Home»ثقافة وفن»ثقافة»هند مرشد: التكنولوجيا القاتلة

هند مرشد: التكنولوجيا القاتلة

0
Shares
Pinterest Google+

هند مرشد – الفيحاء نت

يبدو للوهلة الأولى أن الثورة التكنولوجية وعلى غرار الثورة الصناعية قد أسهمت وبوقت قياسي في تقديم أفضل التقنيات والوسائل والأجهزة التي كان هدفها إسعاد البشر وتأمين حياة سهلة مريحة ومترفة لهم.. إلا أن الواقع يقول غير ذلك فهذه الوسائل كانت سيفاً ذو حدين فهي بقدر ما أعطتهم من إنجازات أخذت منهم الكثير وأنتجت جيلاً هجيناً بلا هوية ولا هدف.. جيلاً استهلاكياً اتكالياً وكسولاً.. جيلاً مادياً مرهقاً وموتوراً، جيلاً يلهث طوال النهار من أجل الحصول على المزيد من المال، هذا الجيل الضائع المسكين التي قُتلت كل مشاعره الإنسانية وحولته لمجرد آلة بشرية عديمة الإحساس، ظناً منه أنه بذلك يشتري رفاهية العيش بينما هو يبيع راحة البال.

لا أخشى على شيء وأنا ابنة الزمن الجميل جيل الخمسينات والستينات إلا على هذا الجيل الجديد التائه بين روعة الماضي الذي سمع به وعن قسوة الحاضر الذي يعيشه.. هذا الجيل الذي يبحث عن سر ذلك الرضا والسلام الذي يراه في عيوننا رغم الفقر وضيق الحال و يتساءل عن مصدر تلك الفرحة الحقيقية رغم كل المآسي والمصاعب التي عانيناها لكي نربيهم.. وكثيراً ما يحلو له أن يستمع إلى ذكرياتنا عن طفولتنا السعيدة حين كنا نلعب بالحارة مع اقراننا بكرة القدم المصنوعة من الصوف والخرق البالية وحين كنا نلعب الغميضة واللقيطة.. وحين كانت ألعاب البنات تُصنع من العيدان والأزرار والقش والطين..حين كان لكل شيء بهجته وحين كانت تسعدنا أقل الأشياء بساطة حين كان للعيد نكهة خاصة حيث كنا نضع ثيابنا الجديدة تحت الوسادة وأحذيتنا تحت السرير ولاننام الليل ونحن نتفقدها كل دقيقة..كنا نحلم بالأراجيح المنصوبة في الساحات العامة وبأنواع الحلوى التي سنأكلها ونحن نعايد مع أهلنا كل الجيران.. فلم تكن الأعياد بالنسبة لنا مجرد ثيا ب جديدة وحلوى بل هي طقس مهيب له قدسيته.. العيد هو المناسبة الأمثل للقاء الأهل وتبادل الزيارات والمأكولات والحلويات.. في تتصافى القلوب ويتصالح المتخاصمون ويزكي عن أموالهم الأغنياء وتفرح قلوب الفقراء..

لهذا أعتقد أننا الجيل الأوفر حظاً والأكثر سعادة ربما لأننا استمتعنا بكل ما حصلنا عليه وحلمنا بكل ما حرمنا منه وعشنا على أمل تحقيق أحلامنا.. عرفنا معنى أن تجتمع الأسرة كل يوم جمعة في بيت الجد والجدة على الغداء وكيف تتنوع السفرة بكل مالذ وطاب ولا يقدر أحدنا على الاقتراب من المائدة قبل أن يكتمل النصاب ويحضر الجميع من العمات والأعمام وأولادهم واصهرتهم وأحفادهم.. وفي السهرة يجلسون يتبادلون الأحاديث ويتشاورون فيما بينهم ويعرضون مشاكلهم ويشاركون في الحلول.. نحن جيل الرومانسية وأغاني زمان الجميلة والمعبرة.. نحن من كان ينتظر جديد أم كلثوم ويذهب لبيت الجيران ممن كان لديهم تلفزيون يوم الخميس ليشاهد أفلام عبد الحليم وفريد الأطرش وفاتن حمامة.. بالأبيض والأسود نبكي بحرقة لفراق الأحبة أو موت الحبيب في الأفلام العاطفية ونضحك ملء القلب على غوار الطوشة واسماعيل ياسين.. نحن من لعبنا الشطرنج والداما والبرجيس والباصرة وطاولة الزهر والكونان والطرنيب في ليالي الشتاء الباردة التي كان يدفئها تعاطفنا ومحبتنا لبعضنا.. كنا نذهب لمدارسنا سيراً على الأقدام ونمارس رياضة المشي دون أن ندري.. نحن من كان يكتب رسائل الحب والشوق للأحباب حولنا ولمن سافر وغاب عننا لأنها الوسيلة الوحيدة المتاحة للتواصل آنذاك.. وحين كنا نغرم بأحد كنا ندس رسائل الحب خلسة في كتاب أو جيب من نحب أو نرشو ابن الجيران الصغير ليوصلها له.. نحن من كنا نتبارى في حفظ أبيات الشعر الغزلي وقصائد المعلقات وفي قراءة أكبر عدد من الروايات وكنا نستعير من بعضنا الكتب لنقرأها ونناقشها.. نحن من كنا ننتظر على الشباك ومن خلف الستارة مرور الحبيب في الشارع لنراه للحظة.. نحن من عرفنا مذا يعني السيران ومتعة الذهاب إلى البستان أو ضفة النهر حيث الطبيعة لنأكل صحن مجدرة أو مقالي ونتحلى بكأس من الشاي على الحطب تخمر أو بطيخة حمراء زاد من حلاوتها سباحتها طول اليوم في النهر.. نحن جيل عرف متعة اكتشاف الجديد في التلفزيون منذ الأبيض والأسود الذي يبدأ بثه في السادسة وينتهي في الواحدة على أبعد تقدير وكان بمحطة واحدة وبمسلسل يومي وفيلم اسبوعي وبرنامج واحد منوع يعرض آخر الليل {غدا نلتقي } والأنتين وقطع الأرسال ومن ثم التلفزيون الملون والدش والستالايت نحن من عاصرتطور وسائل الاتصال وتناقل الأخبار عبر الصحف والمجلات والدوريات والتلغراف والرسائل والمكاتيب والبرقيات وعبر الاذاعة وبثها المباشر وبرنامجها { سلامي لكم } والراديو وموجاته المحددة.. والاسطوانات والمسجلات والكاسيت وصولا إلى الهاتف بقرص والهاتف بأزراروالمحمول والجوال..

لكن هذا الجيل الضائع المسكين الذي استعاض عن رياضة المشي بركوب السيارة واستعاض عن استعمال الأدراج بركوب المصاعد واستعمال الدرج الكهربائي.. استعاض عن الذهاب للمسارح ودور السينما وقراءة الصحف بالجلوس لساعات أمام التلفاز ينقل بالريمود كونترول بين الفضائيات دون أن يتابع شيئاً مفيداً.. استعاض عن قراءة الكتب وكتابة الرسائل بالدخول إلى الانترنت وغوغل والفيسبوك والتويتر والانستغرام.. استعاض عن صلة الرحم وزيارة الأهل والأصدقاء للاطمئنان عنهم بتبادل رسائل الواتس اب والماسنجر والسكايب عبر المحمول.. استعاض عن تناول الأطعمة الصحية التي يتم طهوها في المنزل بالمأكولات الجاهزة والسريعة والفاست فود من ماكودونالد وكنتاكي والبيتزا والهامبرغر، واستعاض عن رائحة ماء الورد وماء الزهر والحبق والياسمين بعطور مصنعة من بقايا النفايات والفضلات المختلفة ومعبأة في زجاجات باهظة الثمن.. هذا الجيل المظلوم الذي وجد حوله كل شيء جاهز استهلكته الحداثة وبهرته وسائل التطور فخسر سعادته وفقد أصالته.. ورغم أنه حقق وحصل على كل شيء حلمنا نحن به إلا أنه وللأسف فقد القدرة على الحلم.

Previous post

منصة موسكو: سنذهب إلى سوتشي

Next post

من هو المقامر الذي اختاره بشار ليرأس منظمة الهلال الأحمر؟