Home»ذاكرة الثورة»نجم الدين سمّان: ما قبلَ الحقائب.. ما بعدَ المنافي.. يومي الأخير في سوريا

نجم الدين سمّان: ما قبلَ الحقائب.. ما بعدَ المنافي.. يومي الأخير في سوريا

105
Shares
Pinterest Google+

نجم الدين سمّان – الفيحاء نت – الصور بعدسة الكاتب

الحقائب عند باب بيتنا في “أشرفيَّة صَحنَايا”؛ ودبابات الأسد في الساحة أمامنا؛ والقذائف على مدينة “داريّا”..ثلاثُ صورٍ ما زلتُ أراها معاً؛ لا تنفصِل ولا تنفصِم؛ كلّما كان عليَّ الاختيار.. بين أن أكونَ صامتاً مثلَ كثيرين؛ أو شاهدَ زورٍ على ما يجري؛ أو مُهدَّداً في أيَّةِ لحظةٍ بالاعتقال.. طالما أنِّي مع الحَلِّ السياسيّ وضِدَّ الحَلِّ الأمنيّ؛ وطالما كنتُ مُتأكداً بأنّ النظام سيمضي في بَطشِهِ حتى لو دَمَّرَ كلَّ البلد.


ثم رأيت الدبابات في الساحة قرب بيتنا؛ وفي المفارق؛ وعند التقاطعات؛ نظر جنديٌّ أسديٌّ عند حاجز “نهر عيشة” إلى بطاقةِ هُوِّيتي؛ وهَزُّ رأسَهُ:
– من..إدلب؟!.
عادت “حليمة” الأسديَّة إلى عادتها القديمة في الثمانينات؛ حين كان مُجرَّدُ مكانِ الولادة تُهمَةً بِحَدِّ ذاتِه: – من حماة؟!؛ من حلب؟!؛ من إدلب؟!؛ من أريحا؟!؛ من جسر الشغور؟!..

عندها بدأتُ بتحضير الحقائب.
حذّرني صديقٌ بأن النظام الأسدي سيُصدِر قريباً قراراَ ب “مَنعِ سَفَر” كلّ الإعلاميين خِشيةَ انشقاقهم؛فضحكت قائلاً:
– ذاك أمرٌ يَسهُلُ تدبُّرُه في دولة “النَصبِ والرَشوَةِ والاحتيال” الأسديّة؛ طالما أنها رَسَّخت طوال 40 عاماً.. مقولة:
بالمال نشتري كُلَّ شيء.. بما في ذلك الأجساد والضمائر“.


في الحقائب.. مجموعة صورٍ اخترتُ منها واحدةً أو اثنتين لكلِّ مرحلة؛ وفلاشاتٍ فيها أرشيف صوري التي التقطتها من “عين دِيوَر” و “رأس العين” في أقصى الشمال الشرقيّ إلى “القنيطرة” في الجنوب الغربي؛ ومن “كَسَب” و”سَلمَى” غرباً إلى “دير الزور“.. كأنّما كنتُ أهجِسُ بقصيدة الشاعر الأمريكي ت. س. إليوت: الأرض اليباب / الخراب!.

قال لي جاري المُؤيِّد بأنهم -ولم يشرح أكثر- “كان يقصد بأنّ جنودَ الفرقة الرابعة المُرَابِطين في الساحة” قد عَفَّشوا بيتنا بعد السفر؛ وبأنّه قد رأى صورَنا الفوتوغرافية مُتناثرةً في كلِّ الغُرَف؛ وبعضُها مَحروقٌ بأعقابِ سكائرهم.. حيثُ عيوننا تماماً.
كانوا يتلصَّصون على لحظاتنا الحلوة النادرة التي خطفتها الكاميرا من أعمارٍ.. لم تشهد سوى استبدادِهِم المَقِيت؛ ويكرهون أن نكونَ شهوداً على ما يفعلون؛ لهذا أخذوا يفقَأون عيوننا التي رأت كيف تهتزُّ جدرانُ بيتنا في “أشرفية صحنايا” المُطِلّ على بساتين “داريا” بفعل القصف؛ وكيف التمعت القذائف من خلف بُرج الإذاعة والتلفزيون على قِمّة “جبل قاسيون” لترسم خطاً من الضوء النازل على أجساد المدنيين؛ ثمَّ تنفجر بهم.. وبمنازلهم وبأحلامهم عن الحريّة؛ وبهتافاتِ ورودهم الجُورِيَّة:

“الشعب السوري.. واحد.. واحد.. واحد”.


في الحقائب.. أيضاً؛ قطعةٌ من صابون “الغار” الحلبيّ؛ كيلو من القهوة بِلا هال؛ علبةُ حلوياتٍ دمشقيَّة من “الميدان” لصديقي الجزائري؛ نِصفُ كيلو من “زهرة السُمّاق” قطفتها الأيدي برهافةٍ من بين ثنيَّات الصخور في “جبل الزاوية” بينما يتهيَّأ.. ليكونَ أولَ منطقةٍ تتحرَّرُ من الاستبدادِ الأسديّ؛ “لِيفَةُ حَمَّامٍ“مشغول برهافة مِخرَزِ خالتي.. أهدَتهُ لي يومَ عُرسِيَ؛ وماتت.. قبل أن ترى “عُرسَ الدم” الأسديّ.

أحسِدُها.. لأنّها لن تتذكَّرَ بلاداً بعد خرابها.
كنتُ قد فكَّرتُ بالذهاب إلى تونس.. ولم يحصل لي الأصدقاءُ هناك على تأشيرة دخول؛ فكَّرتُ بمِصر.. لأنّ الذهابَ إليها لا يحتاجُ لتأشيرة؛ وعند مُنتصِفِ ليلٍ استخدم فيه النظامُ راجِماتِ الصواريخ أرض – أرض.. اتصلَ بي صديقٌ جزائريّ:


– شكون يحصل دِيَالكُم؟!.
خرجتُ إلى الشُرفة ليسمعَ صوتَ القذائف:
– يا دين الرَبّ.. هَذِي حَرب؛ تعال.. لدينا أكثر من 80 جريدة ومجلة؛ سنجد لك عملاً في إحداها.

هكذا.. ذهبت حقائبُنا إلى مَخزَنِ طائرة الخطوط الجويّة الجزائريّة؛ بعد وثيقةٍ كفالةٍ ماليّةٍ من صديقي الجزائريّ ومعها.. وثيقةٌ يتعهَّدُ فيها بإيوائِنَا في بيته.. ثمَّ علينا إبرازُ مبلغٍ لا يقِلُّ عن ألف يوروأو دولار.. قبل أن نصعدَ الطائرة؛ كان هذا.. استباقاً؛ بل..تَمَلُّصاً لحكومة الكرسيِّ المُتحرّك.. من أيِّ التزامٍ بحقوق المُهَجَّرِين السوريين طَوعاً أو قَسراً؛ قلتُ.. لمديرِ مكتبِ طيرانِهم في دمشق:
– لم يكن الشيخ عبد القادر الجزائري بحاجةٍ إلى فيزا؛ أو إلى كفِيلٍ ماليّ؛ أو.. إلى وثيقة إيواءٍ له في دمشق.
وحين رأيتُهُ قد امتعَض.. أردَفتُ:

– ما زلتُ أحفظُ نشيدَكُم الوطنيّ مُذ كُنَّا نُردِّدُهُ في باحَةِ المدرسة بعد نشيدنا الوطنيّ السوريّ:
قـَــسَماً بالنازلاتِ الـمَاحِقات والـدماء الـزاكيات الطـــاهرات
نحن ثـُـرنـا فحــياةٌ أو مـَمَات وعقدنا العَزمَ أن تـحيا الجـزائر“.


عَبَرنَا كُوَّةَ شرطيّ الهجرة والجوازات.. بسلام؛ أمامَنَا فقط.. طاولةُ المُنَاوِب في فرع المخابرات الجويّة؛ قَلَّبَ جوازَ سفري.. هَزَّ رأسَهُ أيضاً: – من.. إدلب؟!.
حَدَّق فيَّ.. ليرى رَدَّة فِعلي؛ ثمّ سألني بَغتةً.. بحركةٍ بوليسيّة:

– شو رَح تساوي بالجزائر؟!.
فابتسمتُ وأنا أتلاعَبُ به: – إعلانات..
– إعلانات شو؟!.
– دعايات تلفزيونية لشركة جزائريّة.
قَهقَهَ.. كأنَّه يسمعُ نُكتَةَ المَوسم:


– يعني.. متل دعاية محارم القِطَّة؟!.
فأردفتُه مُبتَسِماً بالرَغم عَنِّي: – متل..”صار بِدها سكووويز“.
ضحك وهو يَكِزُّ على أسنانه؛ سَلَّمَنِي أخيراً جوازَ سفري.. انزاحت أولُ صخرةٍ؛ الثانية.. ستنزاحُ حين تصيرُ الطائرةُ في المياهِ الدوليّة فوق البحر المتوسط.

كنتُ الوحيد بين الرُكّاب الذي لم يفكَّ حِزامَ الأمان؛ حتى رأيتُ زُرقةَ البحرِ من نافذة الطائرة؛ فأطلقتُ زفرةَ ارتياحٍ طويلةٍ من رئتيَّ؛ بَل.. مِن كُلِّ شراييني؛ مَرَّت لحظةٌ كأنها دَهرٌ.. فلم أُدرِك إلا بأنِّي أبكي في صمتٍ مرير.
كأنما كنتُ.. قد هَجَستُ بأنِّي لن أعودَ يوماً إلى بلدي.

وبينما أمسَحُ دموعي.. حاولتُ أن أتذكَّرَ في أيَّةِ حقيبةٍ وضعتُ كيسَ “الزعتر” البريِّ اليابس؛ تساءلتُ عن معنى تلك الأشياء التي حَرِصتُ على أن تكون في الحقائب معي.. لتُهجَّرَ مِثلي!.
ثمَّ سألتُ خيالَ وجهي في نافذة الطائرة:
– هل نسيتَ شيئاً آخر؟!.
هَزَّ خيالي رأسَهُ: – نسيتَ قلبكَ.. في الشام!.

 

يومي الأخير في سوريا.. زاوية يُترك فيها الحديث، لكاتبها بالبوح، عمّا حصل في اليوم الأخير لوجوده في سوريا، وحين قرر الهجرة تحت وطأة عنف النظام وملاحقته للأحرار، وكمّ الأفواه

 

 

Previous post

الرصاص العشوائي يقتل ثلاثة عناصر لقوات النظام في حلب

Next post

مقتل جنرال روسي في دير الزور