Home»أسرة ومجتمع»“العتال” عامل يتصبّب جبينه عرقاً في الشتاء والصيف

“العتال” عامل يتصبّب جبينه عرقاً في الشتاء والصيف

0
Shares
Pinterest Google+

محمد أبو الجود – الفيحاء نت
مرهقاً يمشي وقد تقوس ظهره بفعل السنوات التي قضاها في نقل الحنطة (القمح)، وعروقه قد برزتا، بعضلاته المنفوخة من شدّة الضغط عليهما، يبدو على وجهه علامات التعب، بعد يوم شاق، من حمل أكياس الحنطة والشعير، من مستودع الحبوب، إلى سيارات الزبائن.

بات أمرا معتاداً رؤية “يوسف” في العيادات وأمام الصيدليات باحثا عن “مشدات” من أجل ظهره الذي فتكت بفقراته حبات الشعير الناعمة.

لا يخجل يوسف وزملاؤه ممن يعملون في “العتالة” من مهنتهم هذه، ويقول: “لا أخجل أبدا من هذه المهنة الشريفة، رغم تعبها وقساوة ظروفها، فهي تكفينا سؤال الناس، وتؤمن لنا لقمة العيش من عرق جبيننا، قبل أن أعمل في هذه المهنة حاولت الحصول على الكثير من الوظائف، ودائما ما كان يتم رفضي، لأنني لا أملك شهادة جامعية، وبعد أن ضاقت بي السبل لجأت إلى هذا العمل، الذي أكسب فيه مايقارب الألفي ليرة سورية يوميا، أعتاش منهل أنا وعائلتي”.

أما “محمد” الملقب بالأسمر، وهو جندي منشقّ عن قوات النظام، بدأ العمل في “العتالة” بعد سنة من انشقاقه، بعد أن عجز عن إيجاد عمل آخر، وعدم إتقانه لأي حرفة بديلة، وعلى الرغم من الآلام التي يعانيها في ظهره، إلا أنه عمل بالعتالة ويقول: “لا يمكنني أن أبقى جالساً في منزلي، أحتسي الشاي و أشرب الدخان، أندب حظي، وأولادي بحاجة إلى أموال وطعام، لايمكنني أن أرى ولدي يبكي وهو بحاجة إلى طبيب، وأنا لا أملك الكشفية وثمن الدواء، لذلك قررت العمل في “العتالة” رغم مرضي، وقساوة العمل بها، عانيت في بداية العمل كثيرا منها” يبتسم ويدمدم بصوت خافت: “الأموال التي أجنيها من عملي أنفقها ثمن أدوية وكشفية أطباء، أما الآن وقد أمضيت مايزيد عن ال ٣ سنوات في هذا العمل، تعودت عليه وتعود ظهري على متاعبه”.

مجهود كبير ودخل محدود
تعتبر هذه المهنة من أقسى المهن، وأخطرها على جسد العامل وصحته، ورغم المجهود الكبير الذي يبذله، تكون عادة أجورهم ضعيفة، مقارنة بباقي المهن كالطبيب والمهندس، وتبلغ أجرة تحميل أو تنزيل الطن الواحد في مدينة كفرنبل وماحولها مابين ٥٠٠-٧٠٠ليرة سورية، تقسم على عدد العاملين، المشاركين بالتحميل أو التنزيل.

منافسة خطيرة هدفها التسلية
رغم قساوة هذه المهنة إلا أن عمالها ببساطتهم، حولوها لحلبة من المنافسة والتحدي، ويتسابقون أي منهم يستطيع حمل أكثر وزن من الآخر، والخاسر يطعم البقية أقراص الشعيبيات الساخنة، يبدأ “فراس” المنافسة، يحمل١٢٥ كيلو غرام من الحنطة على ظهره، من المستودع و يضعها في صندوق السيارة، يتبعه “أحمد” بحمل ١٤٠ كيلو غرام، ليأتي “خالد” الملقب بالقديم، ونظرات النصر والقوة ترتسم على وجهه، هو أقدمهم عملا بهذه المهنة، وأكثرهم قوة، يحمل ٢٠٠ كيلو غرام، في مشهد يحبس الأنفاس، الجميع ينظر إليه، عرقه يتصبب، وجهه يزداد احمرار، وأخيرا يصل صندوق السيارة، يضع أكياسه، من ثم يمشي متفاخرا، أمام تصفيق البقية له، وسط ذهول من المارة والحاضرين.

المرح عنوان استراحاتهم
في أوقات الاستراحة، يتجمع الحمالين أمام مدفئة الحطب، الموجودة في مكتب تاجر الحبوب، في مدينة كفرنبل، والغبار على ثيابهم، المبللة بالمطر، ويبدأون بلف سجائر التبغ العربي، ويحتسون الشاي الساخنة، علها تدفئ عظامهم المنهكة بالأساس.
لا تغيب البسمة عن وجوههم، يتبادلوان الضحكات، وترتفع أحاديثهم بالمزاح والهرج، يتحدثون عن صعوبة تأمين الأجرة رغم بساطتها من الزبائن بضحكة ساخرة.

الإيمان بتساوي رزقهم
تختلف هذه المهنة عن غيرها من المهن، فلا يمكن لعامل واحد العمل بمفرده بها، و يدرك كل عامل أنه بحاجة لمساعدة وإشراك الآخرين بالعمل، وعدم الاستفراد بحسب ماقاله “جمعة” أحد العاملين بهذه المهنة، وينظر “جمعة” إلى شركائه في هذه المهنة على أنهم إخوته واصدقائه، يتعاونون جميعا لإنجاز العمل، واقتسام المردود، ويتابع “جمعة”: “في حال قدوم طلبية وغياب أحدنا، نبحث عنه، نناديه، حتى نجده ليعمل معنا نتساعد، نتعاون، نبذل مجهود متساوي، ونقتسم الأجرة بالتساوي”.

لا يختلف أحد على نبل وبساطة العاملين بها، رغم نظرة البعض إليهم نظرة فوقية، إلا أن الغالبية من الناس تحترم عمال هذه المهنة.
ولا ينظم عملها أي قانون أو حتى عقد عمل بين العامل والتاجر، وهي من أخطر المهن، والعامل بها دائما مايكون عرضة للإصابات الخطيرة، وأكثر الإصابات تأتي من السقوط على الأرض والعامل يحمل على ظهره مايزيد عن ١٠٠كيلو غرام، فضلا عن أمراض الظهر والفقرات.
وهي قديمة عمل بها العديد من البسطاء والفقراء، لم يختاروها عن رضا، إنما ظروف الحياة وقسوتها، دفعتهم للعمل بها.

تعليقات فيسبوك
Previous post

(مسح سياسي) لطلاب الإعلام في جامعة دمشق

Next post

الاتجاه المعاكس - هل تنتظر سوريا حرب عصابات جديدة؟