Home»أسرة ومجتمع»هند مرشد: مواسم القهر4.. الخيبات

هند مرشد: مواسم القهر4.. الخيبات

0
Shares
Pinterest Google+

هند مرشد – الفيحاء نت
ربما أصبحت الخيبة هي المقياس الأساسي لصلابة الناس.. فكلما استطعنا تحمل المزيد من الخيبات كلما ازدادت قوتنا وقدرتنا على مواجهة الأصعب..

ولكن أن تصيب الخيبة كل مناحي الحياة فتلك معضلة لا يمكن لإنسان تحملها وخاصة حين تطال أحلامه التي أفنى عمره لتحقيق البعض منها، لأن احتراق الحلم في حياتنا لا يشبه أي احتراق حيث يصبح كل تفصيل فيه رماداً.. وحيث تبتلع النار كل ما عشناه في الماضي وكل ما نحلم عيشه في المستقبل , وتطغى رائحة الحريق على رائحة الطفولة التي تُعشِق في الذاكرة لآخر نفس نتنفسه..

نهرب من واقعنا المأساوي ومن إحساسنا بالفشل ومن إصابتنا بالخيبات المتكررة إلى الحلم… نهرب إليه حين لا نجد جداراً نذرف دموعنا على أطلاله، حين لا نجد وطناً يحتضننا ويحمينا , حين لا نجد نافذة واسعة نرى من خلالها ماضينا المشرق ولا باباً نفتحه على مستقبلنا المجهول، نعيش الحلم حين لا نجد ملاذاً آمناً لأرواحنا الشقية ولا سقفاً نحمي به رؤوسنا حين تمطرنا الخيبات بجمراتها، وقد تنوء ظهورنا عن حمل الأحلام المثقلة باليأس فنفرغها على قارعة الرحيل وفي الطرقات المغلقة، لنجد أنفسنا ودون أن ندري قد وقعنا فريسة الوهم والفراغ..

حين يحترق الحلم.. ينسل ظلنا من مساحات الخيبة الشاسعة ونتحول من بشر حالمين لمجرد ذرات من رماد، تتحول لبقايا حكاية تعيش للحظات قليلة لكنها كافية لإضرام حريق جديد.. ولانتاج المزيد من الرماد.. لهذا نجد أنفسنا نتلمس هروباً آمناً ما بين حريق وآخر، ما بين خيبة وأخرى نلتمس النجاة من الغرق في هذيان الموت وفداحة الفقد.. نبحث عن وجه حياتنا المسلوبة وأحلامنا المعطوبة، فنبدو كمن يبحث عن إبرة في أكوام من القش وكمن غرق في مستنقع الضياع !!

نحن بالفعل الغارقون في صمت العجز وتزلف الأمل، يجلدنا الخوف من فقد آخر ما نؤمن به ونرجوه من هذه الحياة، وتتقاذفنا الخيبة بين المستحيل والممكن من أحلامنا ولكي لا ترى عيوننا قسوة الواقع ومرارة العيش، ولكي لا ترصد حركتنا المتسارعة نحو الفشل، وخوفاً من أن تنشأ علاقة مابين عيوننا وعيون من يشبهوننا من الجوعى والفقراء والحزانى والمكلومين تصل لحد شبهة التعاطف.. تجدنا نخفيها وراء نظارات غامقة تحجب سلاسة تبادلنا للنظرات وتصعب علينا الرؤية، نضع نظارات شبه مهترئة كقلوبنا بحوامل هشة وأشكال نمطية كأيامنا، بألوان داكنة كماضينا، وعدسات مخدوشة كمستقبلنا، فيزداد إحساسنا بضعف إرادتنا وضابية قراراتنا وغباشة تصرفاتنا، نلبسها دائما حتى في الأوقات الغائمة كي لا نرى أكوام خساراتنا المتراكمة وخيباتنا الكثيفة، كي لا نرى امتداد حقول الحزن المقيم حولنا، كي لا نرى أطفالنا وهم يحرسون بؤسهم حفاة وعراة وموجوعين غير آبهين بالبرد والجوع والمرض، حيث لم يعد الذعر يعرف طريقه إليهم حين باتت حجارة الرصيف أحن عليهم من البشر، وحين باتت الحدائق العامة والطرقات المكشوفة تمنحهم عنواناً للإقامة بعد أن التهمت الحرب بيوتهم وأحلامهم ومستقبلهم، وسرقت من طفولتهم براءتها ومن ضحكاتهم فرحها وأعادت توزيعها بعبثية فاجرة وانتقائية قاهرة..

ولأن المدن هي أرواح سكانها، تنزف مدننا أرواح أهلها الذين تشردوا وتهجروا ونزحوا من بيوتهم وأحيائهم وقراهم المنسية والمهمشة وكأنها خارج التقويم، وحين تقتل المدينة آمالهم وتضيق بأحلامهم لا يجدون سوى الطرقات والأرصفة ملاذاً لفقرهم وعوزهم ,فهي وحدها تعرف سر جفاف عرقهم على جلودهم المتشققة من الأعمال الشاقة التي لا تليق بإنسانيتهم , وهي وحدها تفهم أسباب تصلب أجسادهم وتقوس ظهورهم من النوم في البرد والعراء، وهي وحدها تسمع آخر الليل نشيج بكائهم وصمت شكواهم وصراخ أحزانهم حتى رنين ضحكاتهم الخجلى التي يطلقونها بين الحين والآخر للتحايل على شعورهم بالوحدة والخوف و الإهمال، تحايل لا تنجو منه موجات الحنين وصرخات إعلان الخيبة.. ففي الشوارع الضيقة وعلى الأرصفة المزدحمة تولد كل يوم خيبة ويموت كل يوم حلم.. دون أن يلتفت أحد لمشقة الرحلة مابين الولادة والموت.. تنام المدينة على وجع أهلها من الفقراء وتستقيظ على صيحات أطفال الخيبة وهم يجوبون شوارعها يعرضون على بسطاتهم وفي الصناديق المعلقة كما النير في أعناقهم ما تبقى من فتات أحلامهم وفضلات آمالهم , يختزنون بذاكرتهم المنخورة بالموت مشاهد متناقضة لزمن بشع وحياة قذرة .. يسيرون نحو غدهم المجهول بخطوات قلقة على أرض رخوة وهشة ويسدون رمقهم بأمنيات باهتة وأحلام رخيصة تترك في أرواحهم وعلى ملامحهم وشماً وندبات تشهد على صبرهم وقوة تحملهم , تشهد على عظمتهم حتى وهم يلفظون آخر نفس في حلمهم .

وتبقى حكايات الخيبة التي لم نسمعها بعد والتي تروي تفاصيل خسارة الفقراء لأحلامهم الزائفة ولكل الأشياء الجميلة في حياتهم أكثروجعاً من قصص الموت والتشرد والغربة والبؤس التي عاشوها والتي يعيشونها .

تعليقات فيسبوك
Previous post

مقتل عامل تركي بنيران مصدرها الأراضي السورية

Next post

وفاة صحفي كردي متأثراً بجراح تفجير استهدف نازحين جنوب الحسكة