Home»الهولوكوست السوري»يمان القادري معتقلة سابقة “نجحت” في قهر أقبية الاعتقال

يمان القادري معتقلة سابقة “نجحت” في قهر أقبية الاعتقال

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت –  سكايز

داخل فروع الأمن المخابراتية، تتشابه قصص التعذيب والتنكيل والاغتصاب. هناك تتجلى صور الانتهاكات بحق أرواح الناس وتسقط جميع المعايير الانسانية. أغلبية العاملين تجرّدوا من إنسانيتهم اثناء التدرج العسكري. شباب وشابات، شيبٌ وأطفال، دخلوها أحراراً وخرجوا منها محمّلين، إما إلى البرادات وإما إلى المستشفيات. قليلٌ منهم خرج ونطق بما جرى هناك، بين أروقة الغرف المظلمة التي تنمو فيها الغطرسة كالطفيليات. تتجمع في زوايا الغرف البكتيريا والجراثيم، تساعد السجّان في تعذيب سجينه اثناء فترات الراحة، تنهش لحمه وتصيبه بأمراض الجرب والفسفس.

صباح يوم الخميس 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، تهجم الأمن وبعض شبيحته على الطالبة في السنة الثانية يمان القادري أمام بوابة كلية الطب البشري في دمشق، وأبرحوها ضرباً قبل أن يقودوها إلى أقبية الظلام. بعد ثلاثة أشهر على اطلاق سراحها، كتبت القادري قصة اعتقالها التي دامت ثلاثة وعشرين يوماً، كتبت عن معاناتها ومعاناة الكثيرين من رفاقها وأبناء بلدها الذين تشاركهم همّ الحريّة والتحرر من العبودية. وفصّلت يمان لحظات معاناتها على الشكل الآتي:

“سألني، أنت يمان القادري؟، فأجبته بالتأكيد. وسألته أن يعرّف عن نفسه، فقال: “أنا أشرف صالح”، طبعاً أشرف صالح، صاحب الصيت “الحميد” في الجامعة. حاولت أن أستغبيه فسألته عمّن يكون وكيف له أن يثبت لي صحّة كلامه، فأكد لي أنه رئيس الهيئة الطلابية بكلية الطب البشري.

طلب بطاقتي الجامعية، قبل أن يطلب مني مرافقته، أخذوا زميلي إلى محرس وأدخلوني إلى آخر. داخل المحرس، تفرس صالح بي، وأمطروني بالأسئلة: “أنت صاحبة المنشورات”. طبعاً في البداية أنكرت ما ينسب إليّ، الا أنني سرعان ما اقتنعت بأنهم متأكدون من صورة وجهي، وأسند دليله إلى صورتي الزاهرة على كاميرات المراقبة. لم يخلوا التحقيق من بعض اللكمات والصفعات، وأهمهم الدكتور أشرف ومعاونه طالب في كلية طب الاسنان الذي رفض ضربي بحجّة أنه سيحتاج لعشرة أيام لكي يتطهر من لمسي”.

أخبروني بأنه تمّ فصلي من جامعات سوريا، وبشّروني بأنني سأتجه إلى مكان لا يعرفه “الجني الأزرق”. في المحرس كان هناك ثلاثة نساء، احداهن ترتدي طوقاً زيّن بصورة الرئيس بشار الاسد، أفرغت شحناتها المسعورة بضربي. وأخبرني “الاستاذ إياد” أنه لن يضربني هو أيضاً لانه لا يضرب الفتيات، “هكذا يكون الشبيح شريفاً”. أحضروا لي القصاصات التي رميناها، وصرخوا بوجهي: “حتى الآن أوراقكم تهرهر من المحابر”، استطاعت مناشيرنا أن توصلهم إلى أعلى درجات الغيظ، وهذا ما أفرحني.

حاولت أن أقنعهم بأنني فتاة، وبأن أهلي ليسوا موجودين في البلد ويقيمون في السعودية. كان الخوف يجتاحني من رأسي حتى أخمص القدمين، كانت تنهمر دموعي باستمرار عندما يضربونني. وتدخل أحد الشباب وأطل برأسه من شباك المحرس وسألهم عن سبب ضربي، الا انهم وضبوا الموضوع ووضعوا حارساً على الباب، وطلبوا منّي ان اخفض صوتي.

سرقوا مني محفظة نقودي، أساتذتي وزملائي سرقوني .. طلبوا لي دورية الأمن. اقتادوني أمام أعين الطلاب الذين وقفوا يتفرجون عليّ وليس بيدهم حيلة. رمقتهم بنظرة الدموع والوداع.

ركبت السيارة، منظر السلاح أخافني، ضحك أحد العناصر وقال لي اصعدي ولا تخافي. داخل السيارة المدنية تقوقعت، في الخارج ملامح الحزن ترتسم على أوجه الطلاب، لوحوا لي بأيديهم. تنبهت للدماء التي تذرف من أنفي. تصرفات العناصر أشعرتني بشفقتهم عليّ. عندما علموا بأنني إبنة “جيرود”، قال أحدهم: “والله بجيرود حتى الآن لم تخرج فيها أي مظاهرة، وذلك اليوم خرجت مسيرة سلميّة “بتشهّي” دعماً لسيادة الرئيس”، تمالكت نفسي بصعوبة ولم انفجر بوجهه من الضحك، “رغم كل القساوة التي يحملونها لا استطيع الا ان أشفق عليهم”، في المحرس سألوني عن التمويل وعن “بندر” وقالوا اننا نريد ان نخرّب البلد. قال لي أحدهم “لا تخافي، سيراكِ “المعلّم” وتجيبين على سؤاله ثم تعودين إلى البيت”، كل ما خطر ببالي حينها هو “ماذا سيحدث لي بعد السؤال؟”.

وصلنا إلى الفرع، وسرعان ما تعرفت اليه، انه الفرع التابع للمخابرات الجوية في حرستا، أخذوا أغراضي وبياناتي وأدخلوني إلى المنفردة. في بادئ الأمر كان يجول في خاطري انه هذا هو السجن الذي سمعت عنه مراراً، ممر ضيق تتوزع على طوله الاقبية، في الممر يقف بعض السجناء، مغمضي الأعين. احضروا لي كرسياً وقالوا لي: “اجلسي وانتظري لحين ان يراكِ المعلّم”.

داخل المنفردة، تكاد اصابعي تلامس الجدران إذا ما مددت يديّ في اتجاهين معاكسين، لا يتعدى قطرها المترين، “بطانية” واحدة مرميّة في الزاوية، وعلبٌ ممتلئة بالبول، رائحة النتانة تحتل فضاء الغرفة الصغيرة. على الجدران، حُفرت تواريخ وعبارات، تركها كل الذين سبقوني إلى هنا. امضيت الساعات الأولى أقرأ ما كُتب.

عبر تشققات جدران الزنزانة، تتسرب بعض الاصوات من الزنازين المجاورة، بعض المعتقلين يتكلمون ويقرأون القرآن ويصلّون. عندما عرفوا بأنني معتقلة، قالوا لي “الله يستر عليكِ يا أختنا”. بعد قليل اتاني شاب من الأمن، كان مسالماً، قال “الحياة فيها تجارب صعبة ويجب أن تواجهيها، الآن سوف يراكِ “المعلّم” وسيطرح عليكِ بعض الاسئلة فقط”.

داخل المكتب الفاخر، يتربع “المعلّم”، طلب لنفسه عصير “غريفون” وصرخ بالشاب، “لماذا كشفت لها عن عينيها”، فبرر فعلته بأني أريد أن أرى طريقي، فأجابه: “كتير هامك تشوف لأنو؟”. هنا علمت بأن هذا الرجل ليس بالسهل. أجلسوني على كرسيّ وطلب من عناصره ان يقودوني إلى الخلف، انتصب رجل على يميني وآخر على يساري، ليساعداه في تعذيبي.

في البداية، سألني عن محتوى المنشورات، تحججت بعدم معرفتي، فقال لي: “ألا تنوين ان تساعدي نفسك؟”، خرج من كرسيّه وتوجه إليّ، طلب من مساعده ان يحضر له “الكهرباء”، أداة صغيرة مشحونة بالكهرياء، وضعها على مناطق مختلفة من جسدي، وعندما أحاول الارتفاع عن الكرسي، يثبتني مساعداه أكثر على الكرسي. وعندما عجز عن استخراج الكلمات، طلب منهم الـ220. استخدم معي أداة أقوى، شحناتها أقوى. سألني عن عدد المظاهرات التي شاركت بها. نكرت مشاركتي، كانت لكمة مساعده أسرع من أجابتي، أحسست أن فكّي قد خلع من مكانه، وقال لي: “كاذبة”. اعترفت بأنني شاركت بواحدة “سلمية” أمام منزلي، حاولت قدر الإمكان أن أنكر الاتهامات، خصوصاً عندما تأكدت بأنهم لا يملكون الكثير من المعلومات، والهدف من هذه الحفلة هو ترهيبي فقط.

خلال التعذيب، خرجت من مكاني وسرحت في أفكاري، لا بد أن عقلي كان يحاول أن يساعدني على تحمل التعذيب، قلت في سرّي “ما أتعرض له الآن سينتهي عاجلاً أم آجلاً ولن يستمر”. عجز “المعلّم” عن استخراج الاعترافات منّي، طلب من عناصره ارجاعي إلى الزنزانة، وقال لهم: “ذكروني بها بعد العيد”، لا شعورياً صرخت “لا”، فرد صرختي بصرخة أقوى وقال: “هل تريدينني أن أنزلك إلى العسكر ليغتصبوكي؟؟”.

على باب المنفردة قال أحد العناصر لمجموعة من الشباب، “الآنسة ستمضي العيد لدينا”، فردوا عليه: “هذا الذي يريد أن يسقط النظام”.

اختفى الكرسي من الغرفة. افترشت الارض، بدأ جسدي يتفاعل مع الصعقات الكهربائية، بدأت بالبكاء بشكل هستيري. سمعت أحد المساجين في الزنزانة المجاورة يبكي ويصرخ قائلا: “يالله لماذا تركتني على قيد الحياة حتى هذا اليوم، لأرى هذا المشهد؟” وعندما سأله الشباب عن سبب بكائه فقال: “هذه حرمة، إنها ضعيفة”، وقال لي من خلف الجدران: “طولي بالك عليي يا أختي بس لأطلع من هون.. طولي بالك”.

بدأت عضلاتي بالتقلص والارتخاء، هدأت أعصابي، كانت أصوات المساجين تصدح في رأسي، كانوا يعينونني في وحدتي هذه. قرأنا القرآن معاً، كم هو جميل، في تلك الأقبية السوداء الموحشة العفنة يوجد أعظم خلق الله. بعد ساعات أخرجوني من زنزانتي، أعطوني أغراضي ورافقتني دوريّة، عيناي مغمضتان، يداي مقيدتان إلى الخلف، اخبروني بأني ذاهبة إلى البيت، وأخبرني أحد العناصر بأن أحد أفراد أسرتي سيستلمني منهم. سألني عما اذا تعرض أحد لي وتسبب بأذيتي، سألني ببساطته “لماذا قمت بهذا الخطأ؟ ما ينقصك؟ أنت تلميذة طب ومن الظاهر انكِ لست فقيرة ! لماذا خرجتي ضد النظام ؟”، كلماته أعادتني إلى لحظة توقيفي في محرس الجامعة، حين سألتني إحدى النساء الثلاث “ماذا ينقصك ؟ موبايلك يساوي خمسين ألفاً !”.

طال انتظاري في السيارة، راودتني أفكار بنفسجيّة خلالها، مَن مِن أهلي سيأتي ليستلمني. أنزلوني من السيارة وأخذوا اغراضي وأعطوني وصل أمانات، ادخلوني إلى غرفة صغيرة، عندما حاولوا اغلاق الباب سألتهم عن أهلي فأجابوني: “غداً سيأتون للقائك”، علمت حينها انه لا وجود لأهلي وأنه تم تحويلي لفرع آخر، فرع التحقيق في مطار المزّة التابع للادارة العامة للمخابرات الجوية.

في هذا الفرع، أكملت ما تبقى من أيامي الثلاثة والعشرين، الغرفة أوسع بقليل من الغرفة الأولى، زرعت بين غرفتيّ تحقيق، زجاج “محجّر” يغطي باب الغرفة من نصفه إلى الأعلى، كانت أشعة الشمس تتسلل بخوفٍ إلى الغرفة، كانت الشمس تساعدني بإحصاء الأيام والليالي.

وجودي بين غرف التحقيق كان بمثابة تعذيب نفسي لي، اذ كنت أسمع يومياً اصوات المساجين وهم يعذبون، كنت أسمع أصوات اللكمات والصفعات والاهانات والشتائم، كان الرجال يصرخون ويبكون تحت التعذيب. سرعان ما تأقلم سمعي ودماغي مع هذه الحفلات التي غالباً ما تبدأ في تمام الساعة التاسعة مساءً حتى ساعات الفجر الأولى.

في أحد الايام استدعوني إلى تحقيق مطوّل، معصوبة العينين. تغيرت اللهجة، هددوني بالصعقات الكهربائية إلا أنهم لم يستخدموها. حاولت في البداية أن أنكر، إلا أن المحققين هنا متفرغون لنا، والتحقيق يقام تبعاً لخطوات مدروسة على الأصول. سبقني إلى هنا زميلان، كانا قد اعتقلا في وقت سابق، علمت حينها انهم يملكون معلومات، قررت ان اتكلم ولكن بشكل مدروس، قررت ان اتبع استراتيجية، بمعنى ان اعترف بأني قمت بالاعمال التي لديهم معلومات عنها، وبأني كنت أعتقد ان ما اقوم به صحيحاً، وانني متعاطفة مع الذي يجري في البلد وحزينة على القتل والمعتقلين وأن الاعلام غرّر بي ولم أرَ الصورة بشكل صحيح. نجحت في هذه الخطة أن أحول التحقيقات إلى جلسات دردشة ونقاشات، خاصة عندما يرسلونني إلى رئيس الفرع “سيادة العميد”، عندما يبدأ بإخباري عن انجازات القيادة الحكيمة في تطوير البلد، ويشرح لي عن المؤامرة الكونية، وأجمل شيء كان عندما أخبرني عن عظمة القطاع الصحي ووفرة وجودة المشافي الحكومية والمعدات المتطورة فيها. للتنوير فقط إن المشافي الحكومية في البلاد هي مسالخ وليست مشافي.

في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، اتوا لي بمحقق خصوصي، وراح يخبرني عن نظريات “فرويد” ويسألني عن علاقتي بالمحللة النفسية رفاه الناشد. قدم لي سجائر، فرفضتها وشكرته.

بدأ بتحليل حالتي وسألني: “فتاة في سنّك بدلاً من أن تكتب رسالة لحبيبها وتنظم الشعر، توزّع المنشورات؟ عندما أخبروني بأن لدي مقابلة مع “يمان” تخيلت أنك شاب بشنب”.

حاولوا مراراً وتكراراً أن ألقي اللّوم على أحد آخر، وأتهم اشخاصاً معينين بالتغرير بي. رفضت هذه اللعبة، وقلت أنني صاحبة الفكرة. انكرت معرفتي بجميع الاشخاص الذين سئلت عنهم، حرصت على أن لا أورط أي شخص معي. حاولوا اقناعي بأن الاشخاص الذين اسمع اصواتهم خلال التحقيقات هم مجرمون ومغتصبون، وهم يضربونهم كي يعترفوا. يحاولون اقناعي بأنهم يحافظون على أمن البلد وعرضه.

خارج أوقات التحقيق، كنت أحاول أن أنام كثيراً في محاولة لتمضية الوقت، كنت أنشد أغاني الثورة، وعندما اشعر بأن أحدهم اقترب، اخفض صوتي أو أسكت. كنت أصلّي وأتنبّه، وإذا ما اقترب أحد من الزنزانة أقطع الصلاة، الصلاة في السجن ممنوعة .. كنت أقرأ الجرائد، أطالبهم بالجرائد باستمرار، كانوا يأتونني بجرائد البعث وتشرين، كنت أقرأ الصفحات الثقافية والفنية. أجمل خبر قرأته كان عن تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، أحسست انني ارتفعت شبراً عن البطانية من الفرح.

في إحدى المرات، قرع لي أحد الموقوفين على زجاج غرفتي ورفع لي إشارة النصر. تجمدت في مكاني، لم اصدق ما تراه عيناي. زاوية النافذة كانت مكسورة، أتلصص من خلالها على المسجونين وأتكلم اليهم وأدعوا لهم. كانوا يقفون على نافذتي مغمضي العيون، يرتجفون في مكانهم، ما أن يدخلوا غرف التحقيق حتى أسمع أصواتهم. كان هذا الثقب الصغير نافذتي على العالم الخارجي.

أحد العناصر تعاطف معي مراراً وتكراراً، كان يلومني على فعلتي، يشتم الثورة ويقول لي “أنت مكانك ليس هنا”، بعد خمسة عشر يوماً ساعدني بالتواصل مع أمي.

عندما سمعت صوتها، انهارت أعصابي، إلا أنني سرعان ما تمالكت أعصابي ولم يعد يهمني متى سأخرج. بعد عشرة أيام من وجودي في الفرع، أصبت بمرض جلدي نتيجة البطانيات الوسخة التي كنت أتلحف بها، تنبّه لي أحد رجال الأمن، طلب لي الطبيب. ابتسم بعد أن كشف على مرضي وطلب تغيير البطانيات، عرفت حينها أنه “جرب”، وصف لي دواء، بكيت كثيراً وقتها، عزّت عليّ نفسي .. كنت آكل جسدي من كثرة “الحكّ”.

يوم اعتقالي، حاول أهلي كثيراً الاتصال بي، وكان هاتفي خارج التغطية، لم يقلقوا لأنني اخبرتهم انني سأزور جدتي المقيمة على حدود الجولان، والشبكة هناك غالباً خارج الخدمة. يوم الجمعة صباحاً، وبينما كان والدي يقلّب بقنوات التلفزيون، شاهد علي الحسن على قناة الجزيرة يخبر أنه تم اعتقالي .. وصلت أمي إلى سوريا سريعاً، حاولت بشتى الطرق أن تخرجني، استعملت الوساطة وحاولوا ابتزازها .. في النهاية، استطاعت بتاريخ 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2012 أن تراني.

كبرت أمي عشر سنين، وضعفت عشرة كيلوغرامات منذ أن عرفت أنني اعتقلت، تعيش على المهدئات .. تغيرت ملامحها كثيراً.بعد انتهاء الزيارة عدت إلى زنزانتي وفي قلبي شعور بأنني سأخرج قريباً.

السبت 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، دخل موظف الأمن إلى زنزانتي، وأخبرني أنه تم الإفراج عني. رافقته لأتسلّم أغراضي. طلب مني المسؤول عن الأمانات ان أتأكد من أغراضي، تفحّصتها ووجدت بينها كتاباً ليس لي، انه كتاب “نهج التغيير” للمفكر مالك بن نبي، صدمت لوجوده بين أغراضي، أخبرته بأن هذا الكتاب ليس لي، طلب مني أن أبقيه معي وأن أرحل .. فكرت طويلاً بهذه المصادفة، كتاب لمالك بن نبي أمانة لأحد المعتقلين، هذا نموذج لأحد المجرمين الذين يقتلون الناس ويغتصبون النساء ! “لعنكم الله عم تفترو على خيرة رجال وشباب بلدنا..انتو المجرمين وما حدا غيركم .. انتو وشبيحتكم”.

إحدى العجائب والافتراءات الأخرى عندما ذكرت اسم غياث مطر في أحد التحقيقات، سألوني: غياث مطر؟ تعرفينه ؟ قلت لهم: لا، سمعت بقصته فقط، فقالوا لي: هل تعلمين أن غياث لم يتم سجنه ولا يوم. فأجبتهم بالنفي. بعد فترة سألت الموظف المتعاطف معي: أنتم أخبرتموني أن غياث لم يسجن ولا يوم، شو القصة ؟ رمقني بنظرته وقال لي لماذا تسألين؟ أخبرته أن سؤالي من باب الفضول، وأنني حزنت عليه، فقال لي ونحن أيضاً حزنا عليه، وأضاف: ” هل تصدقين أن الناس تقطع وتوصل هنا؟ معروف انو يحيى “أحقر” من غياث وهو رأس التنسيقية بداريا ..اذا الأمن يريد أن يقتل، لماذا يقتل غياث ويترك يحيى؟ بس لو رضي يحيى أن يظهر على التلفزيون كنتي عرفتي كيف مات غياث، ولكن نحن لا نجبر أحداً على أن يطل على التلفزيون إلا إذا كان قد ندم على غلطه وأحب أن يخدم غيره”. ليلتها لم استطع النوم، وقلت: “الله وأكبر عليكم شو عملتوا فيه لحتى بدكم تطلعوا على التلفزيون ومش رضيان”. سألته: يحيى يعيش هنا؟ فصرخ بوجهي وقال: “لكن شو مفكرة ؟” وأخبرني أنهم كانوا يكمنون لهم كي يعتقلوهم لكن غياث كان مسلحاً وأطلق النار على العناصر فاضطروا أن يردوا عليه، أصيب وتم نقله فوراً إلى المستشفى، ألاأن الله لم يكتب له عمر”. “أي شو هالقصة المحبوكة يا زلمة ؟ غباؤكم هلكني”.

بعد أن تسلّمت أماناتي، توجهت إلى مكتب سيادة العميد وأخبرني انه تم الافراج عنّي، “طبعا بعد ما تعلمت درسي وتحولت لإنسانة ايجابية بعد ما كنت سلبية”، أسمعني محاضرة ختامية صغيرة وكتب لي على ورقة ارقامه، كي أخبره اذا ما حاول أحد أن يزعجني، وقال: “ليس من باب الوشاية لا سمح الله وإنما للحفاظ على أمن وأمان الوطن”.

أخذتني أمي من امام باب الفرع، كنت أشاهد الشام وأبنيتها ولست مصدقة، غنّيت في السيارة “يا محلاها الحرية”. بعد يومين وصلت إلى الرياض، عندما شاهدني والدي من بعيد، خرّ ساجداً شاكراً، لم أعرفه في الوهلة الأولى، لقد عتق لحيته وخسر بعض الكيلوغرامات.

اليوم أنا بعيدة، تشردت كما تشرد غيري، تأخرت كي أكتب هذه الكلمات وأُخرج ما بداخلي من غضب، وأُخبركم ماذا جرى لي لأنني كنت متأملة ان أعود إلى الشام في الفصل الثاني وأكمل جامعتي، لكن محاولاتي فشلت. إلا أني سأعود إليها في العام المقبل، سأعود إلى الشام الحرّة، سأعود إلى جامعتي وكلّيتي من دون شبّيحة الأسد ومن دون خوف وتماثيل وأصنام ضخمة وصور ومواد الثقافة وجميع انواع الاستبداد.

 

Previous post

شاهد: ميليشيا شيعية تمارس طقوسها في مساجد حلب

Next post

في زمن الحرب.. عائلات سورية تجتمع على “واتسآب”