Home»ثقافة وفن»رحلتان وهدف واحد

رحلتان وهدف واحد

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – محمد صارم – مجلة رؤية سورية

كان يمكن “لكامالا الجميلة” أن تسخر من هذا البرهمي البائس” سدهارتا” وهو يجيبها عما يتقنه في الحياة قائلا: “أفكر أصوم أنتظر”، وربما كان بإمكانها أن تمنحه وجبة عابرة، على مجرى العادة كما ألفها نساك البراهما، لكنها لم تفعل.

في التقاء عالم الحسيات وعالم نكران الجسد، تصاعد الشغف في كليهما، شغف مكبوت يرتجي ارتواء ظمأ غاف بين نقيضين، أو متكاملين، ففي اللحظة التي انحنى فيها قاطفا زهرة اللوتس بكل ما تحمله من رموز ودلالات في الثقافات الشرقية، مفضلا تقديمها لكامالا على تقديمها للآلهة، في تلك اللحظة التقى عالم الزهد مع عالم الغواية والمتعة، وأحب كل منهما أن يرى غريمه، أو صورته الأخرى من خلال الآخر.

تنقسم رحلة سد هارتا في الرواية التي تمثل درة التاج في كتابات “هرمان هسة” إلى محطاتها الثلاث: رحلة البحث عن الحقيقة الخالدة من خلال التحرر من أعباء الدنيا ومباهجها في قمع كامل للشهوات، ثم الانغماس فيها، لاحقا، إلى منتهاها، وفي المحطة الثالثة يبدو خارج الحالتين مشبعا بالحكمة المستقاة من تجربته الذاتية، تلك الحكمة التي لا يمكن تصديرها ولا تلقينها ، إنها نتاج رحلته الخاصة، والتي أفضت به أن يكون مراكبيّا ينقل الناس من ضفة النهر إلى الضفة الأخرى.

ولكن، بوضوح أعلى، وصراع أعمق يتزامن التوتر بين الجسد والروح في شخصية المسيح على مدار رواية “الإغواء الأخير للمسيح” لكاتبها “نيكوس كازانتزاكي” دون ان يحسم الصراع، حتى في اشد لحظات يقينه، وان بدا، لوهلة ما، وكأنه غائب أو شبه محسوم.

وعلى غرار سدهارتا يمشي المسيح في محطاته الثلاث، حاملا ندوب روحه وجسده بسبب تداخل المحطات وامّحاء تخومها الفاصلة ، كما لو أنها تمتد بلا قطيعة، ضمن زمنها المنكسر، خلافا لحالها في سدهارتا، الذي يتساير الزمن معه بشكل خيطي في كل مرحلة من مراحل رحلته.

فمن الحيرة يبتدئ المسيح في الرواية مثقلا بهواجسه، في طريق يبدو أنه يتحمل عبء الذهاب فيه ، بمزيج من الرغبة والقدرية، وهو ،إذ ذاك، يفقد شرط اختياره الكامل.

ومنه ،عابرا، إلى المرحلة الدعوية، ليغدو أسير كلماته وأفعاله، ثم إلى الصليب الذي تحمله خشبتاه في النهاية، كأنهما جناحا حمامة بيضاء، نحو عالم متكامل من الطمأنينة والسكينة، عالم كان يفتقده على الدوام كما لو انه ملكوت أبيه الموعود، و الذي طالما بشّر فيه.

جسد سدهارتا تفتح في حدائق كامالا، لكن جسد المسيح لم يتفتح إلا برهة الصلب، على شكل حلم يتداعى، حافرا في أعماق روحه، ونابشا، من دهاليز رغباتها، ما يمكن أن يكون الحياة.

تزوج في الحلم من الأختين مرتا ومريم، وعاش هانئا مطمئنا واضعا سيرته الأولى خلفه، فامتلأ جسده، وترهلت ،مع السنين، هيئته، وبدأت ملامحه تأخذ شيئا فشيئا قسمات اليعازر وشكله، ونسي في غمرة الحياة وتفاصيلها اليومية تلك الدعوة التي قادته إلى الصليب.

غير أن انكسار الزمن في الرواية يوقظه ليتذكر انه ما زال مشدودا إلى صليبه ، وان الحلم كان محض امتحان من أبيه السماوي، ليرى مدى عزيمته وإصراره فيعود ليطرد الغواية التي هبت على أنفاسه الأخيرة من مملكة الشيطان في لحظة ضعف إنسانية.

في كلا الروايتين رحلة يتوخى صاحبها الوصول إلى مطلقه، لكن رحلة سد هارتا تأخذ طابع النجاة الذاتي عبر احتواء العالم بأشكاله المتنوعة دون إطلاق القيمة على درب الوصول، فيما يأخذ الدرب عند المسيح طابع القيمة الأول بمعزل عن الغاية النهائية.

ولعل الملمح الأبرز في اختلاف الروايتين شكلا، واتفاقهما مضمونا يكمن في مآلات الشخصية الفاعلة بعد رحلتها للبحث عن الذات والعالم، وهو ما عبر عنه نيكوس كزانتزاكي في مقدمة الرواية ذاتها، يقول الكاتب في مقدمة روايته فيما يشبه صوت مسيحه الخاص: ” لقد أحببت جسدي ولم أرد له أن يفنى، وأحببت روحي ولم أرد لها أن تبلى، جاهدت لأصالح بين هاتين القوتين ألشديدتي التناقض، لأجعلهما تدركان أنهما ليستا عدوتين، وإنما رفيقتا عمل، أملا أن تبتهجا في انسجامهما، و أملا أن ابتهج معهما”.

وكأنها دعوة للطيني والسماوي أن ينسجما معا، لتشكيل رحله الكائن الخليط منهما، في مجرى الحياة.

Previous post

الأموي بلا أمويين.. النظام يفرغ محيط الجامع من أهله ويستبدلهم بمرتزِقة

Next post

مدير الدفاع المدني السوري من بين الشخصيات المئة الأكثر تأثيراً في العالم