Home»أدب الثورة»آلاء محمد: الموت أسهل ماتسببه الحرب

آلاء محمد: الموت أسهل ماتسببه الحرب

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – آلاء محمد – السورية

عمري 27 عاماً، في كلعام مئة جرح واعتقال وموت وفرح وولادة وصديقة تذهب وأخرى تبقى.
في كل عام نزوح ولجوء ومحطات أقف عندها من هول الصدمة، لا حب يطفو في زمن الحرب، ولا صوت يعلو صوت الرصاص.
هذه تزوجت، وتلك تطلقت، وأخرى يسكن في رحمها طفل لا يعرف ما يخبئ له الزمن.
منذ طفولتي اعتدت سماع أحاديث الحرب، وفي كل صباح استيقظت على صوت مذيعة الأخبار، كان أبي يستمع للنشرة قبل ذهابه للعمل.
أذكر عندما كنت في الصف الثالث الابتدائي، كنا نلعب أنا وأصدقائي في باحة المدرسة، وبدأنا الحديث عمّا يقوله أهالينا في البيت، مروة صديقتي المقربة في طفولتي قالت أنّ حرباً على صدام حسين ستبدأ، وأن الصواريخ ستمرّ من فوقنا وربما تقع علينا ونموت، كما يموت الأطفال في بلاد أخرى.
أذكر جيداً أنني خفت وبدأت أفكر أين سأختبئ عندما تبدأ الحرب..
أيقنت أن أسهل ما تسببه الحرب هو الموت، وماتبقى هو قيامة في الأرواح لا تهدأ ولا تنتهي، ففي كل اتجاه انظر إليه حكاية.
كنت أعتقد أنّ الحرب تسبب الموت فقط، نعم كنت طفلة..
والآن:  كبرت وعندما وصلت الحرب إلى بلدي، أيقنت أن أسهل ما تسببه الحرب هو الموت، وماتبقى هو قيامة في الأرواح لا تهدأ ولا تنتهي، ففي كل اتجاه انظر إليه حكاية.
هنا تجلس خالتي المسكينة، تبكي ابنها الشهيد؛ وتعاتب أخاها الذي لم يتصل بها منذ ستة شهور، ترسل له عتابة بلحن حزين، الحقيقة أنه استشهد أيضاً، ولكن لم نستطع إخبارها.
وهذه ابنة عمي تبكي زوجها الذي عشقته عشقا دام خمس سنوات وتزوجها بضعة أشهر، واعتقل في سجون الظلام لا تعرف عنه شيئاً، واحترق قلبها على عشق مات وضاع في عتمات الظلم والبغيان.
وهذا ابن جارنا شاب جميل، أصيب برصاصة تسببت بشلله، طالما قلت لنفسي” حرام هالجمال وقوة الشباب تلاقي آلام الشلل”.
في كل اتجاه أنظر إليه، حواجز وفراق بين الأحبة كل في بلد تفصلهم جبال وبحار وجوزات سفر لعينة، وتبنى محبة بين من كرهوا بعضهم وظنوا أنهم كذلك حتى الموت.

وفي كل نظرة يزداد سواد عتمة الليل، ليلنا الذي أصبح طويلاً..
تزداد تناقضات حياتنا..
نفقد أشخاصا ونلتقي بآخرين، نقبّل صور من ماتوا، ونبتسم لوجوه جديدة، نريد أن نحفظها جيداً، خوفاً من الفقدان.
أنها الحرب.. تجعلنا ألف إنسان في إنسان..
دائما يخطر على بالي، ماذا لو مت في الحرب، هل سيتذكرني أحد، هل تفتقدني الصديقات، صديقاتي، لأحدثكم قليلاً عنهن:  كنا خمس فتيات، دامت صداقتنا لعشر سنوات، لم نكن لنفترق لولا الحرب، فأماني فتاة سمراء بعيون خضراء جميلة، كانت الأجمل بيننا، وكما يقولون أهل الشام “نغشة ودماتا حلوين”، اشتهرت ببينا بالفتاة التي تكسر كل شي يقع بيدها، درست أدب انكليزي في جامعة دمشق، لم أراها منذ خمس سنوات ونصف، آخر ماعرفته عنها أنها تزوجت، وأصبحت أم لطفل، أما بتول فهي الأقرب إلى قلبي لم أرها منذ ثلاث سنوات فرقتنا موقفنا تجاه ما يحدث في سوريا، ريم ودعاء لم أعد أعرف عنهن شيئاً سوى ذكرياتنا القديمة.
تعتاد روحي على فراق صديقة لتأتي أخرى ليحلو بابتسامتها مر الحياة. ومنذ أن بدأت الحرب، منذ سبع سنوات وكل عام لدي صديقة مقربة، وبنفس السيناريو تذهب وتأتي أخرى، تفرقنا المسافات وظروف الحياة.
نحن لا نموت من شدة الحنين، ولا تتورم ذاكرتنا من طول الانتظار، بل نمرض قليلاً، ثم ننهض للحياة من جديد.
أكتب ..
لأنني في كل مرة تضيق بي الحياة، أجد نفسي أحبها أكثر، لا أزال أرى أن القلب يزداد قوة كلما تألم، وأنني أملك قلباً محباً مليئاً بالخير.
مازلت أهيم بوطني رغم كل الجروح والتشوهات والبيوت المهدمة والقبور الكثيرة، ورائحة الياسمين لم تغيرها رائحة البارود.
لوطني الذي يبقى النور في هذا العالم الأسود، لنساءه وشبابه وأطفال وحربه وسلمه وسماءه المليئة بالدخان.
أكتب..

تعليقات فيسبوك
Previous post

خلاف بين الدفاع الوطني والفرقة الرابعة ينتهي بإقالة مسؤول المعلومات في السويداء

Next post

ماحقيقة اتهام "أيمن زيدان" بالدعشنة والتشبيح؟