عنه أنثوني سميث, والذي نجح ليس فقط في تكوين أمم عريقة في بلدان أوربا الغربية, ولكن أيضا في تكوين كثير من الأمم الحديثة الناشئة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

أولاً: إن تلك النخبة كانت فعلاً أرستقراطية بيروقراطية واقتصادية ومالية, ولكنها لم تكن أرستقراطية بالمعنى الكامل الذي يعطيه العرب السنة لمفهوم الأرستقراطية؛ لم تكن معظم العائلات والأعيان الذين يؤلفون هذه النخبة يملكون النسب السلالي, الذي يتصل إلى النبي محمد (ص) ويحمل أصحابه لقب الأشراف, وهو النسب الذي يحمل القيمة الأرستقراطية الكبرى عند السنة العرب. وأيضاً لم تكن معظم تلك العائلات تنتمي إلى الأرستقراطية الدينية, أي إلى فئة العلماء التي كانت طوال قرون تحتل المكانة الاجتماعية الأعلى في سوريا بالمشاركة مع فئة الأشراف. يبين فؤاد خوري (1) كيف أن مكانة هاتين الفئتين تراجعت كثيراً منذ العام 1860 لصالح فئة أخرى تعتمد في مكانتها على علاقتها الوطيدة بمركز السلطة العثماني ثم الفرنسي, وعلى ملكيتها الكبيرة للأرض و على عملها في التجارة وقوتها المالية. أخيراً, لم تكن تلك النخبة أرستقراطية عسكرية أيضاً, ولم يكن لمعظم أفرادها أي تاريخ عسكري أبداً. إن مقارنة شخصيات هذه النخبة مع شخصية من نمط الشريف فيصل بن الحسين, الذي حكم البلاد بين عامي 1918 و 1920, كافية لتوضيح نوع الارستقراطية الذي يمكن أن تعبر عن النواة الإثنية للعرب السنة, و التي يمكنها حشدهم وتحريكهم.

ثانياً: لم تستطع النخبة الحاكمة, وهي المدينية بالكامل, أن تردم الهوة العميقة, الثقافية والاجتماعية, التي تفصل الريف عن المدينة؛ هذا الفاصل التاريخي المزمن الذي يميز الحضارة الإسلامية و المجتمع الإسلامي منذ القدم, ويخلق بينهما حالة دائمة من العداوة والخوف على الرغم من الاعتماد المتبادل بينهما كما يوضح إرنست غلنر (2). إن سور مدينة دمشق مثلاً, الذي كان وماذا يزال يلعب دوراً رمزياً عميقاً في وعي الدمشقيين, لم يكن يحميها فقط من هجمات البدو و الغزاة الأجانب, ولكنه كان أيضاً يشكل حاجزاً يفصلها اجتماعياً عن الفلاحين في الريف المحيط بها في الغوطة وحوران والقلمون. وإن إحدى السمات الرئيسية التي تميز المدن في الحضارة الإسلامية عموماً عن المدن الأوروبية في الحضارة المسيحية, كما يكشف جون الكسندر أرمسترونج (3), و هي انتماء نخبة المدينة من الأعيان إلى أصول بعيدة عن المنطقة, وانقطاع صلات النسب العائلي أو القبلي بينها وبين السكان في الريف المحيط من الفلاحين, وانعدام حالات التزاوج بين الفئتين بسبب الحاجز الإجتماعي الصارم الذي يعتبر فئة الفلاحين ذات مكانة اجتماعية قليلة ولا يمكن مصاهرتها, هذه السمة تؤكدها بشكل ملموس دراسة فؤاد خوري عن أعيان دمشق. حيث يتبين من هذه الدراسة أن الغالبية الساحقة عائلات النخبة الدمشقية التي لعب أبناؤها دوراً رئيسياً في السياسة و الحكم قبل الاستقلال وبعده كانوا ينتمون إلى أصول بعيدة, مفصولين عن البيئة المحلية المحيطة, والفلاحية بشكل خاص, بشكل كامل (4).
ولكن يبقى السبب الأهم لفشل النخبة المدينية في تجاوز هذه الهوة مع الريف هو التضارب الشديد في المصالح الإقتصادية بينها وبين طبقة الفلاحين, بسبب كون معظم أفرادها هم من كبار ملاكي الأراضي, الذين تقتضي مصالحهم إبقاء الفلاحين في أراضيهم في حالة تبعية و خضوع وليس بناء شراكة أو تحالف معهم.

 

لقد أدى هذا الفشل إلى عدم قدرة النخبة على التأثير في العمق الشعبي, وبالتالي عدم القدرة على توحيد المجموعتين الفرعيتين اللتين تتكون منهما جماعة العرب السنة التي تنتمي إليها أساساً, ناهيك عن الفشل عن ضم باقي المكونات الإثنية الأخرى و تكوين ثقافة قومية مشتركة تكون أساساً لهوية وطنية جامعة.

 

ثالثاً: إن النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني, الذي تبنته النخبة الحاكمة, ربما كان ملائماً لاستمرار حكمها كأوليغارشية قادرة دائماً على اكتساب الأصوات الانتخابية عن طريق الزبائنية وشراء الذمم, وعلى زيادة مكاسبها الاقتصادية عن طريق فرص الربح الكبيرة التي يؤمنها اقتصاد السوق الحر, ولكن مثل هذا النظام لم يكن ملائماً في ذلك الوقت المبكر من عمر الدولة لتكوين الهوية الوطنية الجامعة. ربما كان اختيار نظام حكم أكثر سلطوية وضبطاً ومركزية, يجمّد التنافس السياسي غير المجدي بين أفراد النخبة, ويستطيع وضع برامج وخطط تنموية وثقافية كبرى على مستوى البلاد (جُرب هذا النظام لفترة مؤقتة فقط خلال فترة حكم أديب الشيشكلي في بداية الخمسينات) أقول ربما كان ضبط مركزي صارم مثل هذا أكثر ملائمة لمشروع الإدماج القومي, وتكوين الهوية الوطنية.

رابعاً: إن من طبيعة الشكل القومي الذي كان يجب أن تسعى إلى تكوينه نخبة كهذه أن يكون جغرافياً (territorial). ولكن الإقليم الجغرافي كما كانت تراه تلك النخبة كان يمتد خارج الحدود ليشمل سوريا التاريخية كلها وأحياناً أبعد, ولا يقتصر اهتمامها على ما يقع ضمن حدود الدولة السورية الحديثة وحدها. كانت هذه أيضاً رؤية النخب الحاكمة في الدول المجاورة في الأردن والعراق على وجه الخصوص. أي أن المعنى الجغرافي للهوية القومية (الموطن الأصلي, أرض الآباء) لم يكن واضحاً, وكان ينتقل بين عدة مراحل ماضية من التاريخ, ليشمل مصر والعراق مرة, ولينتقل إلى سوريا الكبرى مرة أخرى, ثم ليعود ليقتصر على سوريا الصغرى أخيراً. وفوق ذلك, فإن التنافس والصراع والتآمر المتبادل بين هذه النخب الحاكمة المتجاورة للهيمنة على الإقليم, قد أضاع كثيراً من الجهود التي كان يمكن أن تستثمر بشكل أفضل في عملية إدماج المناطق السورية ضمن الحدود الدولة نفسها.

خامساً: إن الدولة السورية بحد ذاتها هي أحدى نواتج تفكك إمبراطورية كبيرة هي الإمبراطورية العثمانية. لقد كان العثمانيون يحكمون الإقليم السوري غالباً عن طريق غير مباشر, مستعينين في الحكم دائماً بممثلين محليين عن التجمعات الإثنية والمناطقية. كانت هذه التجمعات تحظى باستقلال نسبي عن المركز العثماني, وعن بعضها بعضاً أيضاً. استمر هذا الوضع نفسه تقريباً بشكل ما خلال حكم الانتداب الفرنسي, وقد أدى إلى أن تكون النخبة الحاكمة نخبة ذات تكوين ونفوذ محليين, دمشقي بالأساس, ضعيفة الاتصال والتأثير في غيرها من النخب في المناطق الأخرى, وجعل المشاعر والمصالح المناطقية المختلفة عقبة كبيرة أمام سعيها في عملية الإدماج القومي.

سادساً: إن شدة تأثر تلك النخبة بالفكر الأوربي, وتمثّلها الكامل للعلمانية الغربية, قد جعلها تهمل بشكل كبير الدور الحاسم الذي يلعبه الإسلام في تكوين الهوية الإثنية العربية السنية. إن هذا الإهمال لم يحرم تلك النخبة من العامل الديني المهم للغاية في تحشيد وتحريك الشرائح الشعبية فحسب, ولكنه أيضاً حرمها من إمكانية السعي لحل التنافس بين الهويتين العربية والإسلامية على قلب العرب السنة, بحيث يمكن أن ينتج منهما مركب موحد متجانس, بدل التنافس بينهما و التصارع أحياناً مما يؤسس دائماً لتمزق في الهوية عند هذه الجماعة.

سابعاً: لقد أهملت النخبة السنية الجيش أيضاً, أو أنها لم تستطع احتواءه والسيطرة عليه بشكل كامل. تستحق دراسة نشوء وتطور هذه المؤسسة دراسة مستقلة لوحدها نظراً للدور الاستثنائي الذي لعبه العسكر في تاريخ الدولة السورية فيما بعد, ولكنني سأكتفي بالإشارة هنا إلى البحث المعمق والمفصل الذي أجراه دونالد هوروفيتز (5) لتكوين الجيوش في الدول الكولونيالية . يبين هوروفيتز أن الدول الاستعمارية أنشأت هذه الجيوش أساساً لا كجيوش محترفة لحماية حدود الدولة, وإنما كقوة عسكرية محلية هدفها الوحيد قمع السكان المحليين وإخماد انتفاضاتهم على الحكم الاستعماري في حال حدوثها. وأن القوى الإستعمارية كانت تعتمد دائماً في تكوين هذه الجيوش على تجنيد العناصر المحلية من الإثنيات الأكثر تخلفاً وانعزالاً وريفية, وكانت تقوم أيضاً بنقل فرق عسكرية أجنبية من مستعمراتها البعيدة وتنشرهم في بلاد أخرى ضامنة بذلك ألا يحدث أي تعاطف بينهم وبين السكان المحليين. يقول هوروفيتز أن هذه البنية الأصلية للجيش الكولونيالي تبقى مستمرة بعد الاستقلال ما لم يتم القيام بإجراءات جذرية لتغييرها. وهكذا شجعت فرنسا الاستعمارية تجنيد العلويين بشكل خاص إضافة إلى باقي الأقليات الصغيرة الأخرى, وباتوا يشكلون الجسم الأكبر في الجيش الوطني الذي ورثته النخبة المدنية عند تسلمها الحكم بعد الاستقلال.
لم يفعل الحكومة السنية الناشئة الكثير لتغيير بنية الجيش بحيث تستطيع إحكام سيطرتها عليه, وكانت تعتقد ربما أن كون معظم كبار الضباط من السنة كان كفيلاً وحده بتأمين هذه السيطرة. ولكن ذلك لم يكن صحيحاً, كما بينت التجربة اللاحقة, لأنه تجاهل الطموح الهائل للعدد الكبير من صغار الضباط من الأقليات, إضافة إلى أن الانقلابات العسكرية المتتالية التي حركتها المؤامرات الأجنبية قد أدت إلى أن يصفي كبار الضباط السنة هؤلاء بعضهم بعضاً, وإلى إضعاف موقع السنة عموماً كثيراً في قيادة الجيش.

 

أريد أن أقول كلمة أخيرة هنا عن أن الانسجام والتعايش السلمي, الذي كثيراً ما يتم التغني به بين الإثنيات والطوائف المختلفة عبر التاريخ القديم, كان يعود بالضبط إلى أن كلاً من هذه الإثنيات كانت مكتفية بموقعها في التسلسل التراتبي الذي وضعتها السلطنة العثمانية فيه ضمن نظام الملل. ولكن ما إن تأسست دولة مستقلة وما إن بدأ مشروع قومي حديث, حتى بدأ التنافس المرير بين الإثنيات المختلفة على الهيمنة على الدولة الناشئة. هذه الهيمنة هي التي ستحدد شكل المشروع القومي, وهي التي ستحدد حصة كل من هذه الجماعات من الموارد القليلة المحدودة للدولة. إن صعود الشعور الإثني وتنافس الإثنيات صراعها هو عملية مرافقة للحداثة والدخول في عصر القوميات الحديث, ونتيجة لها, وليس أثراً متخلفاً من عصور الظلام كما يحلو لبعض دعاة التنوير “المتخلفين” أن يعتقدوا!.

 

في النهاية, على الرغم من العثرات الكثيرة في ظروف سياسية محلية و إقليمية غير مواتية بالمرة, والتي انتهت بالتسليم العلني بالإخفاق عن طريق تسليمها السلطة طوعاً لطرف خارجي إبان الوحدة الاندماجية مع مصر, فإن النخبة المدينية قد قطعت شوطاً ما على طريق تأسيس هوية قومية ما زالت حتى الآن ماثلة في وعي السوريين, وهذا ما يشير إليه إعادة إحياء العلم السوري القديم في الثورة السورية الحالية وتسمية أفراد تلك النخبة بالآباء المؤسسين.

 

منذ الانقلاب الذي نفذته اللجنة العسكرية التي تتألف من ثلاثة ضباط علويين وآخرين من الأقليات عام 1963, و الذي أطاح بالنظام القديم, نظام النخبة الأرستقراطية السنية, بدأ في سوريا عصر جديد: عصر الهيمنة العلوية على الدولة! .. من المدهش أن نتأمل كيف استطاع أبناء هذه الأقلية الفقيرة, المعزولة والمهمشة, أن يصبحوا في وقت قصير كهذا أسياد البلاد بلا منازع, وأن يحكموا قبضتهم عليها بهذه الشدة, بحيث أنهم وصلوا إلى مرحلة يدّعون فيها, ويصدّقون, ونصدّق معهم, بأن حكمهم هذا سوف يبقى إلى الأبد!
يعود الفضل في النجاح المذهل الذي دام أكثر من أربعين سنة لهذه الظاهرة الاستثنائية بشكل أساسي إلى رجل واحد مثّل بالنسبة لقومه ما مثّله موسى لليهود حين أخرجهم من التيه في سيناء.. إنه حافظ الأسد طبعاً.

 

تشكّل الجماعة العلوية أكبر الأقليات الإثنية في الدولة السورية. وقد كان حجمها العددي, والحاجز الديني القوي الذي يفصلها عن المحيط, والعزلة الطويلة في قرى الجبل لأكثر من ألف عام وما تنتجه هذه العزلة من ذكريات وأساطير وتصورات مشتركة ومشاعر تضامن بين أفراد الجماعة, والتركيب العشائري للجماعة ووجود أصل مشترك, والفقر الشديد والوضع الاجتماعي المتدني, والشعور بالغربة والعدائية؛ كانت كل هذه العوامل كفيلة بجعل الجماعة العلوية مثالاً نموذجياً للإثنية الشعوبية (demotic), التي ما أن تمسها رياح العصر الحديث, عصر القوميات وتأسيس الدول القومية الحديثة, حتى تخترق كل شرائحها الشعبية الدعوة العامّية (vernacular) إلى الإستقلال عن المحيط وتأسيس كيان قومي خاص بها. وقد كانت هذه هي الدعوة السائدة فعلاً في أوساط العلويين (باستثناء حالة وحيدة هي حركة الشيخ صالح العلي طبعاً الذي كان على صلة وثيقة بالملك فيصل وتياره القومي العربي).

 

هذه الدعوة الانفصالية منحتها فرنسا الأمل بالطبع إلى حد كبير عن طريق تأسيس دويلة خاصة بالعلويين ظلت قائمة حتى العام 1936, ضمن سياستها في تقسيم سوريا إلى أربعة دويلات و على أساس إثني. ولكن دعوات العلويين للانفصال الكامل عن جسد الدولة السورية لم تجد دعماً دولياً لها من القوى الكبرى المؤثرة آنذاك. لقد استجابت فرنسا لمطلب الكتلة الوطنية التي كانت تفاوضها على الاستقلال, والمتمثل بإلغاء كل الدويلات الفرعية, وأن تكون الدولة السورية العتيدة كيانا سياسيا موحداً ومركزياً عاصمته دمشق.

 

لم تجد بريطانيا أو أمريكا, اللتان كانتا تركّزان على مصالحهما في جنوب الساحل المتعلقة بخطوط التابلاين لنقل النفط السعودي في مرفأي طرابلس وحيفا, أية فائدة استراتيجية لهما في الساحل السوري. بالإضافة إلى العامل الدولي السابق, كانت البنية الاقتصادية في الساحل فقيرة ومتخلفة إلى درجة أنها لم تكن تسمح بالقيام بأود دولة مستقلة. وأخيراً كان التنظيم الإجتماعي للعلويين ضعيفاً والخلافات بين العشائر كثيرة ولم يكن لديهم نخبة تمثل قيادة موحدة يعترف بها جميع العلويين. لقد أدت كل تلك العوامل مجتمعة إلى اتخاذ الخيار الذي لم يكن أمام العلويين غيره في ذلك الوقت, وهو الاندماج بالدولة السورية(6). هذا الخيار, الذي كان اضطرارياً ومفروضاً في بادئ الأمر, لم يلبث أن أعطاهم بعد ثلاثين سنة الجائزة الكبرى التي ما كان أحد منهم أو من غيرهم يحلم بها: لقد أصبحوا سادة سوريا بدون منازع. وبات على النخبة التي تمثل هذه الأقلية المهيمنة الجديدة أن تكمل مهمة بناء الدولة السورية, ومتابعة دمج المجتمع السوري في هوية وطنية جامعة.

 

لا داعي للبرهنة طبعاً على أن هذه العملية قد فشلت فشلاً ذريعاً؛ الثورة السورية المستمرة بكل زخمها والتمزق الأهلي والاجتماعي المرافق لها, وضياع أي معنى للسيادة الوطنية مع تدخل أكبر عدد ممكن من القوى الخارجية الإقليمية والدولية في رسم ما يجري في سوريا, هي كلها أدلة أكثر من كافية للحكم بفشل التجربة الأولى للعلويين مع الدولة السورية. ولكن يبقى من الممتع والمفيد التأمل في هذه الظاهرة الاستثنائية لهيمنة أقلية إثنية على الحكم فترة طويلة, سيما وأنها قد شارفت على ما يبدو على نهايتها … قد يشبه هذا متعة تأمل الشمس عند الغروب!

 

أولاً: في أغلب ما يكتب عن العلويين, يتم التركيز كثيراً على الاختلاف الشديد في العقيدة بين النصيرية والإسلام السني (أو حتى الشيعي), وكأن هذا الاختلاف هو الحاجز الثقافي الأهم والأكثر تأثيراً في فصل الإثنية العلوية عن إثنية العرب السنة, أي كأن الخلاف الديني هو سبب الاختلاف الإثني. ما أقترحه هنا هو العكس تماماً: أقترح النظر في منشأ جماعة العلويين كجماعة ذات أصول إثنية مؤلفة من الموالي العرب الشيعة والفرس المزدكيين والمسيحيين السوريين النسطوريين, على أن هذا المنشأ الإثني و طريقة الحياة الخاصة هو الأساس في تكوين العقيدة الدينية المميزة لهذه الجماعة. إن هذه العناصر الإثنية المختلفة, التي امتزجت وتلاحمت عبر السنين الطويلة, كانت تشترك جميعها في كونها عناصر ذات طريقة حياة زراعية رعوية جبلية مستقرة بامتياز (sedentary), مع ما يصاحب طريقة الحياة هذه من نوستالجيا خاصة مرتبطة بالأرض أساسها الأرض والقرية والمزارات المقدسة. لقد استمرت الجماعة العلوية في ممارسة نمط الحياة الزراعي المستقر هذا, وفي حيز جغرافي واحد لم يتغير تقريباً, لمدة أكثر من ألف عام. إن هذا يعاكس تماماً حال الإثنية العربية السنية, التي يشكل نمط الحياة البدوية المرتحلة أصل تكوينها الإثني, وأساس النوستالجيا الخاصة بها التي تقوم على الصحراء والقافلة والواحة-المدينة. يوضح جون أرمسترونج بشكل مفصل كيف أن الإختلاف الأصلي بين طريقتي الحياة الرئيسيتين, البدوية والمستقرة, هو الذي يؤسس للانقسام الكبيرين بين نوعين أساسيين من الإثنيات, بحيث تولد كل منهما نوعاً مختلفاً من الهوية الإثنية, ونوعاً مميزاً من الأساطير المؤسسة (mythomotuer) التي تكون الوعي العام للجماعة(7). أن هذا الاختلاف الأساسي هو مصدر الخلاف الإثني الثقافي, بل إنه أساس حتى الاختلاف الديني نفسه؛ إن العقيدة النصيرية هي بالأساس دين جماعة مستقرة من الفلاحين و الرعاة الجبليين.
أزعم أن هذا الحاجز, المؤسس لبقية الحواجز الإثنية, يوجد بحده الأعلى لدى العلويين بحكم سنوات العزلة الطويلة, ولكنه ليس خاصاً بالعلويين وحدهم على كل حال, بل هو موجود لدى غيرهم كذلك من الجماعات الزراعية (المسيحيون و الدروز و الإسماعيليون) وإن بمستويات تتفاوت في الانخفاض بحسب درجة اختلاط كل منها بالجماعة الكبيرة من العرب السنة. ويمكن القول عموماً بأن هناك تنافساً وتفاعلاً بين هذين النوعين من النوستالجيا, البدوية منها والزراعية, في سوريا عموماً, وأن هذا التنافس يشكل تحدياً إضافياً في وجه تكوين الهوية الوطنية السورية الجامعة.

 

ثانياً: لا يمكن التشديد كفاية على أهمية الشعور بالغربة في وعي الجماعة العلوية؛ هذه الغربة ليست فقط نتيجة لحالة العزلة الطويلة التي عاشتها الجماعة, وإن كانت العزلة قد عزّزتها كثيراً, وإنما يمكن الزعم أيضاً أنها شعور أنطولوجي مؤسّس لوعي الجماعة. في إحدى قصائده الدينية, يكتب الخصيبي, وهو أهم الدعاة المؤسسين للعقيدة النصيرية والذي تعتبر كتاباته نصوصاً مقدسة لدى الجماعة, طالباً من الله أن يلعن أهل الشام- بلد الأضداد الأمويين – وأن يبارك أهل الكوفة – مهد التشيّع – (كوفتنا كما يقول الخصيبي) التي منها عرج النبي محمد (ص) إلى السماء السابعة, وليس من بيت المقدس كما يزعم عامة المسلمين, حسب رأي الخصيبي. في نفس القصيدة, لا يتحفظ الخصيبي عند إظهار أشدّ العداوة للناصبة (السنةّ), ويصفهم بأنهم أسوء حتى من النصارى واليهود (8).

يسجل الخصيبي بذلك سبقاً تاريخياً تجاوز ثلاثة قرون, قبل أن يرد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية, و يبادله “التحية” بأحسن منها, مكرراً عبارته نفسها تقريباً في فتواه الشهيرة ضد النصيرية؛ جماعة الخصيبي!. ربما كان هذا مثالاً واضحاً على العداوة التاريخية المتبادلة بين الجماعتين, ولكنه بالأحرى أيضاً مثال أوضح على شعور العلويين بالغربة في أرض كانت تاريخياً أحد أهم مراكز السنة مثل سوريا.

 

في العصر الحديث طرأت فرصة مهمة جداً لتجاوز شعور الغربة هذا في المنطقة العربية؛ لقد أتت الثورة الإسلامية في إيران بالملالي الشيعة إلى الحكم. رجال الدين هؤلاء كانوا من أتباع المنهج الأصولي في الفكر الشيعي, الذي كان ينظر بتهاون إلى عقيدة النصيرية ويعتبرها مجرد فرقة غالية ولكنه لا يكفرها ولا يخرجها من الإسلام مثلما يفعل أتباع المنهج التقليدي الإخباري في الفكر الشيعي وعلى رأسهم الشيخ المجلسي. هذا الأمر خلق أرضية عقائدية مناسبة لإنشاء حلف مقدس ثابت بين نظام الأسد ونظام الملالي منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم. كانت هناك بالطبع أيضاً مصالح أرضية, سياسية واستراتيجية مهمة جداً وراء تكوين هذا الحلف القوي: أعداء مشتركون يجب قتالهم في عراق صدام حسين وفي إسرائيل, ومحور من الدول السنية المتحالفة مع أميركا يجب مواجهته وخلق واقع جيوبوليتيكي جديد أكثر ملائمة لمصالح أعضاء الحلف. على الرغم من كل التحديات المختلفة التي شهدها هذا الحلف عبر أكثر من ثلاثين سنة حافلة بالمتغيرات الهائلة فإن قوته لم تهتز أبداً, بل إنها على العكس قد ازدادت رسوخاً حتى وصل الأمر إلى أن أصبح حلفاً وجودياً يتوقف على ثباته بقاء النظامين وبقاء الجماعتين الإثنيتين العلوية و الشيعية كذلك. لقد أصبح للعلويين أخيراً إخوة حقيقيون هم الشيعة الاثني عشرية, مستعدون أن يدافعوا عنهم و أن يقاتلوا معهم حتى النهاية. لقد دخلت إيران الشيعية في صميم الإقليم العربي السني, و لم يعد العلويون غرباء!.

 

للمرة الأولى منذ ما يقرب منذ ثمانمائة عام, أي منذ أن جاء المكزون السنجاري لنجدتهم ضد هجوم الكرد والإسماعيلية عليهم في الساحل السوري, لم يعد لم العلويون وحدهم إذاً؛ لقد بات لهم حليف شيعي كبير و منظم للغاية, يمتلك كل أدوات القوة, و مشروعاً سياسياً شاملاً للمنطقة كلها. بإمكان هذا الحلف أن يأمل, ليس فقط بإعادة السيطرة على سوريا بالقوة, و قبل ذلك العراق, و لكن بالسيطرة على لبنان أيضاً. أو ربما بالسيطرة على الأجزاء المهمة من كلا البلدين وضمّهما في كيان سياسي واحد قوي, لا يستطيع السنة, سواء في سوريا أو في المنطقة عموماً, الوقوف في وجهه أو تهديده.

 

ثالثاً: على الرغم من التأكيد السابق على المشاعر التاريخية شديدة السلبية بين العلويين والسنة, فإن هذا لا يعني أن البروباغاندا السائدة في التهجم على العلويين حالياً صحيحة. هذه البروباغاندا التي تقول بأنهم أعداء تاريخيون للعرب السنة, وأنهم دائماً عملوا ما في وسعهم لتدمير الأمة الإسلامية العربية عن طريق التعاون مع أعدائها وطعنها من الخلف, هي بروباغندا مضللة و لا تدعمها وقائع التاريخ إذا لم نرد قول المزيد.

الحقيقة أن العلويين كانوا خلال الفترة الوسيطية كلها, وحتى مطلع العصر الحديث, منقطعين بشكل كامل تقريباً عن ممارسة السياسة, ولم يكن لهم غالباً أي دور مهم في الأحداث الكبيرة, سلباً كان أم إيجاباً, التي شهدتها سوريا خلال تلك الفترة, وعلى الأخص أحداث الحملة الصليبية على بلاد الشام. ربما يعود هذا الانقطاع إلى النظرة التشاؤمية التي تميز نظرة العقيدة النصيرية تجاه التاريخ البشري والعالم المادي عموماً. هذه النظرة التي تعتبر أن العالم الإسلامي, بعد وفاة النبي محمد (ص), قد حكم دائماً من قبل مراتب الكفر, وأن الشيطان قد هيمن على كل جوانب التاريخ, وأن الحل الوحيد أمام المؤمنين هو في الهروب من هذا العالم المعتم, والالتجاء إلى الصراط؛ أي إلى العقيدة النصيرية. كان المؤمنون بهذه العقيدة, الذين يعتقدون أنهم وحدهم الموحدون الحقيقيون, وأنهم وحدهم كائنات نورانية, فيما غيرهم كائنات من ظلام, يعتقدون أيضاً أنهم طالما وجدوا في هذا العالم الظالم, فإن عليهم أن يقبلوا بسيطرة الأضداد عليهم(9). كان قبول الاضطهاد جزءً من التقوى الدينية نفسها, ولكنه كان أيضاً بالمقابل عنصراً أساسياً لتكوين الشعور بالتميز والتفوق والغربة عند الجماعة.

 

ولكن هذا لا يعني في نفس الوقت أن البروباغاندا المعاكسة التي يسوقها العلويون عن أنفسهم, عن أنهم كانوا بشكل خاص, وأكثر من أية جماعة أخرى, ضحايا دائمين للاضطهاد والعسف والمجازر الرهيبة, التي أوقعتها سلطات السنة بهم عبر العصور القديمة. إن السلبية السياسية, التي تحدثنا عنها سابقاً, هي نفسها من حمتهم أيضاً من أن يقعوا ضحايا لاضطهاد استثنائي رهيب. في القرن الرابع عشر مثلاً, وبينما كان قرار المماليك بالنسبة للإسماعيلية هو أن تتم إبادتهم جميعاً و بشكل كامل, كان القرار بالنسبة للنصيرية, وبسبب حاجتهم إليهم في أعمال الزراعة و الفلاحة, هو فقط الضغط عليهم لدفع الأتاوات, و محاولة إرغامهم على تبني المذهب السني وتأدية الفروض المعروفة في الإسلام(10).

 

رابعاً: طرأ تغيير حاسم على بنية الجماعة وعلى طبيعتها الإثنية والاجتماعية مع بداية العصر الحديث في سوريا, وانطلاق عملية بناء الدولة السورية الحالية. إن تغيير اسم الجماعة من النصيرية إلى العلوية ليس مجرد أمر شكلي لا قيمة له؛ إنه يعبر عن المحاولة الأولى في تاريخ الجماعة للاندماج مع محيطها. لقد قابل الوطنيون السنة هذه المحاولة بالترحاب, حتى أنهم طلبوا عام 1936 من مفتي القدس, الشيخ أمين الحسيني, أن يصدر فتوى تؤكد أن العلويين مسلمون صحيحو الإسلام(11).

لقد ظهر حماس العلويين للاندماج في الدولة الجديدة عن طريق انخراطهم الكبير في المشاركة في اثنتين من المؤسسات الاجتماعية اللتين ستلعبان الدور الأكبر في مصير هذه الدولة: الجيش وحزب البعث العربي الاشتراكي. إن هيمنة الأقليات على هاتين المؤسستين, اللتين سيطرتا على الحكم بعد انقلاب آذار 1963, ستؤدي في ما بعد إلى وضع العلويين في الموقع المهيمن الأول في الدولة بحكم كونهم أكبر الأقليات عددا وأكثرها نفوذاً في الجيش. بعد حسم الخلاف على القيادة بين العلويين أنفسهم, وإزاحة المنافسين محمد عمران و صلاح جديد على التوالي, تبلورت نخبة عسكرية في منتهى التجانس والترابط كان على رأسها حافظ الأسد تتولى الحكم بعد انقلاب 1970, وعلى يده ستهيمن الجماعة العلوية على الدولة السورية بدون اي شريك أو منافس, وسيجد حافظ أن بمقدوره أن يعلن نفسه مباشرة كأول رئيس علوي للبلاد, دون الحاجة إلى التخفي وراء رئيس سني كما كان يفعل سلفه صلاح جديد.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

Philip S. Khoury.Urban Notables and Arab Nationalism.The Politics of Damascus1860-1920.Cambridge Middle East Library.2003
Ernest Gellner.Muslim Society.1981
John Alexander Armstrong. Nations Before Nationalism-University of North Carolina Press (1982)
Philip Khoury. Urban Notables and Arab Nationalism. P 35-43
Donald L. Horowitz. Ethnic Groups in Conflict(1985). CHAPTER FOUR: MILITARY POLITICS AND EHNIC CONFLIT. P. 434-526
Minorities and the State in the Arab World. Ofra Bengio, Gabriel Ben-Dor. 1998. Chapter 7. pp 92.
John Alexander Armstrong. Nations before Nationalism. Chapter Two: Ethnicity and Way of Life. P 14-54
Yaron Friedman. The Nnusayri-Alawis. An Introduction to the Religion, History and Identity of the Leading Minority in Syria. P. 207
Yaron Friedman. The Nusayri-Alawi etc. p. 122
Yaron Friedman. The Nusayri-Alawi etc. p. 66
Yaron Friedman. The Nusayri-Alawi. P. 237

Previous post

الشهيد حسان حسّان عاشق اليرموك

Next post

تركيا تصدر قراراً بإرسال المدرسين السوريين على أراضيها إلى مناطق “درع الفرات”