Home»ثقافة وفن»ثقافة»أدب المدن الفاسدة يجتاح الرواية العربية

أدب المدن الفاسدة يجتاح الرواية العربية

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – حنان عقيل – العرب

في السنوات التي تلت قيام الثورات في العالم العربي كانت الاتجاهات الأدبية متباينة وإن جاء معظمها كرد فعل على الأحداث الجسام. وبينما انبرى الكثير من الأدباء إلى الانخراط في الحدث الثوري والكتابة عنه، سواء في شكل يوميات أو أعمال روائية وقصصية، رفض البعض الآخر أن يكتب عن الحدث في لحظات عنفوانه.

نجاح غربي

خيبات الواقع ألقت بظلالها على الكثير من الأعمال التي نحا كُتَّابها إلى ثيمات “الديستوبيا” تعبيرا عن خيبة أملهم، ربما من واقع يزداد سوءا وليسوا بقادرين على أن يجدوا بصيصا للنور فيه. وربما جاءت هذه الثيمة في أحيان أخرى كنوع من المحاكاة لنمط أدبي استطاع أن يحقق نجاحا في الغرب واعتلت الكثير من مؤلفاته أكثر القوائم مبيعا.

روايات “الديستوبيا”­ موضوعها من التأمل في المستقبل، الذي يتسم بالفساد أو السوء بشكل عام، وتعمد إلى تصوير مستقبل شديد القتامة على أصعدة متباينة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو علمية أو غيرها، كما أن الكثير من الأعمال تتخذ من الواقع ومشكلاته التي قد تبدو مستعصية نقطة انطلاق نحو الحديث عن مستقبل أكثر سوءا.

ديستوبيا سياسية

استطاعت روايات “الديستوبيا” كنمط أدبي أن تثبت نجاحها في الأدب الغربي، وباتت الكثير من الأعمال المعتمدة على “الديستوبيا” من الكلاسيكيات في المدونة الأدبية الغربية، واستفاد منها الأدباء العرب في معالجاتهم لهذه الثيمة. ففي القرن التاسع عشر، ظهرت رواية “آلة الزمن” لجورج ويلز والتي عكس فيها الكاتب صورة شديدة القتامة عن المستقبل، وفي القرن العشرين ظهرت روايات “ديستوبية” هامة منها “عالم جديد شجاع” لأدولف هكسلي، وفيها يعكس الكاتب مخاوفه من هيمنة العلم على الإنسان إلى الحد الذي يفقده حريته، أما “1984” لجورج أورويل فهي ديستوبيا سياسية يعتبرها البعض مطابقة للواقع الراهن. وفي القرن الحادي والعشرين انتشرت هذه الثيمة بشكل أكبر، وتمكن عدد من الأعمال الأدبية المعتمدة على ثيمة الديستوبيا من الوصول إلى شاشات السينما.

ديستوبيا عربية

باتت ثيمة الديستوبيا من الثيمات المفضلة لدى الكثير من الكتاب العرب الذين نجحت أعمالهم في نيل الاهتمام النقدي والجماهيري، فضلا عن وصولها إلى القوائم الطويلة لجوائز عربية شهيرة. وتأتي رواية “عطارد” للكاتب المصري محمد ربيع على رأس القائمة، إذ نجحت الرواية الصادرة عام 2014 في أن تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر في 2016، وهي رواية تصور مستقبلا قاتما يشهده العالم العربي في العام 2025. أما في رواية “روائي المدينة الأول” فقد قدَّم الكاتب المصري عمر حاذق تصورا ديستوبيا لما بعد الموت.

وفي الأردن، قدّم الروائي أحمد الزعتري روايته “الانحناء على جثة عمان”، والتي تم منعها من قبل الرقابة الأردنية بدعوى إساءتها للمجتمع، وفيها يطرح الكاتب تصورا كابوسيا لمستقبل مدينة عمان. فيما قدَّم الروائي الجزائري واسيني الأعرج روايته “2084.. حكاية العربي الأخير” والتي استلهمها من رواية جورج أورويل، وفيها يقدم الأعرج تصورا مخيفا عن العالم العربي بعد 50 عاما.

وفي السياق ذاته، أصدر الروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله روايته “حرب الكلب الثانية” وفيها يرسم الكاتب خارطة عالم مستقبلي موحش. فيما يعمد الكاتب المصري أحمد خالد توفيق في روايته “في ممر الفئران” إلى طرح تصور مستقبلي مظلم للشعوب العربية انطلاقا من قتامة الواقع الراهن.

يقول الناقد المصري يسري عبدالغني إن الإبداع الأدبي شهد تحولا كبيرا بعيدا عن الواقعية، إذ هيمن عليه الخيال العلمي والسريالي اللذان أتاحا لوقت طويل وللكثير من المبدعين أن يعبروا به من ظروف القمع والقهر كالتي مرت بها أميركا اللاتينية، والتي ألهمت كتاب الواقعية السحرية مثل ماركيز وإيزابيل الليندي.

  • لا يمكن الحديث عن الأجناس الأدبية بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي ولد فيه العمل الأدبي وترعرع، خاصة عندما تتعلق تلك السياقات بأحداث كبرى تمخّضت عن تغيرات جذرية أو خيبات استثنائية مثلما هو الحال الآن في العالم العربي، بعد أحداث الثورات العربية وما تمخض عنها من مظاهر مسّت مختلف مرافق الحياة وأثرت بشكل بالغ حتى في الأدب والإبداع.

 

ويرى عبدالغني أن ثيمة الديستوبيا (أدب المدن الفاسدة) ليست جديدة في الرواية العربية، إذ نجد بعض ملامحها عند نجيب محفوظ ويوسف إدريس والشرقاوي وغيرهم، بل يمكن أن نجد ملامح لها في كتب التراث، وبالذات التراث الشعبي، لكنها أضحت أوضح في السنوات الأخيرة، حيث أن هذا النوع يستدعي الشعور باليأس والإحباط الذي يشعر به المبدع في مواجهة العنف والقمع واللا أمل.

مواجهة العنف والقمع واللا أمل

ويتحدث عبدالغني عن أسباب ذيوع هذا النمط الأدبي قائلا “هذا النوع من الأدب في بلادنا جاء كرد على الهزائم المتتالية بعد فشل ثورات الربيع العربي أو سرقتها، كما يمكن القول إن كتابة الأدب في حد ذاتها تسمح للمبدع بحرية أكثر بعيدا عن واقع يعبر فيه عن ذاته، وهذه الأعمال تقول لنا إن وضع السخرية في إطار مستقبلي هو أفضل طريقة لعكس المزاج العام الذي نحياه”.

ويذكر عبدالغني بعض النماذج الحديثة من هذا النوع الأدبي ومنها رواية “الطابور” لبسمة عبدالعزيز، ورواية “عطارد” لمحمد ربيع، ورواية أحمد توفيق “في ممر الفئران”، و”عالم جديد جريء” لمحمد سالم، إلا أنه ينوّه بضرورة أن يراعي الكتاب من الذين يعتمدون على هذه الثيمة مستقبلا المعادل الموضوعي في الإبداع الذي يجمع بين الشكل والمضمون، أو بين الفن والموضوع؛ خاصة وأن الكثير من الأعمال المقدمة لم تنجح في ذلك.

وسط مأزوم

يرى الناقد الأردني عبدالرحيم مراشدة أن هذا اللون من الأدب يأتي في زمن يضج بالصراعات والحروب، فلطالما اشتغلت الذاكرة البشرية على مثل هذه الكتابات التي تتأثر سلبا أو إيجابا بحرية الواقع والتاريخ ومنذ العصور القديمة. ويمكن الإشارة هنا إلى البداية كانت مع أفلاطون صاحب نظرية “المدينة الفاضلة” باتجاه “اليوتوبيا، كان هناك استشعار لوجود المدينة الفاسدة الخبيثة مقابل الفاضلة، وإن كان نسبيا، ومع تقدم الحضارات نجد في الآداب العربية مصطلحا مهمّا يمس هذه الظاهرة “المسكوت عنها”، كما يقول الناقد، وهذا يشي موضوعيا بتسليط الضوء على كل ما هو غير عادي من عذابات الإنسانية المختلفة، لا سيما تلك التي تتحدث عن اختراق التابو والمقدس من دين وسياسة وأخلاق.

ويتابع مراشدة أنه في العصور العربية القديمة حدثت الكثير من الاختراقات التي تنتهك المبادئ الإنسانية النظيفة، وقد رصد الكثير من الكتاب العرب مثل هذه الممارسات وأخفوها ثم قيّض لها الظهور بعد ذلك عندما حان الوقت لظهورها. وعلى سبيل المثال الاختراقات التي حدثت عبر الحضارات الإسلامية وما أعقبها من توسع جغرافي وفكري ومن أبحاث جريئة معاصرة كالتي صدرت وتناولت موضوعات ساخنة في هذا الجانب، ونظرا لحساسية هذه المسائل فقد اعتبرت من أدب الديستوبيا مثل كتاب “الجراحات والمدارات” الصادر عام 1991 للكاتب التونسي سليم دولة، الذي يتناول فيه العذابات والانتهاكات المريرة التي مرت بها العصور الإسلامية المتعاقبة من قتل وذبح بأساليب لاإنسانية، بالإضافة إلى كتاب آخر صدر في مطلع التسعينات من القرن الماضي للباحث العراقي يحيى الجبوري بعنوان “محن الشعراء” الذي عرّى من خلاله وسائل التعذيب اللاأخلاقية عبر العصور الإسلامية.

ويوضح مراشدة أن مثل هذا الوسط المأزوم كان من الطبيعي أن ينعكس على الأدب، فظهر أدب الديستوبيا. وإذا أردنا التأريخ مثلا للأدب المعاصر حول هذه الظاهرة، نجد غربيا رواية جورج أورويل “1984”، وفي وقت لاحق وتحديدا في السبعينات من القرن الماضي هناك رواية “رحلة ابن فطومة” لنجيب محفوظ تقع ضمن هذا المنحى لما فيها من مرجعيات ناقدة للسلطات المهيمنة التي ترتكب الكثير من المحرمات والجرائم، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الروائي العربي صبحي فحماوي في روايته “الإسكندرية 2050” وفكرتها استشرافية، أفاد فيها من حركية الديستوبيا المعاصرة التي ضربت العالم العربي وهزته من أقصاه إلى أقصاه، بدءا من الهزائم المتتالية للعرب أمام الكيان الصهيوني، مرورا بثورات الربيع العربي ووصولا إلى ما نحن عليه اليوم.

ناظم ناصر القريشي ويسري عبدالغني وعبدالرحيم مراشدة: الأدب العربي تأثر بما يحدث من حوله

نمط مستحدث

يوضح الناقد العراقي ناظم ناصر القريشي أن أدب “الديستوبيا” يبتكر عالما افتراضيا مشتقا من الواقع ومواز له ممكن تحقيقه، ليحفز المتلقي ويجعله يسأل ماذا لو يحدث هذا، وهذا نتيجة الخوف والتوجس لواقع شديد المرارة وظروف قاسية يكثر فيها الإرهاب والقتل والتهجير والتشرد، بحيث أصبح الإنسان يتأرجح بين الرجاء والخوف واليأس والأمل، فجاء مجتمع “الديستوبيا” في الأدب ليعبر عما يعانيه الإنسان العربي من أزمات إنسانية ونفسية، وخوف من التطور الهائل للتكنولوجيا وما قد يحدثه من ابتعاد الإنسان عن طبيعته البشرية خاصة إذا استخدمت هذه التكنولوجيا في تطوير الأسلحة.

ويرى القريشي أن أدب “الديستوبيا” مستحدث في الأدب العربي لكنه يعتبر إضافة كبيرة، مشيرا إلى رواية “سفينة نوح.. قبل وبعد الانهيار” للروائي العراقي صادق الجمل والذي يعتبرها نموذجا جيدا لهذا النمط الأدبي. إذ تصور الصراع بين دولتين عظيمتين واحدة في الشرق وأخرى في الغرب وظهور جماعات إرهابية تحاول الحصول على السلاح النووي، مما يضطر بطل الرواية للتفكير في صنع سفينة فضائية تنقذ البشرية من الانهيار القادم.

Previous post

د. رياض نعسان آغا: أهو تحالف كوني لتدمير إدلب ؟

Next post

هذه بدائل أكثر مصداقية من ويكيبيديا