Home»ثقافة وفن»ثقافة»هل نقرأ الكتب التي نشتري

هل نقرأ الكتب التي نشتري

4
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – العرب

في حوار من القلب مع الروائي الأميركي فيليب روث عندما عزم، وهو على عتبة الثمانين من عمره، على التوقف عن الكتابة نهائياً عرّف القارئ الحقيقي للروايات بالشاب الذي يقرأ ساعتين أو ثلاث ساعات كل مساء، ويتكرر ذلك ثلاث أو أربع مرات كل أسبوع. وفى نهاية أسبوعين أو ثلاثة يكون قد أنهى قراءة كتاب كامل.

القارئ الحقيقي ليس هو الذي يقرأ المقال الأخير في مجلة منوعات على طاولة طبيب الأسنان أو عمود الصحفي اللامع في الجريدة اليومية مع قهوة الإفطار وليس هو ذاك النوع من الناس الذي يقرأ من حين إلى آخر، بمعدل نصف ساعة ثم ينحّي الكتاب جانباً ليعود إليه بعد خمسة أيام على شاطئ البحر أو ينسى كل شيء عنه ليعثر عليه عاشق حقيقي للكتب في سلة مهملات الفندق أو يكون مصيره أجولة الكتب القديمة التي تباع على الأرصفة بملاليم، ومصائب قوم عند قوم فوائد!

القارئ الحق يُعطي القراءة حقها وللكتاب واجبه، فعندما يقرأ لا يسمح لشيء بتشتيت انتباهه، لا يقرأ أثناء مكالمة هاتفية طويلة ولا عند متابعة نشرة الأخبار، بل يضع الأولاد في الفراش ويُغلق التلفاز والمذياع والكمبيوتر وينكبّ على القراءة، لا يلهيه مسلسل ولا يتململ كل ربع ساعة ليراجع بريده الإلكتروني أو ينشّط صفحته على الفيسبوك بحثاً عن علامات الإعجاب والتعليقات التي لا تنتهي.

الأمر يحتاج إلى إرادة من فولاذ في الواقع، إذ كان الأمر أيسر منه الآن عندما كانت الأشياء المُسلّية تنحصر في مسلسل الثامنة مساء وفيلم الظهيرة وزيارة عائلية كل أسبوع. لم تكن هناك هواتف محمولة قرّبت البعيد وأبعدت القريب وتعزف سيمفونيات كاملة، ولم تكن هناك حواسيب محمولة تقتحم عليك نزهاتك الخلوية وأوقات الراحة، تبحث عن كلمة “أدب يوناني” في غوغل فتدخل في موقع يقودك إلى موقع ثم موقع وينتهي بك الأمر وأنت تحاول تحميل الألبوم الأخير لشاكيرا!

هكذا صار عدد الأشخاص الذين يأخذون القراءة على محمل الجد ينخفض بشكل مفزع مع تعدُّد وسائل الترفيه وثورة الاتصالات ونهضة الإعلام الكبرى في حياتنا المعاصرة. نجحت الشاشات وهزمتنا الألوان وسرقتنا الملاهي المتصلة بالإنترنت على المكتب أو في الفراش أو في الجيب أو في الهاتف كأيّ متعة حسية سريعة، وسيصير أسوأ غداً وأسوأ منه بعد غد حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه قرّاء الأدب بعدد من يقرأون كافكا!

الكتاب لا يختفي ولكن القراء هم الذين يختفون، وتؤدى حالة كساد القراءة إلى ضحالة محتوى الأعمال الأدبية المنشورة، فالكاتب أصبح يكتب لنفسه ولا يخشى هجوم القراء إذا تكاسل وأفلس، وأصبح الكل يكتب لمجرد أن الأمر أصبح أكثر سهولة، الكل ينشر على حسابه عدة كتب ثم يتوقف، يهنئه أصدقاؤه وينشر صور حفل التوقيع هنا وهناك ولا يهتم أحد بأن يخبره أنّ ما كتبه رديء أو تافهة أو مسروق. يجب أن نقرأ أولاً حتى ننقد ونقارن!

أما تقلبات المزاج فمسألة أخرى، فبعضنا يحبّ القراءة ولا ينوي أن يبخسها حقها من الوقت، بل إن منظر الكتب المرصوصة المصفوفة هو بهجة فؤاده فيشتريها بالعشرات ومن كل مكان وفي مجالات عدة ثم يتوقف أمام هذا السؤال المحض الحرج: متى أقرأ كل هذا؟ حتى إذا استبعدنا المجلدات المتخصصة التي تمارس دورها الرصين المرجعي ولا حاجة لقراءتها من الغلاف إلى الغلاف، وحتى مع إقصاء طائفة غير هينة من الكتابات الشابة غير الناضجة والتي تمارس لعبه التكرار والتجريب المُبتسر وهي مسألة سهله بالنسبة للقارئ الحصيف؛ إذ يكفيه تقليب الرواية أو ديوان الشعر بسرعة وقراءة عدة صفحات هنا وبعض الفقرات هناك ليأخذ فكرة سريعة، غالباً ما تكون كافية عما إذا كان هذا الكتاب يستحق القراءة أو ستكون مجرد مضيعة للوقت والجهد والمال، فدعك من أن عناوين الكتب الجيدة شائعة ومعروفة وأسماء الكتاب أصحاب الأعمال الأكثر مبيعاً يسهل الوصول إليها.

بعضنا يباهي بكثرة ما قرأ وهي مسألة لطيفة بالطبع، ويفضل الاهتمام بهضم كمية مفيدة ولو كانت قليلة عن حشر مئات الصفحات، فإذا ظننت أنه سباق، تذكر أن الفوز لمن فهم جيداً وليس من قرأ أكثر
على أن بعضنا يباهي بكثرة ما قرأ وهي مسألة لطيفة بالطبع، ويفضل الاهتمام بهضم كمية مفيدة ولو كانت قليلة عن حشر مئات الصفحات، فإذا ظننت أنه سباق، تذكر أن الفوز لمن فهم جيداً وليس من قرأ أكثر!

لعلك تعرف حكاية الفلاح الذي سمع كاهن القرية يقول إنه لا يستطيع أن يقرأ لأنه نسي نظارته في البيت، فقدح زناد فكرة ووصل إلى الفكرة العبقرية التي مؤداها أن معرفة القراءة تتوقف على امتلاك نظارة. فما كان منه إلا أن سافر إلى المدينة وتوجه إلى محل نظارات وطلب “نظارة للقراءة” وجرّب مجموعة من النظارات لم تنجح واحدة فيها في تمكينه من القراءة، وعند ذلك سأله البائع بصبر نافد بعد أن قلب المحل رأسا على عقب: “لكن قل لي، هل تستطيع أن تقرأ؟” ودهش الفلاح لهذا السؤال وأجاب “عجباً! إذا كنت أستطيع القراءة، فلماذا حضرت إليك؟”.

وهكذا، فبعضنا يتبنى فكرة خاطئة عن الظروف اللازمة ليقرأ، فإن كان يقرأ فليستزيد من القراءة. هذه الفكرة قد تخص ديكور المكتب أو التخلص من الأسرة والانعزال والاستقالة من العمل، أو ربما السفر إلى منزل مهجور وشراء مقعد مريح ومكتبة فاخرة وغليون، وربما كانت شراء كتب مجلدة غالية أو التركيز على الأمهات والدراسات العميقة.

كل هذا رائع ومفيد لكنه لا يفيدنا بأكثر مما نحتاج نظارة القراءة للقراءة. يجب أولا أن نحب القراءة وتدفعنا رغبة حقيقية لممارستها بشغف وحب. أما ما يلي ذلك فمسألة ذوق ومزاج شخصي، وعدا ذلك فلا حدود معينة هنالك تحيط بمملكة الكتاب، فأنت قادر على قراءة كتيبك في محطة الأتوبيس أو على المقهى أو في المترو أو أثناء الفقرات الإعلانية خلال المسلسل وما أكثرها! وهذا يعنى أن يكون الكتاب بجوارك و الوصول إليه سهل.

وكان الله في عون مُدمن الكتب! إنه يجمعها كجامع الطوابع والعملات والأنتيكات والنوادر، الفارق هنا أن وجودها في حد ذاته مع قيمتها الكامنة والظاهرة لا يكفي.

الكتاب غير المقروء كالطعام الشهي المتروك. هذا العاشق يحشو في مكتبته كل ما يجده من كتب. كتب كثيرة وكبيرة، وأخرى مهضومة وصغيرة، صفحات عريضة ومصقولة وصفراء ومهترئة وطبعات أنيقة، كتب لم يفكر مؤلفوها أنها قد تقع في أيدي الأطفال، كتب تناجي الخالق وكتب للتداوي وتحضير الجان، كتب عن الحساب والأجرام والجرائم، كتب ملونة الأغلفة والمواضيع والمغامرات العاطفية والمخابراتية وفي البيوت المسكونة.

وكلها كتب يجب أن تقرأها، وبعد أن تقرأ يجب أن تفهم، وإذا لم تفهم عليك أن تحاول، فإذا حاولت وفشلت عليك أن تتصل وتتواصل وتسأل أو تترك الكتاب يزيّن الرف ويبهر الزوار! هناك من لا يتصور أن هناك كتبا أخرى في أيّ موضوع ليس طبياً، وهناك من لا يعرفون سوى روايات الجيب، حكايات بوليسية مثيرة ممتعة تحبس الأنفاس من فرط الغموض والإثارة.

فن القراءة يسير جنباً إلى جنب مع الإبداع الكتابي الذي يعمل بالضرورة على احترام استجابة القارئ بالرغم من تحديداتها وتنوعاتها وتقييداتها والتخلي من قبل الكاتب عن التصور البسيط للقراءة بوصفها مسحاً آلياً أو فك شفرة، بل هي عملية عاطفية وآنية وذاتية ترسخ بها النصوص وتصبح إشكالية، والشكر يتقاسمه قلم المؤلف وتنازل القارئ عن مسرات أسرع وأمتع!

كاتب من مصر

هاني حجاج

Previous post

فيسبوك يحوِّل أفكارك إلى نصوص.. تفاصيل المشروع الضخم لقراءة دماغك

Next post

شفان إبراهيم: عن خان شيخون الكُردية نتحدث