Home»ذاكرة الثورة»سمارة القوتلي.. ”في الحصار وجه أنثوي“

سمارة القوتلي.. ”في الحصار وجه أنثوي“

1
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – مصطفى الكحيل – معهد الجزيرة للإعلام

رقم من أرقام المحاصرين، هكذا عبّرت عن نفسها عندما كانت تعيش في الغوطة وتنقل معاناة المحاصرين فيها، فهل كانت ستنجح في تلك المهمة لو لم تكن منهم ومعهم، ولكونها الأنثى الوحيدة من دوما المحاصرة التي تظهر على “الجزيرة”، إحدى أهم القنوات العربية. جلب عملها أيضا لها حصارا فوق حصار، فكيف كانت تتعامل مع معاناتها المضاعفة، وهل تراجع إحساسها بأوضاع المحاصرين بعد الخروج من الغوطة؟ تقاريرها التي أنجزتها من داخل غرفة أخبار الجزيرة لا توحي بذلك.

لم يكن اندلاع ثورة شعبية في سورية أمرا ممكنا في مخيّلة معظم السوريين؛ فذاكرتهم تحتفظ بمآس كثيرة وعدد ضحايا الثمانينيات (إبان مجزرة ارتكبها النظام السوري ضد معارضين في مدينة حماة) غير دقيق حتى اليوم، وما زال مصير الآلاف مجهولا. البعض يقول إن غياب الأدوات الإعلامية والتكنولوجية المتوفرة اليوم عن ذاك الزمن كان سببا في عدم إنصاف الضحايا، لذلك كان أول هاجس ستعاني منه ثورة محتملة هو وصولها إعلاميا في بلد الرأي الواحد، حيث التعددية أمر خيالي والمواهب مدفونة أو مكبوتة والكفاءات الإعلامية المدربة مفقودة، إلا من الذين تمردوا على شح الفرص وانعدامها مثل سمارة القوتلي التي تحدثت عن تجربتها لتقول:

“كان لدي شغف بالكتابة والأدب عندما كانت سوريا آمنة. كنت أؤثر كتابة القصة والنص النثري. كتبت بعض القصص الصحفية لجرائد كانت توزع في دمشق، ولم يكن الحدث المخيف في سوريا يشبعه حرف مني أو من غيري. أدركت حينها أننا لا نكتب بالقلم إلا إن كنا في حياة رغيدة يتاح فيها للقلم التعبير، أما الدماء فلا يوثقها إلا ارتجافنا ورعشتنا خلف أو أمام الكاميرا. بدأت استخدام كاميرا المنزل الصغيرة التي كنا نستخدمها في نزهاتنا. استخدمناها ببالغ الخوف في تصوير جرحى سقطوا هنا وهناك عقب مجزرة قضى فيها ثلاثة عشر شابا أعزل من أبناء المدينة”.

رصدت سمارة الخوف والدم وحملت الكاميرا بقطع الأنفاس.. “كنا نشاهد الحدث من خلال عدستها، ورؤوسنا أنا وإخوتي ترتفع وتنخفض لئلا يرانا رجال أمن قوات النظام من شباك شرفة مطبخ البيت.. بيت العائلة في مدينة دوما بريف دمشق. تصاعدت الأحداث في سوريا وتصاعد نشاطي معها ليأخذني إلى معظم المدن السورية التي استجابت لنداء التغيير، إلى أن اصطفاني القدر لأكون مراسلة لقناة الجزيرة. تعريفي الحقيقي هو أنني رقم من أرقام المحاصرين في دمشق. وهنا حديث يطول وكلمات أشق بها على نفسي في آخر السنوات الست التي قضيتها في سوريا، فما زلت أغمض عيني وألهث كلما تذكرت أحدها.. ولست أعني القصف وحسب، فالموت هناك أسهل الأقدار وأرحمها.. كان هناك مائة بلوى وبلوى أخشاها ليس بدءا بالقصف ولا انتهاء بالضرر الذي حل بعائلتي.

دعم المسؤولين
أوشكت سمارة على التوقف عن العمل أواخر 2014، كانت يومها في بدايات عملها مع الجزيرة، وحل بها من الأذى ما حل، لكن المسؤولين في الجزيرة في تلك المرحلة، كما تقول الشابة المحاصرة، “ساندوني إلى أبعد حد وكانوا معي لحظة بلحظة على وسائل التواصل، وكانوا حريصين على الاطمئنان عليّ يوميا من خلال زملائي في نفس المنطقة والعمل لكنني سلمت زمام أموري كلها لرب العباد وأكملت. ولولا تلك المؤازرة لتوقفت في تلك الفترة من وراء الضغوط المتراكمة بسبب عملي مع القناة.

تتعدد صعوبات العمل في منطقة محاصرة ومنها مسألة تأمين الطعام.. “الجوع شعور لا يمكن وصف ضعفنا وخذلاننا وحالتنا الإنسانية حياله، هذا بالنسبة للكبار فكيف بالأطفال؟ كل أنواع الميتات التي ذقناها من كيماوي إلى قتل بالرصاص والنابالم الحارق كانت بكفة والجوع بكفة أخرى، فما الذي غير الطعام سيسعفك لتقوى على الركض والهروب والمشي مسافات بعيدة.. لا وقود ولا سيارات.

“في الحصار وجه أنثوي”
ومن الصعوبات أيضا كون التي تعمل في منطقة الحصار أنثى؛ فـ”اندلاع الحرب في سورية أعاد البلد خمسين سنة إلى الوراء. هذا الأمر جعل المرأة تحسب ألف حساب لأي خطوة تقوم بها، من حسابات الخوف والاعتقال والموت وحتى كلام الناس. ففي حلول القذائف لم يعد عمل المرأة أمرا مستحبا، إضافة لانغلاق المناطق المحاصرة على بقية المدن. وفي الفترة الأخيرة حمَل السلاح أشخاص تحكمهم عادات وتقاليد اندثرت، وهؤلاء طبق أكثرهم الوصاية على الناس في البقعة التي يحكمونها. وهل من صوت يعلو على صوت السلاح؟ العمل الصحفي في مناطق نزاع لا يُعرف منها عدو من صديق يشبه أمرا يكون النجاة منه شبه مستحيل، وفي غالب الأحيان لا يكون عندها الحيلة والخدعة التي يمتلكها الرجل في التعاطي مع الحروب”.

ترى سمارة أن خروج الصحفي من المنطقة المحاصرة لن ينتقص من إحساسه بمعاناة المحاصرين، طالما أن الصحفي هو ابن ذلك الميدان، والمعطيات على الأرض السورية كما هي ولم يتغير سوى تصعيد وتيرة العنف، إضافة لعلاقات كل مراسل في الداخل وفهم ما يجري في الواقع من خلال الأقارب والأصدقاء الذين ما زالوا هناك.

تقارير من خارج الحصار
أنجزت سمارة عدة تقارير خارج الحصار وأحدها عن غرق مجموعة من اللاجئين في البحر، ليسوا سوريين هذه المرة، لكنها بدت في ذلك التقرير وكأنها كانت معهم على ذات القارب ونجت.. “لم أتماسك وأنا أنظر لصور الغرقى كي أكتب عنهم. وماذا أكتب؟ كنت أرى صورة أختاي في البحر كأنهما أمامي، فسبق لهما أن سافرتا عبر البحار بعد أن ساءت بهما الأحوال وأوشكتا على الغرق، قبل أن ينقذهما خفر السواحل التركي. وجوه الأطفال.. وجوه أقاربي الموتى والجرحى تلاحقني حيثما أكون. أفرح بانشغالي وأحاول أن أصب فيه كل ألمي، فيما أنجز الصورة ومن بعدها الكلمة وهي أضعف الايمان.

الخروج من الحصار لا يعني أن يتحرر الوجدان من ذكرياته .فآخر عيد قضته سمارة في سوريا هو عيد الأضحى 2016، وكانت حينها في إدلب التي كانت أفضل من بقية المدن السورية، لكنها لا تخلو من القصف والتفجيرات. أمضت جزءا كبيرا من العيد مع أهالي داريا في مخيم أطمة.. “أكثر ما أثّر بي أننا في زمن ما عدنا نبالي به بالأوجاع”.

تعليقات فيسبوك
Previous post

(حزب الله) يحدد موعد خروج ميليشياته من سوريا

Next post

"أنا آية الأسد ولاك".. شبيحة تعتدي بالضرب على شرطي تابع للنظام