Home»أدب الثورة»رزق العبي: في ذاكرتي طَعْمُ وطن

رزق العبي: في ذاكرتي طَعْمُ وطن

0
Shares
Pinterest Google+

رزق العبي – الفيحاء نت

فجأة ودون سابقِ تفكير، تقرّرُ أخيراً أن تضعَ الوطنَ كلّه في حقيبة ذاكرتك، وبخاطرٍ مكسور، تعطيه ظهرك.. وتمضي..

هي آخر مشيةٍ في الحيّ الذي مشيتَ فيه خطواتكَ الأولى، وثمّة منفى أكثر سخاءً ينتظرك، وأنتَ تلقي نظرات الوداع الأخير على ما تبقى من حارات الضيعة، تتمنى لو أنّ الوطن يأتي على شكلِ علبٍ لوجبات سريعة تأخذها معك أينما ذهبتَ، وتتناولها على عجل لحظة شوقٍ مجنونة، ستعترضك في غربتك..

إنها الأوطان التي تلفظُ أهلها يا صديقي.. إنها الحارة التي ماعاد لكَ فيها صوت يصدحُ كل مساء وأنتَ تشرب القهوة على شرفة المنزل.. إنه الشارع الذي لا تملّ توزيعَ السلامات على دكاكينه كلما مررت.. لن تراه بعد اليوم إذن!.

تحسدُ قطّ المزبلة، أو “كابل” الكهرباء الذي لم يعمل منذ سنوات، وتحسد كل الأشياء التي آثرت البقاء..

وأخيراً أنتَ على الحدود.. انتهت الحكاية يا صديقي، إنه وطنك الجديد، لكن بلا ذكريات، وطنٌ مفتعل، تقنعُ نفسكَ به..

لا يوجد “أبو عبدو” في المنفى، ولا “درويش” الحارة، كما أنّ المنفى لا يأتي لكَ بجارة في جيبها عشرات القصص “تطلقت فلانة، ماتت فلانة، حكت عليكِ فلانة” لن تسمعَ تلك الحكايات بعد الآن..

في المنفى تشعرُ أنّك من وَرَقَ، تتعلَّم اللغة الجديدة، وتثبِّت إقامتك، وتسدد فواتير الكهرباء والماء والهاتف والانترنت، إنه وطن إلكتروني لم تألف العيش فيه قبل ذلك.. أنتَ هنا في منفاكَ لستَ على موعدٍ مع أحاديث على “طاقة فرن الخبز” فبإمكانك الاتصال بالبائع ليأتي لكَ بها، كما أنّكَ لن تجد طبخة ملوخية، أو أكلة بامية بالطريقة التي تعوّدتَ عليها.. لأنّ طعم الوطن العالق في أسنانكَ أشهى من أن يجعلكَ تعتاد على طعمٍ غيره..

وكلّما جاء المساء، تضعُ الوطنَ على طاولة السهرة، وتبدأ من جديد استعادة شريط الذاكرة.. إلى أن تتذكر أن الوقت تأخر وأنّك في الصباح الباكر قد تتأخر على “شغلك”.. وتنام..

تعليقات فيسبوك
Previous post

صحيفة: لهذه الأسباب الخفية سمحت الولايات المتحدة لقافلة داعش بالمرور داخل سوريا دون القضاء عليها

Next post

من أوسع الأبواب.. الأحكام العشائرية تعود للسويداء