Home»أدب الثورة»رزق العبي: المدن الشام

رزق العبي: المدن الشام

0
Shares
Pinterest Google+

رزق العبي – الفيحاء نت

في المنفى تعرفُ أنّ المدن الكبيرة تتساوى.. وتقترب لتصبح نسخة مكرّرة من كل المدن التي عشت فيها أو مررت عليها مرور الكرام..

ومع كلّ مشهد تعيشه في مدينتك الآن، تعبر كلّ المدن دفعة واحدة في ذاكرتك، تعبرُ دمشقَ، وحلبَ، وحمصَ وإدلب.. هنا وأنتَ تشرب قهوتك في إحدى المقاهي بمدينة مرسين الساحلية التركية وبالقرب من مينائها الذي تختلط مياهه مع مياه اللاذقية، تشعرُ أنّ شيئاً ما يشدّك نحو البعيد.. نحو آخر مرّة كتبتَ اسمك على شاطئ هناك، وكتبتَ اسمَ من تحبّ ثمّ أخدتَ صورة فوتوغرافية..

ومن قال إن المدن الكبرى لا تتشابه بعشّاقها، ببؤسائها، بمتسوليها، وتتشابه بكَ أنتَ، حين تمشي على أرصفةٍ لم تكن لتعلمَ أنّك ستعبرها يوماً، وفجأة تكتشفُ أنّك أصبحتَ واحداً من سكّان مدينة ما، لا تربطكَ بها أي رابطة، سوى أنها منحتكَ حقّ أخذِ النفس.. منحتكَ أن تمارس شوقكَ لمدينةٍ كانت في وقتٍ مضى بيتك الكبير..

وحين تأخذُ الفنجانَ بكلّ برود وتدفعه إلى فمك، ثمّ تشعلُ سيجارتك، تتذكر كم من سجائر الحمراء الطويلة أشعلتَ في عُمْرٍ مضى، وكم استهزئت بردائتها، وبرائحتها وبطعمها، وأنتَ تعرف جيداً أنّك تستهزأ بالوطن الذي كتب على علبة السجائر عبارة (صُنعَ من أفخر التبوغ)، ونسي أن يكمل الجملة بعبارة، صُنعَ هكذا ليقتلك، لكنّك كنتَ ممتنّاً للحمراء التي يختبئ فيها عمّال الوطن وصغار الكسبة ومقهوري الأنظمة، وحتى عَبَدة الحزب والنقابة وكلّ الألفاظ التي تنتمي للوطن بالاسم..

وحينَ تمشي من أمامكَ ضحكات الأطفال إلى مدارسهم صباحاً ليس بوسعكَ هنا سوى أن تتذكر خطواتك الأولى في ذات المدينة التي مشيت أول مرة في شوارعها متّجهاً إلى المدرسة، حاملاً كلّ نعاسك، وسندويشة زعترٍ، زعتر صنعته أمّك وخبأته في بيت المونة..

وشيئاً فشيئاً يطوي النهار ساعاته، تسكبُ المدينة ليلها على صدرك مثلَ كابوسٍ يحاول خنقكَ لأنّك تعيشها لكنّك لستَ هنا، إنّك هناك، في أدّق التفاصيل، قلبكَ هناك، ينبضُ للذين هناك، هناك في الشام.

تعليقات فيسبوك
Previous post

يلدريم: الجيش التركي سيرد على أي تهديد عند حدوده الجنوبية

Next post

قصف على دمشق وسقوط جرحى