Home»ثقافة وفن»نجم الدين سمّان: مناديلهُنّ البِيض

نجم الدين سمّان: مناديلهُنّ البِيض

64
Shares
Pinterest Google+

نجم الدين سمّان – الفيحاء نت 

بقيتُ أسمع عن مواهب كيالي “1918 – 1977″؛ الشقيقِ الأكبر لحسيب كيالي -أولِ رئيس لرابطة الكتاب السوريين عام 1951- ولم أكن قد قرأتُ له شيئاً.
وكان قد رحل إلى موسكو بعد أن لاحقه عَسَسُ الانقلابات العسكرية المُتوالية؛ فتزوّج هناك من سيدة روسية؛ ومات في غربته عام 1977؛ فلم نتمكّن من التواصل مع عائلته؛ لِجَلبِ أرشيفِ كتاباته الى بلده؛ ولإعادة طباعتها في دار النشر التي غامرتُ فيها بالإرث الذي تركه لي والدي.
بعد موتِ هذا الحلم من سلسلةِ أحلامٍ.. ماتت؛ وإغلاقي لدار النشر قبل أن أتحوّلَ من ناشِرِ كتبٍ الى ناشِلٍ لحقوق مؤلفيها؛ وبينما كنتُ أقلّب في قبو مكتبةٍ قبالةَ الفندق السياحي في حلب؛ التمع عنوانُ كتابٍ صغيرٍ.. أمام عينيّ وقد اصفرَّت أوراقه السُمر: المناديل البِيض؛ قصص: مواهب كيالي؛ صادرٍ عن رابطة الكتاب السوريين عام 1953؛ فبدأتُ أقرأ فيه؛ وأنا في المكتبة أدفعُ ثمنه؛ لم يتركني وأنا أعبر الى كافتريا الفندق السياحي؛ وما تركته بينما أشرب قهوتي حتى قرأتُهُ كاملاً؛ فوجدت في مواهب كيالي قاصّاً مُتميزاً في أسلوبه؛ يكادُ في هذه المجموعة يتخطّى براعَةَ أخيه حسيب في الوصف؛ بل.. ويتميّز بتكثيف عبارته؛ على عكس طريقة حسيبٍ في الإسهاب دخولاً إلى حوادثَ فرعيّةٍ جانبية.

في آخرِ مجموعةِ مواهب أيضاً.. ثلاثُ قصصٍ ساخرةٍ أيضاً؛ مُكثفةٍ وبارعة؛ لكنّ واسِطَةَ العِقد في المجموعة؛ بيضةَ القبّان فيها.. كما يُقالُ؛ كانت قصة: المناديل البيض؛رَاوِيهَا مُعلِّمٌ يُكلّف بالتدريس في قريةٍ بجبل الزاوية جنوبَ مدينةِ إدلب؛ يذهبُ الأستاذ إليها ليجِدَ زريبةً قد تَمَّ تحويلها إلى مدرسةٍ ابتدائيةٍ بغرفةٍ واحدة.. لكلِّ الصفوف؛ ثُمّ يَجِدُ لهُ أهل القرية غرفةً للسكن؛ وتتعزّز صداقته بهم؛ فيحكي له رجلٌ منها.. كان مُشارِكاً في ثورة هنانو ضدّ الفرنسيين؛ بأنّ الثوار قد اضطروا للانسحاب من القرية ومعهم كلّ من هو بين ال 15 عاماً وال 50 عاماَ؛ كيلا يقصفها الفرنسيون بالمدافع؛ تاركينَ النساء والأطفال والعجائز؛ رأى الفرنسيون انسحابهم إلى قمم الجبل؛ فاجتاحوا القرية؛ فَتّشُوها جيداً ومكثوا فيها حتى صباح اليوم التالي.
يقول ابنُ القرية للأستاذ فلمّا عُدنا صباحاً بعد انسحابهم؛ وجدنا نسائنا يربطنَ مناديلهنَّ البيض حول جبهاتهنَّ؛ بينما كانت مناديل الصبايا البيض مُبَقعَةً بالدم؛ فأدركنا أنه.. دَمُ بكاراتهنّ؛ وأنّ الجنود الفرنسيين قد اغتصبوا ما أمكنهم من نساء القرية وفتياتها.
يصمتُ ابنُ القرية؛ فلا يستطيع الأستاذ أن يسأله.. وماذا بَعدُ؟!.

أُقلِّبُ الكتابَ الصغيرَ الأسمرَ المائِلَ إلى الصُفرَة؛ مُتسائلِاَ بيني وبين نفسي؛ بينما ارتشِفُ ما تبقّى من قهوتي: ماذا سيفعل أبناءُ قريةٍ مَنسِيّةٍ في جبل الزاوية؛ في عام 1920 وأغلَبُ أبنائِها ثائرونَ على المُحتلِّ الفرنسي؟!.
يقولُ الرجلُ للأستاذ: ذهبَ كلُّ رجلٍ إلى زوجته؛ وفكَّ منديلها؛ قبّلها في جبينها؛ ثمّ عَقَدَ منديلها حول جبهته؛ وكنتُ أولَ الذاهبينَ نحو صبيةٍ.. هي ابنةُ خالتي؛ ربطتُ منديلها حول جبهتي؛ وتبِعَنِي شبابُ ضيعتنا ففعلوا مثلي؛ ثمّ انطلقنا نحمِلُ بواريدنا لنجلبَ لهُنّ.. مَهرهُنّ: جثثَ الجنودِ الذين اغتصبوهنّ.
تدخل زوجةُ الرجل خلال حديثه وبين يديها طبقٌ من قشٍ وعليه طعام العشاء للضيف؛ تضعه وتخرج؛ فيقول الرجل للأستاذ: – هذه ابنة خالتي وزوجتي وأم الاولاد.

تنتهي القصة هاهنا.. ولم ينته بحثي عن تلك القرية التي لا يذكر مواهب كيالي اسمها.
هل كانت تلك القرية.. رمزاً لبلدٍ اغتصبه المُحتَلُّ؟.
وهل كانت لدينا ثقافةٌ اجتماعية.. ترتفع عن المَعنى القَبَلِيّ للعِرضِ وللبكارات؛ أم.. أنه الكاتب قد أرادَ الارتقاءَ بالمعنى الرمزيّ للثورة مِن مُجرّدِ كَونِها ثورةً ضد المُحتَلِّ.. إلى ثورةٍ تتجاوز القيمَ السائدة وتتخطّاها إلى مجتمعٍ حرٍ وجديد؟!
فلمّا زُرتُ المجاهدَ عمر الأبرش في معرّة النعمان؛ وكان قد شارك في ثورة هنانو؛ ثمّ في ثورة الكيلاني في العراق عام 1941 ضد الاحتلال البريطاني؛ وفي جيش الإنقاذ مع القاوقجي قبل نكبة 1948؛ ذكرتُ له قصةَ: المناديل البيض؛ ونحن في ظلال شجرة قبالة قبر أبي العلاء المعرّي؛ هزّ رأسَه؛ فلم أعرِف إذا كان يُؤكدها أو ينفيها؛ نهض قائلاً:
تعال.. أُريكَ حجراً منقوشاً بالآرامية في حائط الجامع الكبير.

لو كان عمر الأبرش حياً؛ ثم سَمِعَ.. كَم مِنَ المُغتَصَبَات السوريّات على أيدي أبناء بلدهِنّ مُذ بدأت الثورة السورية العظمى وحتى اليوم؛ هل كان سَيُنزِلُ بارودَتَه عن حائط بيته؛ ليُقاتلَ بها من جديد؛ ولربما نهضَ أبناءُ تلك القرية من قصة مواهب كيالي عاقدين على جباهم السمر مناديلَ نسائنا وصبايانا؛ ماضينَ مع مطلع الفجر ليجلبوا مَهرَهُنَّ من جديد؛ ما بين ثورتين؛ أولاها: ضدّالغزاة؛ وثانيها: ضدّ.. الطغاة والغزاة أجمعين.

المُغتصَبَاتُ السوريات في سجون الأسد وعلى حواجز شبّيحته؛ المسكوت عنهنَّ؛ وكأنهنَّ عارُنا الذي يجِب إخفاؤُهُ!
أنتنَّ.. كالشهداء؛ أشرَفُ.. ما عرَفَتهُ ثورتنا.

Previous post

المغرب: عشرات اللاجئين السوريين عالقون قرب الحدود مع الجزائر

Next post

فاتورة الخسائر ترتفع.. مصرع ضابط روسي في سوريا