Home»ثقافة وفن»ثقافة»السوريون الذين سقطوا من حقائبهم على الطريق

السوريون الذين سقطوا من حقائبهم على الطريق

1
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – ميسون شقير – النهار

نحن السوريين، كأشجار تحاول أن تتسمك بالجذور، كجذور تحاول أن تتمسك بالتراب، كتراب يحاول أن يتمسك بباقي الأرض.

هكذا نحن في الرحيل الكبير، في التغريبة القاتلة، في الاقتلاع الكامل لمكونات شخصياتنا، لذواتنا، في تهجيرها ورميها في أماكن لا تعرف شيئا عن ملامحنا، هي الأماكن الغريبة التي لا تستطيع أن تعي حجم الخراب الذي عمّرته الحرب فينا، ولا تصدّق أننا قادمون من آلاف السنين، وأننا اينما ذهبنا فسنحمل في أصابعنا أول نوتة موسيقية في العالم، وفي شفاهنا أول أبجدية عرفتها البشرية، وعلى أجسادنا آثار أقدم أجهزة التعذيب وأحدثها، وأفخر أنواع السجائر.

ركبنا البحر. مَن غرق في البحر نجا من الحياة. مَن وصل الى الشواطئ، وصل فاقداً ملامحه، مبلَّلاً بجحيم الخراب والموت والغربة.

وصلنا إلى هذه البلاد الجديدة التي لا رصاص فيها سيطلق على حناجرنا، ولا مكان فيها لاعتقالنا، لرعبنا، لذلّنا، لسجننا، لتعذيبنا، ولموتنا.

لا سماء لرايات سود تسرق منا لون دمنا، في هذه البلاد الجديدة البعيدة، الجميلة، النظيفة، المرتبة، المنظمة، المليئة بالغابات، وبالأطفال الشقر النظيفين.

لكن هذه البلاد لا يعرف هواؤها لغتنا، ولا للكلام فيها طعم الكلام. ورودها الكثيرة لا تحمل روائح أحبتنا، وطرقها لا تستشعر أنفاس أقدامنا المتلاشية.

هذه البلاد هل تستطيع أن تنقذنا؟!

نحاول مذ وصلنا أن نحيك من أحلامنا الممزقة شالات تحمي أرواحنا من البرد. لكن عبثاً نحتمي من البرد.

ست سنوات من الانكسارات المتتالية، من الانتظارات، من الأحلام المحطمة، كيف نلحم جراحها؟!

زادنا الوحيد احساسنا الخانق بالعجز، بالخيبة، واكتشافنا المتأخر أن لا أحد يكترث بنا، وأننا سنموت هنا، مكفَّنين بالذل والخذلان، وحيدين مقهورين، كفدوى سليمان، ومهزومين ذابلين كصوت سميح شقير، وعيني فارس الحلو.

نتذكر ليلة الرحيل الكبير، حين كان علينا أن نجلس أمام الحقيبة التي سنحملها وتحملنا طويلا.

كان علينا أن نحشر فيها أيامنا الماضية، المطوية جيدا، شالات لأمهاتنا مطرزة بالدعاء وضعناها كي نقنع هذا الرحيل بأننا سنكون بخير.

وكان علينا أن نحشر فيها أحلامنا المكوية، ملابسنا، وزجاجة عطر لم يبق فيها الا رائحة من أهدانا اياها، وأوراقا كثيرة مصدقاً عليها، ومحفظة صفيرة وضعنا فيها ما كنا نعتقد أنه هوياتنا وشهاداتنا التي كنا نتوهم أنها ستشهد علينا في البلاد الجديدة.

وكان علينا أن نحشر فيها صور طفولتنا وشبابنا ودراستنا وصور أطفالنا.

لم نكن نتخيل يوما أنه سيكون علينا أن نترك دماءنا وراءنا.

في تلك الليلة كان علينا أن نحمل صور الذين سنتركهم هناك وحيدين، يرعون غيابنا جيدا، وأن نخبئ في زاوية الحقيبة صورا للذين تركناهم تحت التراب، مع شريطة سوداء نزعناها عن الجدار الذي كانت تسنده من السقوط، كي نقول لهم إنهم معنا، وإننا لن نتركهم وحدهم ينتظرون في القبور.

نحن السوريين الناجين من الغرق، نكتشف اليوم أن هذه البلاد الغريبة، الجميلة إلى درجة لا تحتمل، الهادئة إلى حدّ الموت، قد محت لنا عمرنا الذي حاكته لنا أمهاتنا.

كل شيء فيها، كل الأشياء التي جئنا لأجلها، الأشياء التي حرمنا منها، الأشياء التي ألبسناها أحلامنا الواسعة، أعادت لنا هذه البلاد حياكتها، لكن عمرنا الجديد صار ضيقا جدا علينا، ولن نستطيع أن نرتدي هذا العمر مرة ثانية.

سنكمل حياتنا هنا بلا عمر.

هذه التغريبة قد تكون أكثر رأفة بأولادنا. سيبهجهم ربما نموّهم في بلاد تحب الطفولة، وتترك لهم حرية مراهقتهم، وبلوغهم.

أما نحن السوريين الكبار في السن، السوريين الذين تركنا حياتنا خلفنا وحيدةً تحت الأنقاض، فنخاف أن ينمو أطفالنا هنا. وحين يصبحون كبارا، نخاف أن يكتشفوا حجم الهاوية، وأن يصيروا كالفلسطيني الذي لم يزل يسرف حياته في العثور على وطن.

في تلك الليلة من الرحيل الكبير، كان علينا أن نشد سحابات الحقائب جيدا كي نتأكد أنه لن يسقط شيء منها على الطريق. جففنا ملح دموعنا على خدودنا، موهمين عيوننا بأنه لا حل آخر لنا، وبأن ذاك القبر/ الوطن لم يعد يتسع لنا، وبأنه كان لا بد من الرحيل الكبير.

في تلك الليلة حاولنا أن نترك في الحقائب مساحة صغيرة للشهداء كي يعيشوا حياة كاملة، وكي لا يكبروا كثيرا في غيابنا. حسبنا وزن الحقائب، ووزن الحياة الزائد فيها الذي سنسدده في كل مطار.

الآن، بعد ست سنوات كاملة من التحطم المستمر، من التخريب الكامل لبلادنا، لناسنا، لماضينا، لثورتنا، لهتافاتنا، لأحلامنا، ووجودنا هنا، نعترف لكم أيها السادة الشقر الجميلون بأننا نحن السوريين الناجين الواصلين، بحقائبنا المقفلة جيداً الى بلادكم الجميلة، قد تسلّمنا حقائبنا التي وصلت الى عالمكم المتحضر، كاملة وبأمان.

لكننا سقطنا من هذه الحقائب على الطريق.

تعليقات فيسبوك
Previous post

من قانون الخدمة لدى قوات النظام.. تفاصيل الإعفاء بكلّ حالاته

Next post

على أبواب المجاعة... الحصار يخنق غوطة دمشق