Home»أدب الثورة»حيدر محمد هوري: ذاكرة الزجاج الصامت

حيدر محمد هوري: ذاكرة الزجاج الصامت

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت -حيدر محمد هوري – خاص

تفاصيل الرحلة كلّها ما زالت في الذاكرة. السعادة الغامرة التي لفّتنا كتلاميذ في المرحلة الابتدائية، والإعلان المدرسي السيىء المدوّن على ورق مقوى، الذي كان بالأمس صندوقاً لمنتجٍ غذائي وطني رديء الصنع أيضاً:
(يسرّ إدارة مدرسة /أشبال الغد/ أن تعلم تلامذتها الأعزاء عن القيام برحلة إلى معمل الشرق للزجاج، للتعريف بهذا الصرح الحضاري العظيم، والذي هو من إحدى منجزات القائد الرمز، فعلى الراغبين بالمشاركة إحضار ورقة تثبت موافقة ولي أمره).
مرّت بنا الدقائق والأيام مثلما يمر شحاذ بقرية لا يعرف سكانها ما الكرم، غير أنني ما زلت عاجزاً حتى الآن عن إخراج تلك الأصوات من رأسي. فبينما كان أصدقائي من التلاميذ يرددون وبصوت عال جداً شعارات التمجيد والفداء للقائد الرمز، كنت منشغلاً بتحديد جهة الأصوات المتداخلة و الصاخبة، فالصدى يكور في سمعي صرخات و تأوهات عالية. وأذكر أنني سقطت أرضا وقد أغمي علي عندما أسقط أحد العمال عدداً من الأطباق الزجاجية على الأرض، فمع تحطمها شعرت بانفلات أصوات كثيرةٍ تطالب بالنجدة و الخلاص.
منذ تلك الرحلة وأنا أعاني حتى الآن. أنا الآن أفهم لغة الزجاج أصبحت شديد الحساسية للصوت، وأفقد السيطرة على توازني – و أسقط أرضاً كلما كسر طبق أو كأس في منزلنا.
بدأت أنزعج كثيراً كلما احتك طبق بآخر، أو عندما يمرر أحدهم أصابعه على وجه زجاج النافذة مجبراً الزجاج على البوح بوجعه أو فزعه..
وفي أحد الأيام أحضر والدي معه طبيباً نفسياً إلى المنزل بناءً على نصيحة الأقرباء والجيران الذين أقنعوا أهلي.. أنني سأفقد عقلي إذا لم أعالج سريعاً. أتذكر أنه لم يستطع الصبر معي لأكثر من أسبوعين، فلقد أفزعته عندما حدثته عن لغة الزجاج و لهجاته، قلت له:
-كؤوس النبيذ لها عادات كلامية تختلف عن كؤوس الشاي، والأطباق مهما كانت متقنة الصنع وثمينة إلا أنها تموء كالقطط الجائعة عندما تكون فارغة، وأخبرته أيضا عن الذاكرة الطفولية للزجاج – وعن طيشه و عنفه -، فعندما يدافع الزجاج عن نفسه يتحطم ليجرحنا. نعم كل كأس ذاكرة حية و- كل طبقٍ أيضاً.
بالأمس عندما كانت أمي تغسل الأطباق بعد طعام العشاء سمعت حواراً حرمني من النوم بين الكأس والطبق الكبير، كان الطبق يحاول أن يقنع الكأس أنه حاول أن ينقذه قبل أن يغرق جميع الركاب، لكنه عجز عن ذلك عندما تمسكت به طفلة في العاشرة من عمرها وشدته معها إلى القاع.
لست أدري إن كنتم ستصدقوني اليوم، فلقد سمعت بالأمس أيضاً سجالات صاخبة دامت لساعتين بين مجموعة من القراصنة الذين كانوا يخططون لمهاجمة السفن الصغيرة القادمة من جهة الشرق، فهي حسب زعمهم محملة بالتوابل و الذهب و النساء الجميلات، لكنها انتهت بالاقتتال فيما بينهم حتى سمعت ارتفاع شهقاتهم وغرغراتهم وهم يغرقون. ما دفعني الأمر إلى أن أهرب من البيت واضعاً يدي على أذني.
كثرت مرات الهروب من المنزل وحالات الإغماء، ففي كل لحظة يتحطم أو يتشظى فيه الزجاج كنت أتقمص حالته، إلى أن قررت العائلة الامتناع عن استخدام الأواني و الأدوات الزجاجية و استبدالها بالخشب والبلاستيك وذلك سداً لمكائد الزجاج المتربص بابنهم البريء.
مرّت الأيام وازداد عدد الزوار الذين طرقوا بابنا إما لإسداء النصح أو بسبب الفضول الذي يشدهم من قلوبهم و عقولهم لمعرفة هذا الكائن الغريب. وصل الأمر ببعضهم إلى اعتباري من الأولياء الصالحين المؤيدين بكرامات ربانية. كانوا يتزاحمون أمام الباب ومعهم أحبابهم بغية مساعدتهم في الخلاص من بعض الأمراض أو الزواج أو لطرد الجن عن أرواحهم. ولقد غدوت مادة دسمة للصحافة المكتوبة فقط، لأن أهلي رفضوا المقابلات المرئية خوفا علي من زجاج عدسات الكاميرات وسواها من أدوات التصوير. مع ارتفاع الأعداد وتزاحم الناس أمام بيتنا اضطرت عائلتي إلى المغادرة سراً إلى مكان مجهول، ومن سوء حظي أنهم قصدوا بلدة صغيرة تطل على البحر.
كنت أخشى البحر ولا أعرف ما سر هذا الخوف، وكأنني أعرفه، وكأننا التقينا ذات مصيبة.
كانت الدقائق تتساقط عن شجر الزمن، و أنا مازلت معتكفاً في البيت، لا أغادر زواياها ولا حيطانها إلى أن قررت أن أتحدى الخوف و البحر و الأصداء.
أتذكر كان الطقس دافئاً.. أتذكر أنني كنت مضطرباً قليلاً.. استجمعت شجاعة التراب في روحي و خطوت باتجاه الشاطئ، و كلما دونت منه خطوةً ازداد الصخب في رأسي و كنت على وشك السقوط أو التشظي، فكابرت قليلاً إلى أن وصلت إلى مقعد خشبي يحتفظ بصفة المقعد رغم كل العبث و الخراب في جسده. جلست، فشعرت ببعض السكون و الطمأنينة لكن ما حرض الصخب مرةً أخرى، صوت أنثوي حاد يفيض حزناً و وجعاً:
-جرحاك يا بحر القلوب.. جرحاك يا بحر القلوب!
سيدة في العقد الخامس من عمرها تحمل على ظهرها كيساً كبيراً و تتجول بين الناس. تصرخ فيهم أو تبتسم لهم. أحياناً كانت تتوسل إليهم أن لا يستخدموا الزجاج فهو يدمي القلوب وتخرج لهم من كيسها أطباقاً و كؤوساً من الورق المقوى أو البلاستيك و أحياناً تنفجر غضباً عندما لا يقبل الناس بعرضها. الناس معتادون عليها و على عاداتها. قال أحدهم لي بعد أن لاحظ اندهاشي و انشغالي بمراقبتها:
-إنها جزء من هذا الشاطئ و طقسه الخاص، حتى أن الناس في البلدة صاروا يسمون الشاطئ باسمها..
( شاطئ سيدة الكرتون و البلاستيك)
لقد هزتني هذه السيدة و سلبتني كل هواجسي و شجوني. كلما أردت أن أسألها عن سرها تمنعني الرياح و صوت الموج.
إنه الصيف.. أشعر على غير عادتي بالهدوء و السكينة. قررت التوجه إلى الشاطئ و مراقبة الناس و النوارس و المرأة العجوز. لم أجد المرأة أو أسمع صوتها. بدأت بالبحث عنها في كل الجهات ثم قررت التوجه نحو الغابة, و كلما دنوت منها كانت الشهقات تتسرب إلى سمعي، شعرت بها و كأنها لأناس أعرفهم أو ربما التقيت بهم. أخيراً رأيت جمعاً من الناس على مسافة قريبة مني. توجهت نحوهم و صدمت عندما رأيت المرأة العجوز مستلقية على الأرض. كانت في حالة احتضار. عندما رأتني نظرت إلى عيني ثم أشارت إلى كومة من الزجاج المحطم:
-حاولت كثيراً يا ولدي أن لا أسمع شهيقك وأنت تغرق، لكنني عجزت.
مسّني فزع شديد ركضت باتجاه كومة الزجاج المحطم و بدأت أبعثر الشظايا وأنثرها، ومع كل حركة كانت الأصوات والأصداء تتحرر منها، والمشاهد تميل إلى الوضوح، فتذكرت كيف تسرب الماء إلى القارب وكيف ساد الهلع والخوف بين الناس وكيف بدأت الحناجر تتخلى عن إنسانيتها وأخلاقيتها و كيف مات الجميع.
إنها أصواتهم، أولئك الغرقى الذين حدثوني بعيونهم وأفواههم المفتوحة عندما انتشلني أحد الصيادين من البحر.
إنهم رفاق السفر في القارب المطاطي الصغير الذي لجأنا إليه وآمنا به للخلاص من الدم والخراب في البلاد.
كنت منشغلاً بالتذكر وأنا أبعثر الشظايا التي كانت تتحول إلى نوارس محلقة فوق البحر، ولم انتبه كيف تحولت إلى قطعة زجاج صامت.

القصة الفائزة بجائزة أفرابيا للشباب العربي والإفريقي

Previous post

(تحرير الشام) تعتقل قياديين بارزين مناصرين لـ (القاعدة)

Next post

الأمم المتحدة: وفد النظام يصل غداً إلى جنيف