Home»ثقافة وفن»ثقافة»سلام أبو شالة: البيت هو العالم

سلام أبو شالة: البيت هو العالم

54
Shares
Pinterest Google+

سلام أبو شالة ـ الفيحاء نت

ترسخ كلمة المسكن في ذاكرتنا الشعبيّة منذ الأزل فهو:

الكهف، الكوخ، الدار، البيت، العمارة، المنزل، النزل، العمرة، الديكونة، العليَّة، الدوَّار، الدارة، القصر.

إن كلمة المسكن من جذر الفعل الثلاثي:سَكَنَ.. كما جاء في المعجم الوسيط:”سكنت النفس بعد الاضطراب”، وسكن إليه “استأنسَ به واستراح له”.

فالمسكن.. مكان الانسان الذي يَسكن إليه ويأنَس له ويعيش فيه مرتاحاً، فهو بالنسبة إليه مأواه وسلوته؛حيث يقضي فيه داخله عمره؛ وفيه تتشكَّل شخصيته وحالاته النفسية؛ وبين جدرانه.. ذكرياته وأحلامه وحتى الكوابيس.

بدأ الإنسان البحث عن مأوى يقيه الحَّر والبرد وغائِلات الطبيعة وشرّ الوحوش وأذى أخيه الإنسان؛ وتنقَّل من ظلّ شجرة كثيفةإلى فجوة صخرة شكلت كهفاً، وصولاً إلى البيوت الطينيّة والحجريّة والإسمنتيّة والمعدنيّة. وارتبط سكنهبالظروف الإنسانيّة والاجتماعيّة وبوضعه الطبقي والبيئي كما وارتبط بتطور بناء الحصون والقرى والمدن.

ويتميّز البيتُ الشرقيّ.. بانغلاقه عن الخارج؛ سوى من بابٍ يليه دهليز؛ وبانفتاحه على الداخل: باحة تتوسطها بركة ماء ومن حولها الأشجار المثمرة والورود؛ وعادة لا يتم الاعتناء بالسور الخارجي فهو أملس ويخلو من النقوش سوى في قنطرة الباب؛ بينما تحتشد التفاصيل في الداخل: زخارف ومقرنصاتٍ ونوافذ مُشرعةً للضوء.

غير أن عملية تطور البناء منذ العهود السحيقة وآلياتها إلى اليوم حمَّلت موضوع المسكن أبعاداً كثيرة؛وأدخلت حياة الإنسان في كل جزئياتها، فعاش في ضميره، يتذكره ويحنُّ إليه بذكريات حية لا تموت.. تعكس روح الإنسان وذاكرته الجمعيةالتي تتمثّل في تراثه الشعبي الذي برزت فيه كلّ تنويعاته في المثل الشعبي، والحكاية، والاصطلاح، والكناية، والاعتقاد، والعادة، والأغنية التراثيّة الشعبيّة.

 
ومن المقاطع الغنائية التراثية مجهولة المؤلف التي انطوت بعض تراكيب مفرداتها على ذكر المسكن والبيت من تراث منطقة الزبداني:

بو علي وسِّع مَنزِلَك.. خُطّار جينا زايرين
وتجوّزوا وتجوّزوا عُقبال كُلّ العاوزين
تقضّوا الليالي بهنا طول المَدى وطول السِنين”

فالمسكن واسع وبه غرف عديدة لاستقبال الضيوف لذلك فإن الدعوة للزواج وإقامة طقوس العُرس يتطلَّب أولاً تأمين المنزل وتجهيزِه من أجل الاستقرار.

وقد تجلّى ذلك وحُفِظَ في أغنية الدلعونا التي تقول في مطلِع أبياتها:

ياأَبجَد هَوَّز ياأَبجَد هَوَّز قوم عَمِّر بَيتك بَعدين تجَوَّز
قوم لَحِّق حالَك واللَوز ما لَوَّز قَبل العَذارى.. ما يِترِكونا”

فالبيت قوي ومتين لصد الرياح والثلوج كما تقول هذه الأغنية الشعبيّة:

هَوَّاره.. وأنا ساكِن

وبيتي أساسو مَاكِن”

كما ورد المسكن في الأمثال الشعبيّة التي هي حكمة الشعوب وتجاربها من خلال حياتها المستمرة منذ آلاف السنين، مبينا أن المسكن يمثل هموم الإنسان الأساسيّة، حمله المثل الشعبي وعبّر عن أحوالهوحكاياته وأسراره وخفاياه، بكلمات موجزة ومنها:

*ـ البيت الضيِّق بيسع ألف صديِّق / بيت الضيق بيسع ألف صديق.

*ـ البيت اللّي بتدخلو شمس وهوا.. ما بيدخلو لاطبيب ولا دوا

*ـ صاحب البيت أدرى باللّي فيه

*ـ اللّي بيطلع من دارو.. بيقِلّ مقدارو

*ـ يا جاري أنت بدارك.. وأنا بداري

*ـ اللّي بيتو من قزاز.. لا يراشق الناس بالحجار

*ـ ألف عدو برّا.. ولا عدو بالدار

 

ويُشكّل المسكن في التنويحة الشعبيّة إحدى تجليّاتها الأساسيّة وهو “القبر” مكان سكن الراحلين:

لَروح للقبر.. وهِدّو من أساساتو

لإنو حبيب القَلب.. قاعِد جُوّاتو”

وقالوا ايضاً:

“خُدوني بِمحامِلكُن خُدوني

خًدوني قَبِل ما تِعمى عُيوني

خًدوني سِياج لمقابِركُن

ومَطرَح ما حطيّتوا الأَوادِم حَطّوني”

ماذا بقي من مساكننا اليوم؟؛ ومن بُيوتنا التي نُهِبَت وسُرِقَت.. ورَحلَ عنها أهلها؛ وتُركت للقذائف أولاً.. ثم للثلجِ والريح.

في غرفها المهدمّة ظلال من غابوا قهراً واعتقالاً وتنكيلاً وتشريداً

وفي أسِرَّة أطفالنا.. أحلامٌ؛ قتلها نظام الأسد بمجازر الكيماوي

وفي الطرقات إليها.. حُفَرٌ من البراميل والصواريخ..

فمَن يُرجِع لنا دفءَ المكان في صقيع تغريبتنا.. بينما يُغنّي أحدنا:

على دلعونا وعلى دلعونا.. راحوا الحبايب والبِيحبُّونا.

Previous post

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

Next post

وفد المعارضة في جنيف: هدفنا إنهاء الكارثة الإنسانية في سوريا