Home»ذاكرة الثورة»مشفى الكندي في حلب قصة الثورة وملحمةٌ بطلها أطباء

مشفى الكندي في حلب قصة الثورة وملحمةٌ بطلها أطباء

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – أحمد العقدة

في زمن ما كانت البئر الوحيدة في القرية تروي كل سكانها، يشرب منها كل الناس ليحيوا ويعيشوا، لأن الماء هي الحياة والحياة هي للكل والماء للكل.

صار كل واحد يريد أن يشرب لوحده من بئر الحياة لوحده، وصارت حتى مدن تدعي التمدن والحضارة لا تريد سوى حفر آبار الموت لغيرها لتشرب من آبار الحياة لوحدها، وصار كل واحد.. هرباً من بئر الموت.. يحفر بئراً ليحمي نفسه فيها.

يحفر بئراً لمبدأ احترام الإنسان وحقوقه مهما كانت عقيدته أو جنسه أو نوعه أولغته… ويرميه فيها، وبمن حفر بئر العنف الذي فاض في سوريا ليشرب منه كل الناس، سيجد نفسه أخيراً وقد دب بنفسه وبالدنيا كلها في تلك البئر.

والسؤال هنا من رمى من في البئر؟

ولماذا تتحول مسارات الشباب السوري في لحظة ما؟

من مشفى الكندي تبدأ الحكاية، نعم مشفى جامعي جميل تخرج منه خيرة الأطباء وكان يخدم مجاناً فئة كبيرة من المرضى، والمؤسف والملحمي في هذا الطرح أن يكون الأطباء هم أبطال هذه المعضلة السوداء، والسؤال لماذا يتحول الطبيب إلى مقاتل، أو لماذا (ينشق) عن المشفى والزملاء وطريقة حياة يومية قد تكون أفضل ظاهريا” عن الحياة التي اختارها.

من هنا يطلُ مثالان عرفتهما الثورة السورية وأحداثها “الدكتور أبو ريان، والدكتور أبو النور”.

الدكتور أبوريان.. وهذا هو الاسم الحركي للطبيب الشاب الذي كان يتابع اختصاصه في مشفى الكندي في قسم الأطفال وقد عُرف عنه من زملائه أنه كان شاباً خلوقاً طموحاً ملتزماً.

كانت النقطة الفاصلة في مسيرة حياته، ذلك الاعتصام السلمي أمام مقر نقابة الأطباء في حلب، نفذه الأطباء من جميع الاتجاهات احتجاجاً على اعتقال السلطات الأمنية للأطباء والممرضين والمسعفين للجرحى والمصابين أثناء المظاهرات التي اجتاحت حلب التي بدات المظاهرات تكثر فيها شيئا فشئيا.

كان الطبيب أبو ريان يقف شامخا” في هذا الاعتصام محاط بالمراويل البيضاء، ولم يكتمل حلم الاعتصام، حتى كان الطبيب الشاب بين يدي السلطات الأمنية.

حيث اعتقله الأمن السوري لفترة زمنية، يقال أنه تعرض خلالها للتعذيب وعندما أطلق سراحه، كانت لحظة الحسم في حياته، انشق عن المشفى عن العمل، عن الحلول السلمية واختار أن يكون مع الثوار عسكرياً وطبياً.

حمل السلاح وعمل طبيباً في مدينته مسكنة شرق حلب بالقرب من محافظة الرقة حيث اخذ يدير مستوصف تابع للجيش السوري الحر، قبل أن يصبح بمرور الأيام قياديا في حركة أحرار الشام.

وفي ضوء التغيرات الكثيرة على الساحة السورية وظهور تنظيمات وفصائل، وقوى عسكرية وسياسية ودينية، تم اختطاف الطبيب أبو ريان من قبل داعش، وعندما أعادوه للأسف عاد ميتا” (شهيداً) وقد مثلوا بجثته.

وبالعودة فلاش باك ..لماذا؟ لو توقف الزمن في لحظة الاعتصام واستجابوا لمطالب الأطباء، لو تابع عمله كطبيب، لو بقي في مشفاه الذي أصبح ثكنة.

سؤال طرحته على دكتور في الأمراض العصبية والنفسية، يقول الدكتور (ك، ش)، إن “عملية الاعتقال للطبيب بعد اعتصامه السلمي أمام نقابة الأطباء صنعت شرخاً كبيراً في نفسية الطبيب وكسرت التوازن الإنساني، وجعلته يشعر بالظلم والاضطهاد المضاعف، وعندها اختار الضفة الأخرى تماماً”.

وتابع “من ينظر إلى صورته في الاعتصام يراه غاضباً شامخاً حزيناً في عينيه ألف سؤال وسؤال”.

كم لدينا أبو ريان في سوريا من مختلف المهن، في بلادنا كل شيء عابر، لماذا لانثبت الكاميرا عند اللحظة المناسبة، نوقف زمن أحمق مقامر يربح دائماً، نحن أمة ذاكرتها مثقوبة.

في الحالة الأخرى كان الطبيب أبو النور، الذي يقول أنه انشق عن العمل الطبي في مشفى الكندي والتحق بالعمل المسلح عندما رأى مايجري في مدينته حلب، وأن عمله في المشفى لم يعد مجدياً، حيث بات يشعر بالظلم والاضطهاد، بعد أن اصبح المشفى ثكنة عسكرية للنظام مستقدما شبيحة من مخيم حندرات وأفرع الأمن اليه بطريقة تدريجية، حتى بات العمل فيه مستحيلاً بل عاراً والكثير من الأطباء هاجر أو اختطف أو قتل أو اعتقل”.

اختار الطبيب أبو النور العمل الميداني، وتغنى بحلم ثورة، وحمل السلاح مع احد الفصائل حتى جاءت المعركة الاخيرة (تحرير مشفى الكندي من قوات النظام).

وكان الطبيب أبو النور في مقدمة من اقتحموا المشفى بعد أن قاموا بعمل تمهيدي بتفجير سيارتين مفخختين، عند الحاجز أمام المشفى.

كان أبو النور ملثماً، يلبس ثياب القتال، رمى كل سنوات الدراسة ورمى المريول الأبيض.. ليبدأ رحلة الأسود والأحمر في ردهات المشفى الذي تعلم وعمل به.

لكن فرحة التحرير أو الإنتصار!! كما يسميه أنسته كل مامضى، هو ثائر، الآن ومجاهد..

أصبح الطبيب أبو ريان معتقلا سابقا  وإرهابيا بالنسبة للنظام، بينما صار ثائرا ومجاهدا في الثورة السورية، وهو مرتد عند داعش.

والطبيب أبو النور هو إرهابي وحمل السلاح وقاتل ضد المشفى الذي عمل به، وهو بطل وفدائي في نظر المقاتلين في االثورة.

ومن المفارقات المؤلمة أن يكون هناك مثال ثالث لكن بشكل مختلف، يجمعه مع أبو النور الاسم ومهنة الطب والمشفى الملحمة، إنه الاستاذ الدكتور محمود تسابحجي، الذي اختطف من عمله وبقى لمدة شهر هكذا وعاد شهيداً دون تفاصيل.

الدكتور محمود أبو النور كان مسالماً استاذاً في اختصاص الاذنية وزرع الحلزون وهذا شيء مميز ونادر، رحل أبو النور في تصفية حساب في حلب، حيث لامكان للحياد عند النظام.

قاتل أو مقتول أو تنتظر، هي، هي، البئر، لكن كلٌ يشرب على طريقته ويسقي الأخر أو يرميه فيها.

حلب لم تعد حلب.. كنت أقول دائما “لا أخشى مدينتي، بت أخشى نفسي”.

ومشفى الكندي أصبح أطلالا، هي الحرب، الحرب والسياسة ليس فيها مشاعر لا وقت للتفكير، وفي الطرف الآخر في مكان آخر كانت الدموع تسيل على هؤلاء الشباب.

أبوريان كان قد لف بعلم الثورة بنجومه الحمر الثلاثة وهو شهيد.

أبوالنور الدكتور محمود لف بعلم سوريا ذو النجمتين الخضراويين وهو شهيد.

الطبيب أبو النور المقاتل الثائر والمجاهد المقاتل ضد النظام من أجل سوريا.

والطبيب أبو الأيهم يتابع عمله الطبي ويواصل تأييده للنظام وهو مناضل سياسي ضد المجموعات الإرهابية المسلحة! من أجل سوريا

إنه مشفى الكندي إنها حلب.. وليمة الدم والدمع ويباس خبز المحبة.

انها حلب حيت تموت الأمنيات الصغيرة، ورائحة القدود مع صوت الزعتر، المختلط بطعم البارود ولحن البراميل المتفجرة.

إنها حلب، إنها سوريا، الشدّود وأبو فرات وعبد القادر الصالح…..أنا سوري سوري… أخوك وأنت أخي، رُفع الستار ومازلت أنتظر.

المادة نشرت في العدد السادس من مجلة رؤية سورية

تعليقات فيسبوك
Previous post

الجامعة العربية: منطق القوة لا يكفي لتسوية الأزمة السورية

Next post

(القصابون) يعترضون على قرارات النظام بتخفيض سعر اللحم