Home»ثقافة وفن»ثقافة»“جوزيف كونراد” وعميله السري إلى العربية

“جوزيف كونراد” وعميله السري إلى العربية

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – العرب

ذاعت شهرة الكاتب البولندي – البريطاني جوزيف كونراد (1857 – 1924) عبر روايته “قلب الظلام” التي حملت أهمية خاصة إلا أن ثمة روايات أخرى له لا تقل عنها أهمية كـ”اللورد جيم”، وأيضًا “العميل السري” التي صنفتها مجلة المكتبة المعاصرة في المرتبة الـ46 لأفضل الروايات في القرن العشرين. وبصفة عامة تميل روايات كونراد إلى استبطان النفس البشرية، وفي أحيان كثيرة إلى مراجعة الذات ومحاكمتها.

 

قدم الكاتب جوزيف كونراد في روايته “العميل السري” شيئيْن لم يعتدهما في كتاباته السابقة؛ أولهما أنّه تخلّى عن كتابات البحر التي اشتهر بها، وكتب موضوعًا جديدًا، يكاد يكون أشبه بالنبوءة لما يحدث في العالم من تفجيرات وأعمال إرهابية. فكان موضوع روايته عن العملاء الذين تستأجرهم الدول لإشاعة الفوضى. ثانيهما أنه اعتمد على تقنيات كتابية كشفت عن أغوار الشخصيات وصراعاتها الداخلية، فكانت التداعيات والمونولوجات والتأملات علاوة على الحوارات الأحادية رغم وجود طرف مُسَتقْبِل إلا أنّه غير متفاعل، بل هو غارق في ذاتيته.

المونتاج السينمائي

في روايته “العميل السري”، الصادرة حديثا عن دار المتوسط، في ترجمتها إلى العربية بتوقيع ميادة خليل 2017، يكشف كونراد عن قُبح الطبيعة البشرية، التي تجلّت أبرز صورها في استغلال بطل الرواية أودلف ﭬيرلوك لأخي زوجته ويني، تسيـﭬـي المعوّق، في أعمال عنف ليتخلّص من التحقير الذي فعله رؤساؤه معه.

وهناك مِن التقنيات ما يُمثِّل ثورة في الكتابة، حيث اعتمد الكاتب على تقنية المونتاج المرتبطة بالسينما، مع أن الرواية مكتوبة عام 1907، وجاءت بدايات السينما عام 1895 وإن كان التوسع في استخدام المونتاج وتحريك الأفلام الصامتة جاء في المرحلة الثانية التي بدأت عام 1911.

فكرة المونتاج القائمة على عنصر التشويق وقطع الأحداث وربط بعضها مُتحقِّقة بصورة لافتة في هذه الرواية، بل إن كثيرًا من مشاهد النص تبدو وكأنّها لقطات سينمائية مُضفّرة بعناية تثير العقل وتشحذ الذهن. ومن هنا نجد ثمة استشرافًا لكونراد في استخدامها حيث عملية تقطيع الحدث وتقسيم الزمن إلى ثوانٍ ودقائق، وفي أحيان توقيف الزمن ليعود إلى مسرح الحدث.

المؤلف يناقش دور الجماعات المتطرفة التي تشكل خطرًا داهما. وهذه فكرة سباقة تدين إيواء الجماعات الخارجة وتأثيراتها في الإضرار بالدول
هذا التقطيع يتجلّى خاصة في مشهد حوار البطل من طرف واحد إلى زوجته ويني بعد معرفتها لما حدث مع أخيها وحبيبها تسيـﭬـي. المشهد يتوزع على الصفحات 268، 269 إلى 281 ﭬيرلوك يأخذ في تبرير ما حدث، إلا أن المشاهد تتداخل بين الماضي والحاضر، بل يسرح إلى المستقبل فيتخيل ماذا ستفعل هذه الزوجة لو دخل السجن في المحل، ومع هذه التنقلات المشهدية باختلاف الزمن إلا أن صورة الزوجة كما هي في المطبخ وصَامِتة.

التطرف والانتقام

نشر كونراد الرواية عام 1907 وأحداثها مأخوذة من أحداث واقعة حقيقية حدثت بعد تفجير مرصد غرينتش بارك العلمي، ثم أضاف المقدمة الملحقة بالرواية عام 1920. تمزج أحداث الرواية بين الروايات ذات الطابع النفسي والروايات ذات الطابع السياسي وبالتحديد الجاسوسية، وما يتبعها من عمليات قذرة وتحالفات مع عملاء، عبر بطلها الفوضوي ﭬيرلوك وهو إنكليزي بدين من أم فرنسية عمل لمدة 11 عامًا كجاسوس لبلد مجهول الاسم وانخرط في جماعات ثورية وفوضوية. يقوم بعمليات تخريب داخل بريطانيا، مقابل عمولات يتقاضاها، وإنْ كان متسترًا بعمل بائع في دكان سيء السمعة يبيع المواد الإباحية ومواد ممنوعة، ويعيش مع أسرة مكونة من زوجته ويني وأمها العجوز وأخيها تسيـﭬـي المعوّق في نزل بيلغريفيا.

يحدث الانفجار في ثلث الرواية الأوّل، بعد أن تَصْدُر الأوامر لمنظمة “مستقبل البروليتاريا” بتفجير مرصد غرينتش الصرح العلمي البريطاني، وكان الهدف من ذلك إحداث فوضى كافية لجعل البلد يتخذ مواقف متشدِّدة على الصعيد العالمي. وهنا تظهر شخصيات المحقّق كبير المفتشين هيت، والمفوّض المُساعد، وتأخذ الرواية سمتًا بوليسًيا حيث توضع الافتراضات والتخمينات حول هُوية الفاعل، ثم تختفي شخصية ﭬيرلوك قليلاً، وتأخذ الأحداث طابع التحقيقات والاستجوابات، وجمع الأدلة التي تقود إلى الجاني. وهو ما كسر نمطية السرد المتعاقب الذي كان الراوي يرصد به حياة البطل الكسول، وعلاقته بزوجته ويني وأمها وأخيها وفي جانب آخر علاقته بأعضاء السفارة التي يعمل عميلاً سريًا لهم، والعلاقة الصدامية بين الطرفين، والتهديد المتواصل له، بأنه لا يعمل في جمعية خيرية. تكشف التحقيقات التي تُجرى بمعرفة كبير المفتشين تورط الأجهزة الأمنية في عمليات سابقة، وأيضًا خفايا تدور بين المجرمين والضباط. وهو ما يجعل المفوض المساعد يفقد الثقة في كل التحريات التي تجمع حول الفاعل الحقيقي للتفجير.

من جهة أخرى ثمّة مشاعر مُتحوِّلة ومتضاربة تظهرها شخصية السيدة ويني بعدما علمت أن الأشلاء تخصّ تسيـﭬـي، أولها الحزن الشديد على مقتل أخيها وحبيبها كما يصف الراوي علاقتهما معًا، ثم الغضب الشديد من فعلة زوجها، وهو ما تحوّل إلى صمت مريع ثم انتقام في نهاية الرواية بتوجيه السكين لصدره وهروبها بالمال.

رواية النبوءة والاستشراف
قد يبدو لأوَّل وهلة أن القتل كان بدافع الانتقام لمقتل أخيها بهذه الصورة البشعة، خاصة وأن الراوي يصف لحظة إقدام ويني على فعل القتل، بأنها تقمّصت ملامح أخيها، بما في ذلك الشفة المتدلية، وهو ما لم يلاحظه ﭬيرلوك. قد يبدو صحيحًا هذا التصوُّر، لكن لو عدنا إلى الحوارات التي جمعت بين السيدة ﭬيرلوك والسيد نفسه لاكتشفنا أن للسيدة ويني دورًا مهمًا في استخدام ﭬيرلوك لأخيها، فهي التي زيَّنت له استخدامه بقولها “هو يريد أن يفعل أي شيء من أجلك” وقد جاءته الفرصة مواتيه بعد الضغوطات التي مارسها رجال الجمعية السرية الغلاظ حسب وصفه، ووصفهم له بالإهمال وعدم النفع. فكان لا بد من القيام بعمل يُعيد إليهم الثقة في ذاته.

العامل الثاني في الانتقام هو الرغبة في التحرُّر والانعتاق منه. فكان ﭬيرلوك بالنسبة إليها بمثابة السجن. فزواجها منه جاء بعدما رفض والد حبيبها القديم/الجزار ارتباط ابنه بها. فكانت زوجة محترمة لكنها لا تحب زوجها، وقد دام الزواج سبع سنوات. وبعد حادثة أخيها ومعرفة دوره في الجريمة أخذت تفكر لو هربت ماذا سيحدث، قالت في نفسها لا بد أنه سيطاردها، أو يقف أمام الباب ليحول بينها وبين الخروج، خاصة عندما رأى في عينيها توقًا للخروج من البيت بعد اكتشاف الحقيقة. وهو ما يظهر بصورة واضحة بعد انتهاء عملية القتل لم تنظر له كنوع من التشفي، وإنما شعرت بأنها “امرأة حُرّة حُريَّة كاملة“.

يناقش المؤلف دور الجماعات المتطرفة التي تشكل خطرًا داهما. وهذه فكرة سباقة تدين إيواء الجماعات الخارجة وتأثيراتها في الإضرار بالدول. ولكن تعقب السرد والحكاية لا يستمر طويلاً، ففي الفصل الثامن يحدث توقف للحدث الأصلي، فيعود الراوي عبر الاسترجاع إلى بدايات تعارف البطل ﭬيرلوك بعائلة زوجته ويني، وأمها المسكينة العاجزة. الغريب أن الراوي لا يتوقف عند حال العائلة مع قدوم ﭬيرلوك زوج الابنة، ووضعية الأسرة وفقًا للنظام الجديد، وإنما يسهب، مبرزًا العلاقة الصامتة التي تشمل الجميع، علاقة تحوي من الرضوخ للأمر الواقع أكثر من الاحترام.

الرواية لم تكن واحدة من أولى الروايات التي حذرت من أخطار الإرهاب، وإيواء الجماعات الإرهابية، بل كشفت -أيضًا- عن الصراعات بين الدول واستخدام الضعفاء والمحتاجين للترويج لأعمال العنف. لكن أهم تأكيد أكدت عليه، أن الضعفاء -دائمًا- هم مَن يذهبون ضحايا السياسة وألاعيبها القذرة.

تعليقات فيسبوك
Previous post

فايز سارة: الثورة وضدها

Next post

مكافأة على التشبيح.. (أبو جودت) نائباً لرئيس اتحاد الفنانين العرب