Home»ثقافة وفن»ثقافة»محمود درويش ضد الهرمينوطيقية العدمية

محمود درويش ضد الهرمينوطيقية العدمية

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – ضفة ثالثة

تعرضت الأعمال الفنية الأخيرة للشاعر محمود درويش إلى نقد قاسٍ. يرى النقاد أن أعماله مرت بانعطافة تجسدت في أعماله المتأخرة، ربما لم تلمسها الأجيال العاشقة لدرويش، وأن تغيرًا قد طرأ على شعره: “قلبه رأسًا على عقب، يجعل القارئ لمسيرته الشعرية، مرتبكًا بين شطريها الأول والثاني”، فقد بدأ الشاعر حياته “بنبرة المقاومة بصورة واضحة ومباشرة في أعماله، ثم تحول شيئًا فشيئًا إلى العبثية، لينتهي إلى العدمية”. فـ”تحول من النقيض إلى النقيض، من القصيدة الثورية إلى العدمية، من الإيجابية والأمل في تغيير الواقع إلى ما وصفه النقاد بـ”الشعر العدمي” الذي يحمل في طياته كفرًا بالتاريخ وفقدان الثقة بأن الإنسان قادر على التغيير”. ما جعل بعضهم يتهمه بـ”التخلي عن القضية بالخروج عن نمط القصيدة الثورية”. وذهب النقاد إلى وصفه بـ”العدمي الكبير الذي أفاق على زيف الحكايات التأسيسية (…) فإذا كان للثوري مرجعية تستند إلى التاريخ، فإن العدمي لا يعثر في محيط العماء الحاضر على طوق النجاة ولا على معالم تنقذه من الدوار والشعور بالغثيان”.

يفيق درويش في المرحلة الأخيرة من أعماله على وقع انكسارات الحركة الوطنية الفلسطينية ومآل خواتيمها المفجعة التي تستدعي مراجعات لسردية التحرر. ليس ذلك فحسب، بل يفيق أيضًا على وقع الأزمة التي تبدو في العمق للمسار التاريخي العالمي، السياسي والفكري والثقافي، حيث قلّصت العالم إلى مجرد موضوع للاستكشاف التقني والرياضي وحساب الاحتمالات، واستبعدت من أفقها العالم المحسوس للحياة. وبقدر ما كانت تتقدم العلوم في معرفة العالم، بقدر ما كانت تكف عن رؤية مجموع العالم وذاته في آن واحد، غارقة بذلك فيما كان يسميه هايدغر من خلال صيغة جميلة: “نسيان الكائن ونسيان والوجود”. في هذا السياق المحلي والعالمي، السياسي والمعرفي والثقافي، أظهرت الأعمال الأخيرة للشاعر درويش تسلل اليأس والحزن إلى صوته منذ ديوان “أثر الفراشة” واستكملت في قصيدة الأخيرة “لاعب النرد”. من هنا ظهرت تأويلات (هرمينوطيقية) تناولت أعماله التي صدرت قبل رحيله مباشرة كمحاولة في الاقتراب من منحى العدمية الذي وسم أعمال الراحل الأخيرة وكساها برداء المرارة الوجودية في “اكتشاف الموت الفردي” و”موت التاريخ” في تجربته المؤلمة.

ويستدل نقاد قصيدة “لاعب النرد” كونها تؤكد المنحى العدمي عندما صور درويش نفسه حجر النرد الذي لا يملك خيارًا سوى أن يُقذف وينتظر الحظ في الرقم الذي ينتهي إليه.

على أي حال، إن هذه التأويلات النقدية تعوزها الدقة في الحكم، وتكتنفها المغالطة المبنية على قراءة مجزوءة حيث تكتفي ببعض الشذرات هنا وهناك لتصدر حكمًا عامًا على بنية النص ومقاصده الكلية. بَيْدَ أنه يمكن القول إن اتهامات النقاد له بعدمية الوجود وعبثية المعنى والتيه الذي يعتور المعنى كانت مُبررة ومنطقية بعض الشيء، فمما لا شك فيه أن شعر الراحل، وبخاصة قصيدته الأخيرة “لاعب النرد” التي وُضعت تحت طائلة النقد واللوم، تضمنت مواقف عدمية عاكسة أزمة المعنى وأزمة الهوية:

“مَنْ أنا لأقول لكم”…

“لستُ سوى رمية النرد”…

“لا دور لي في حياتي”…

” كان يمكن أن لا أكون”…

“لا دَوْرَ لي في القصيدة”

بَيْدَ أن هذه المواقف ليست نهائية تتقصد أفق العدمية واللامعنى وإعادة إنتاج اللاجدوى، بل جاءت بوصفها هاجسًا تؤرقه، وسببًا لضيقه لأجل اكتشاف مكامن الخلل وتشريح الواقع المؤلم ومرارة التاريخ وما آلت إليه الأحوال، وذلك لاستثارة الإنسان بحدود إمكاناته الراهنة، ودافعًا لاكتشاف إمكانات أخرى بديلة، لا من أجل قبول الراهنية البائسة ونسيان الوجود، بل ليمنح أملًا للإنسان بالقدرة على تغيير الوضع، ولتحفيزه على كشف الوجود، أي ما يقابل بؤس الحاضر أفعال وجود ممكنة تتغلب على أحوال البؤس. كأن الشاعر يقول: ثمة واقعًا وجوديًا ثابتًا لا محيد عنه لاستقامة التفكير في الشرط الإنساني الفلسطيني، فهو يقول:

“من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً من الموت حبّاً”…

“لا يستطيع الهواءُ الفكاكَ من الوردةِ”…

“لا أستطيع الفكاك من الأبجدية”…

“لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرَّةً ثانيةْ”…

“لولا السراب لما كنت حيّاً”…

“أن الأملْ توأمُ اليأس”…

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”: تردد أبريل، رائحة الخبزِ في الفجر، تعويذة امرأه للرجال، كتابات أسخيليوس…. على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أم البدايات أم النهايات، كانت تسمى فلسطين. صارتْ تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة…

“فلنحتفل بسوناتا القمرْ وتسامُحِ موت رآنا معاً”…

“بل أقول: الحياة، هنا، ممكنةْ”.

يمكن القول إن الواقع الفلسطيني قد حصن الشاعر من مغبة الوقع في النزعة العدمية. والقصد هنا أن الانطلاق من واقع ثابت هو ما يجعل الموقف العدمي مستحيلًا. هذا هو درس الفلسفة القديمة وتحديدًا لدى أفلاطون وأرسطو، فلن تجد لدى أفلاطون، على سبيل المثال، أثرًا من العدمية والنسبية الأخلاقية واليأس من اليقين، كما لن تعثر لدى أرسطو على أي استخدام للعدم حيث كان يرفض استخدامه، واعتبره لا يمكن أن يكون موجودًا. ولأن درويش شاعر حداثي فبالتالي يمكن إسقاط مشكلات الفكر الحديث عليه، من اللاأدرية الحديثة، واليأس من اليقين بخصوص الأخلاقية الكلية والحقائق الفلسفية، وهنا بعص المصداقية النسبية للنقاد بوجود استعدادات عدمية لدى درويش، ويمكن القول كذلك بوجود ما يقابلها من استعدادات وجودية لديه أيضًا. غير أن الوجود الفلسطيني كوجود ثابت، كما جسد ذلك الشاعر، وكفعل وجود انطلقت منه قصائده، حوله تمثلت مواقفه الفلسفية ومن خلاله انطلق فكريًا كما جسدت لنا آياته، جعلت استعداداته الوجودية تتغلب على استعداداته العدمية. وبالتالي فإن تنزيل الشاعر منزلة العدمية كفعل استحكم به وصار صفة لازمة له ليس له مبرر.

في أفعاله الفنية، تمثل درويش الكثير من مفردات الحياة المحسوسة للفلسطيني حمته ضد “نسيان الوجود” ليضع عالم الحياة المحسوسة تحت إنارة مستمرة في فعله التصويري كاشفًا عن أفعال الوجود ضد عدوانية القوة الغاشمة واللاعقلانية المحضة. هكذا يغدو المعنى واضحًا لدى درويش إذ يرتكز على واقعٍ ثابت:

“بين شظايا الشيء واللاشيء نحيا في ضواحي الأبدية”…

“نحنُ مَنْ نحن، ولا نسألُ مَنْ نحن فما زلنا هنا نرتُقُ ثوب الأزلية”…

“ولنا نصفُ حياةٍ ولنا نصف مماتٍ ومشاريعُ خلودٍ”…

“نحن أحياء وباقون… وللحلم بقيّةْ”

“ههنا، في ما تبقى من كلام الله فوق الصخرِ”

“نتلو كلمات الشكر في الليل وفي الفجرِ”

“فقد يسمعنا الغيب ويوحي لفتىً منّا بسطرٍ من نشيد الأبديةْ”.

“أبدية، خلود، وأزلية”، مفردات لم يعد لها موضع في التقاليد الفكرية الحديثة، تتواصل في معجم درويش الشعري مستكملًا إياها في سياق فلسطيني ضاغط تستحيل معه القطيعة: “الله، الليل، الفجر، الموت”. إنه يستكمل ما بدأه الأولون. في الاستكمال تغدو العدمية مستحيلةً. إن الأبدية التي يكررها الشاعر هي فعل وجود تفيد الاستمرار والمُضي. لذا كان الموت لدى درويش، وهو يرثي الشهداء في “طوبى لشيء لم يصل” هو فعل وجود لا يعني النهاية وإنما البداية، الاستمرار وحضور الأبدية، يتوقف بالغياب الجسدي ولكنه مناسبة يدفع عجلة الحياة إلى الأمام. في مواكب الشهداء يسقطون تباعًا واقفين مثل النخيل. إذ يؤمن الشباب الفلسطيني في قرارة نفسه أنه مشروع شهيد يسير على الأرض لكي يصنع من “ملحمة الموت ملحمة الحياة”. الموت بوصفه بداية، والبداية كما تخبرنا حنّة آرندت:” كالإله يحمي جميع الأشياء ما دام موجودًا بين الناس”، وهي؛ أي البداية، التي تحصن الجماعة من فقدان المعنى ونسيان الوجود، فلكل جماعة بدايتها، تأسيسها الأنطولوجي تؤطر رؤيتها للعالم. فلن يصادف الفلسطيني بموته شهيدًا نهايته بل نفسه وتركيباته وحقيقته، ولأن فعل الشهيد يتكرر فإن موته يضفى معنى على الأحياء الذين هم شهداء المستقبل ما يصب في النهاية في المكان الزمني الأبدي. هذا هو معنى مرثى درويش الشهداء:

هذا هو العرس الفلسطيني

في ساحة لا تنتهي

في ليلة لا تنتهي

لا يصل الحبيب إلى الحبيب

إلا شهيدًا أو شريدًا”…

ثلاثة أشياء لا تنتهي

أنت، والحب، والموت.

الموت لدى درويش مثل الحب ولادة ثانية، وهو ما يلتقطه بعين ثاقبة إذ تكشف مراثي درويش للشهداء عن جماليات جديدة في التعامل مع فعل الموت كتوليد أسباب الحياة من رحمه يجعل المراثي تتحول إلى قوة دفع تدعو إلى الحياة ممثلة في فعل السير بعد دفن الشهداء من أجل إكمال الطريق بالوصول إلى الأفق ووصل البداية بالأبدية. فيغدو الموت فلسطينيًا فعل وجود ما يغير التحليل عندما يأخذ دالة الموت بعين الاعتبار المعرفة حول فلسطين. لتضفي فلسطين على الموت خصوصية معينة تفرض تمايزًا عن التأطير المنهجي المهيمن(حول موت الفلسطيني، يمكن الرجوع إلى: إسماعيل ناشف، صور موت الفلسطيني). يموت الفلسطيني ليحيا، ويحيا بموته بوصفه فقدانًا مولدًا وحضورًا في الأبدية إذ يعيد إنتاج الجماعة الفلسطينية:

“لأن أصابع الشهداء تحملنا إلى صفد”…

“إن جثة حارس صمام هاوية التردي”…

مرحلة بأكملها أفاقت – ذات موت –

يكشف درويش كيف يغير موت الفلسطيني المقولات الوجودية فجأة من معناها ضمن شروط المفارقات النهائية: الموت بوصفه استعادة الكائن، فتضيء آياته كينونة الفلسطيني ضد الصيغ الجاهزة التي يمكن أن يقبلها أكبر عدد في اكتشاف ما لم يكتشف. كما أن إضاءة حدود إمكانات الإنسان يعتبر أصلًا اكتشافًا كبيرًا واستثمارًا إدراكيًا هائلًا بما هي سبر ما هي حياة الفلسطيني في الفخ والانتكاسات الحاضرة الذي صار عليه وفي حضوره الأبدي. فهو يهيئ لنا فضاء العالم كإمكانية للخلاص. إنه تأمل شاعري في الوجود لا يرجع الإنسان إلى العالم رجوع الذات إلى الموضوع، إن الفلسطيني وحاضرة مرتبطان، فحاضره وماضيه وعالمه يؤلف جزءًا منه، إنه بعده. هكذا تفحص درويش في “طوبى لشيء لم يصل” وهو يرثي الشهداء، البعد التاريخي للوجود الإنساني، حيث تمثل وضعًا تاريخيًا، أو وصف مجتمعه في لحظة معينة، أو تاريخيًا مرويًا بوصفه شعرًا لوضع وجودي كاشف: كائن قادر في أي ظرف على أن يحيا بموته. فيتفحص لا الواقع فحسب بل الوجود في شرط تاريخي معين، والوجود هنا ليس ما جرى فحسب بل هو حقل الإمكانات الفلسطينية حين تتكئ على موقع وجودي ممتد راسخ تجعلنا نرى بذلك ما نحن عليه وما نحن قادرون عليه في شرطنا التاريخي المميز كموقف ممكن للفلسطيني وللإنسانية. وهذا ما يضفي فعل المعنى على موت الفلسطيني، لا كما تصوره العادة السائدة باعتبار أن الموت نهاية المعنى، وبالتالي القدرة على الصمود.

وعليه، يمكن القول، ربما لولا أن محمود درويش لم يعش الظرف الاستعماري لآل شعره إلى العدمية. بيد أن هذا الظرف الاستعماري منحه واقعًا ثابتًا حصنه من الانزلاق إلى الموقف العدمي كموقف يرى أن العالم كله بما في ذلك وجود الإنسان عديم القيمة خالٍ من أي مضمون أو معنى حقيقي. فليست العدمية في السياق الفلسطيني تعني سوى الانهزامية وقبول الاستسلام أمام آلة القتل الصهيونية، وهذا ما لا يحتمله الوجود الفلسطيني بوصفه ثابتًا يحصنه من تسرب اليأس إلى النفس، فليس ثمة خيار إما الوجود أو اللاوجود. لقد مثل درويش موقفًا وجوديًا لا عدميًا:

“فلتنتصر لغتي”..

“لا بد من نصرٍ إذا لينتصر الرسول”…

“ما دلني أحد علي… أنا الدليل إلي، من لغتي ولدت”…

“من أنا، هذا سؤال الآخرين ولا جواب له، أنا لغتي… ما قالت الكلمات”

“فيحملني كلامي طائرًا متفرعًا مني ويبني عش رحلتي أمامي في حطام العالم السحري من حولي، على ريح وقفت”.

يلاحظ انتصارَ الاستعداد الوجودي على الاستعداد العدمي، رغم ما تعكسه من قلق درويش الميتافيزيقي من الواقع:

“شمألتُ، شرَّقتُ، غَرَّبتُ أما الجنوب فكان قصياً عصيّاً عليَّ لأن الجنوب بلادي”.

ليظل درويش في موقفه راغبًا في اتخاذ موقف، كأن العالم حوله لا وجود له أو منقوص في وجوده لأن بلاده ما تزال عصيه عليه ليبقى موقفه يجسد شاعرًا ملتزمًا يُحيل إلى لزوم همّ الجماعة كشرط ينتج منه وفيه شعره كاشفًا عن الحقيقة.

تعليقات فيسبوك
Previous post

ماجد كيالي: الولايات المتحدة والصراع على القدس

Next post

لماذا تتجنب الدول دخول حرب مع إسرائيل؟.. 5 أسلحة هي السبب