Home»ثقافة وفن»ثقافة»شهادة مجروحة في شوقي بغدادي.. دَوَّنها: نجم الدين سمّان

شهادة مجروحة في شوقي بغدادي.. دَوَّنها: نجم الدين سمّان

32
Shares
Pinterest Google+


نجم الدين سمان – الفيحاء نت

لا أعرِفُه إلّا.. شاباً؛ مذ أرسلتُ بالبريد العاديّ.. قصةً لي أواخر عام 1978 إلى “ملحق الثورة الثقافي” وكان أستاذنا شوقي مُشرِفاً على صفحتيّ الأدب الشاب فيه؛ وكنتُ في التاسعة عشر من عمري؛ لكّن شوقي بغدادي كان أكثر شباباً منّي؛ وبقي كذلك على امتدادِ صداقتنا منذ ذاك الحين.

نشر قصتي وقتها.. مِن غير أن يعرفني أو نلتقي؛وكان مُجرَّد النشر في ذاك الملحق.. اعترافاً بأهليَّةِ كاتبٍ حتى لو كان تحت العشرين؛ وتلك كانت من التقاليد العريقة في ثقافتنا السورية؛ التي أطاحَهَا كُتَبَةُ اتحاد ع. ع. ع؛ بل.. مَرَّغُوها بوحل المحسوبيّات وكتابة التقارير.


بعد عامين.. التقيتُ شوقي بغدادي مُصَادَفةً في مقهى ومطعم “اللاتيرنا” الدمشقي؛ عَرَّفتُهُ باسمي؛ فأشعرني بأنه يعرفني منذ زمنٍ طويلٍ؛ وفاجأني بأنه يُتابِع ما أنشرُه؛ وكان هذا دَأبُهُ مع الجميع؛ وبخاصةٍ مع الكُتَّاب الجُدّد؛ لا ينفكّ يُذكِّيهِم في كُلِّ جلسةٍ من جلساته المُمتِعَة.
وحين أسّسنا مطلع الثمانينات “الملتقى الأدبي لجامعة حلب” دعوتُه ضيفاً في أحد مهرجاناته؛ وفي اليوم التالي.. أخذته في رحلةٍ إلى أعماقِ الشهباء: من “مقام النسيمي” إلى”باب أنطاكية”ومن “مدرسة عبد الرحمن الكواكبي” إلى “مقام السهروردي” إلى أسواق حلب؛ فقلعتها.. حيث يجتمع النقيضان: “قاعة العرش” و”حبس الدم”؛ كما اجتمع المتنبي: سيف الشعر بسيف الدولة!.

أذكر بأنّ شوقي بغدادي قد جَلسَ على أحد المقاعد الخشبية في مدرسة الكواكبي؛ وأطال التأمّل.. فخرجتُ أدخِّنُ في الباحة الصغيرة العتيقة؛ وأنا على يقينٍ.. بأنه في مخاض قصيدةٍ قادمة؛ فكانت قصيدته الشهيرة: في مدرسة العلّامة “ك”.. يهجو بها استبداداً قد طال؛ وزمناً يتنكّر للعقول النيّرة؛ ثم يدسًّ لها السُمَّ في كأسِ شايٍ على مقهى من مقاهي القاهرة.

وحين أسستُ في “دار الصداقة” لنشر الأدبين العربي والأرمني؛ كان أولَ ما اقترحته عليه أن يكون عضواً في الهيئة الاستشارية للدار.. لا يمرُّ ديوان شعرٍ إلى النشر.. إلا من بين يديه، ثم دعوته لمهرجان الشعر العربي الأرمني مع ممدوح عدوان بمشاركة شعراء أرمنيين؛ بعد أن ترجمنا بعضَ قصائدهم إلى اللغتين.


ثمّ أنِّي مطلعَ التسعينات كنتُ أؤقِتُ مجيئي إلى دمشق مع موعد اللقاء الأسبوعي في “اللاتيرنا” كلَّ إثنين.. بحضوره وبحضور: خيري الذهبي وممدوح عدوان ونجاة قصّاب حسن.. أحياناً؛ ونبيل الحفار وعزمي مورللي؛ وبآخرين.. يتغيَّرون بحسب المشاغل؛ ثمّ التقينا بعدها.. في حفلِ توزيع جوائز مسابقة “نادي شباب العروبة” بحلب؛ في صالة معاوية وقد غُصَّت صالَتُها وبلكونها بالحضور؛ وكان البعض يُقنِعُنِي بأن لا أُلقِي قصّتي الفائزة بالجائزة الأولى على مثل هذا الجمهور؛ وعَلّق أحدُهم:

– هادا جمهور طرب خيّو؛ الشعر.. بيمشي هون؛ بَس القصّة.. ما بعتقد.
كان رِهَاناً حتى صعدتُ إلى الخشبة؛ ثم تلاشى.. حين ابتسمَ لي شوقي بغدادي ابتسامة تشجيع؛ وعندما انتهيت.. صعد شوقي إلى الخشبة لِيُهَنِّأني؛ ولم ينفك طوال السهرة عن مديح قصتي وإلقائي بينما أنا غارِقٌ في الخجل الشديد.
ثمّ توطدت علاقتي به حين انتقلتُ إلى دمشق؛ فصارت أسبوعيةً وبشكلٍ دوريّ؛ في “اللاتيرنا” ثم بعد إغلاقها.. صرنا نتجمع في مقهى الروضة كلّ اثنين؛ ثم نذهب حين تكتمل الشلّة إلى نادي العمال او نادي الصحفيين ثم إلى نادي المحاربين القدماء.. نتناقش في كلّ شيء ونضحك من كلّ شيء.

ذاتَ أسبوعٍ.. وقبل مجيءِ شوقي؛ تمَّ اعتقالنا بسبب كتبنا وصحفنا المريبة على الطاولة؛ حيث كان هناك اعتصامٌ كرديًّ صامتٌ قبالة البرلمان؛ لم نكن أكراداً؛ ومع ذلك.. اعتقلنا الأمن على شُبهَةِ كونِنَا مثقفين؛وقد نتعاطف ولو ضمنيّاً مع القضية الكردية؛ وفي التحقيق الذي تلاه؛ سألني الضابط في فرع المنطقة؛ وكأنه يتهمني بالعمالة لإسرائيل:

– شو كنتو عم تعملوا بمقهى الروضة؟.
– نحنا منلتقى.. كلّ يوم تنين.
حدَّق الضابط مُستغرباً: – كلّ تنين؟!.
– من عشر سنين.. منلتقى كلّ يوم اثنين.
فَنجَر الضابطُ عينيه: – من عشر سنين؟!.
– ما عندكم خبر.. ليش؟!!.


فصارت تلك.. نكتةَ جلساتنا اللاحقة؛ حتى كدنا نجعلها مانشيتاً في جريدة ساخرة لم تصدُر بعدُ:
“ثغرة أمنيَّة.. مثقفون سوريون يلتقون أسبوعياً في عُطلةِ الحَلّاقين!”.

ثم لا نلبث مُناغَشَةَ أبو الشوق:
– تأخرتَ يومَها قصداً.. حتى لا تُشارِكنا مُتعَةَ الكراكون!.

لم يترك شوقي مُتعةً حلالاً في حياته.. إلّا وارتكبها؛ من العزف على العود إلى الشعر والقصة والمقالة والرواية؛ وكذا الحبُّ.. بكلِّ درجاته في: “طوق الحمامة في الأُلفَة والأُلّاف” وصولاً إلى العُذرِيِّ منه.. فالصوفيّ؛ كما غرامُهُ بكرة القدم؛ ويتقِدُ غرامُهُ الكرويُّ أكثرَ.. بوجود صديقنا المشترك: ممدوح عدوان؛ كلّ منهما يُشجّع فريقاً ضدّ فريق؛ فنحضر مباراتين معاً؛ إحداها.. بالأهداف؛ وثانيها: بالتعليقات اللمَّاحة والضحكات.

كما لم يترك شوقي بغدادي.. نافذةً للعمل الوطنيّ والمدنيّ والسياسيّ والثقافيّ.. إلا وعَبَرَ منها؛ حتى لو كانت ضيّقةً؛ كما لو أنها.. “إلى أوسَعِ التجربة”.
تعلّمتُ من شوقي بغدادي.. الكثير؛ ومن ذاكَ: حِسُّ المُبادرة الشخصية والجماعية؛ بينما كان مجتمعنا السوريُّ يُصاب بمرض نقصِ المُبادرة المُكتسَب؛ ينكفئُ فيه السوريّ على نفسِه.. خوفاً أو تقيَّةً.

وحين أسستُ جريدة “شرفات الشام” عام 2006 كان شوقي بغدادي أولَ مَن دعوتُ للكتابة فيها؛ كأنما.. لأستعيدَ تجربة “ملحق الثورة الثقافي” أواخرَ السبعينات من قرنٍ مضى؛ مُحاولاً أن أضيفَ عليها ما استطعت مع زملائي في أسرة التحرير؛ فليس مِن دَأبِ تجاربنا السوريّة والعربية.. سوى الانقطاع والقطيعةُ وعدم التراكم؛ وأيضاً.. لأرُدَّ له بعضَ الجميل لاهتمامِهِ بي؛ مُذ كنتُ في التاسعة عشر من عمري؛ بينما يتجاوز الثمانين.. “لا اباً لكَ -لولا ابداعِهِ- يسأمِ” ولأجعل مساحة 60% من “شرفات”: لأقلام وأحلام شاباتٍ وشبابٍ.. كنتُ في عُمرِهِم ذاتَ يومٍ؛ حين نشر شوقي بغدادي أولَ قصةٍ لي.. مُكتمِلَةٍ فنياً.
لو أنّي أترك لنفسي فُسحَةً أكبرَ.. لكتبتُ صفحاتٍ في شوقي بغدادي كما عايَشتُهُ إنساناً شفيفاً.. خفيفَ الظِلّ.. مُبدِعاً.. أستاذاً في كلِّ ما يفعلُ ويقول.

 

Previous post

شاهد.. جو شو: القدس عربية أوي

Next post

عمر قدور: بين إذلال بشار وإبقائه