Home»التغريبة السورية»سوريو الشتات في الدول العربية يؤسسون لمستقبلهم وأعمالهم في تركيا

سوريو الشتات في الدول العربية يؤسسون لمستقبلهم وأعمالهم في تركيا

0
Shares
Pinterest Google+

حذيفة العبد – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

“خرجنا بما نرتديه من ثياب فقط…” جملة يرددها ملايين السوريين في دول الشتات مستذكرين خروجهم الأول من منازلهم، حتى دون مفاتيح منازلهم التي بقيت رمزاً لعودة الفلسطينيين إلى موطنهم. فمعظم السوريين ظنوا أن مفارقتهم لمنازلهم لن تطول سوى أياماً لتتحول الأيام إلى أشهر، والأشهر إلى سنوات. لكن الحالمين بالعودة بدؤوا على مر السنين يتساقطون جماعات وأفراد محاولين ترجيح كفة العقل الذي يرسم لمستقبلهم ولأبنائهم بعيداً عن بلادٍ مزقتها الحروب واحترقت بنيرانها، على كفة قلبٍ اكتوى بنار الغربة ويحلم أن يعيش ولو في خيمة على أنقاض المنزل البعيد في الوطن.

الكثير من السوريين الذين استطلعت مجلة “رؤية سورية” آراءهم وصلوا إلى قناعة راسخة أن سوريا الوطن باتت بحاجة لعقود لتبدأ نهوضاً قد يحتاج لعقود أخرى أيضاً، هذا في حال أزيح “نظام السفاح” كما يقول “هشام برازي”، وفي حال “بقي السفاح فأنا والملايين مثلي لن نعود إلى وطن ليس له من الوطن سوى اسمه، فالوطن الذي يباع للإيراني والروسي ثمناً لكرسي لا يلزمنا ولا هو وطننا”.

* مصاعب في السعودية

وجهة نظر “هشام” التي يمكن وصفها بـ “السوداوية” انسحبت بطبيعة الحال إلى زوجته “حليمة” التي قالت لـ “رؤية سورية” إنها الآن تحلم بالعيش في أي مكان في هذا العالم يلم شمل أهلها المقيمين في تركيا وعائلتها في السعودية حيث يعمل زوجها، وتضيف قائلة “الوطن بأهله… أبي الستيني الذي نجا من المعتقل بعد دفع الملايين، لم يعد يفكر أن تطأ أقدامه سوريا التي عاش فيها عامين من الموت اليومي في أقبية مطار المزة العسكري، وخرج من السجن ليكتشف أن سجانه قتل أيضاً اثنين من أولاده في ريعان شبابهم”.

في السعودية التي تحارب حكومتها البطالة، أصدرت قوانين تفرض على المقيمين فيها من غير السعوديين رسوم إضافية عن كل مرافق، والقانون الذي صدر مطلع العام الفائت يتيح مضاعفة هذه الرسوم، ما يعني أن “هشام” سيترتب عليه دفع ألفي ريال سعودي شهرياً عن مرافقيه (زوجته وأولاده الأربعة)، ويقول إنه يعيش في المدينة المنورة التي يكلفه إيجار المنزل فيها ألفي ريال أيضاً. بالتالي لم يتبق له من راتبه سوى أربعة آلاف ريال بالكاد تكفيه لتأمين معيشة عائلته هناك.

وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن المملكة إلى أن نحو مليونين ونصف المليون من السوريين وفدوا إلى أراضيها بين عامي 2011 و2015، يضافون إلى نحو مليون سوري كانوا يعيشون هناك أصلاً بقصد العمل وفق إحصائيات تقديرية. لكن معظم السوريين الوافدين إلى السعودية خلال سنوات الثورة تمكنوا من دخولها بناء على طلب زيارة من أقاربهم الذين يعملون هناك، وبالتالي فإن إمكانية العمل شبه مستحيلة وإن حصل الزائر على عمل سيكون مخالفاً للأنظمة المعمول بها هناك، ويبقى هذا الأخير عالةً على قريبه الذي استقدمه.

وعلاوة على الحرمان من العمل والظروف الاقتصادية المتراجعة نسبياً في المملكة التي تضم أكبر عدد من السوريين في الوطن العربي، أصبح هاجس تعليم الأطفال يؤرق مئات الآلاف منهم، بعد صدور قرار مطلع عام 2017 بمنع تعليم أطفال الزائرين في المملكة (عدا المسجلين قبل صدور القرار) والبدء بتطبيقه ابتداء من العام الدراسي الحالي. الأمر الذي كرّس لدى الكثير فكرة البحث عن مكان آخر يضمن حصول أطفالهم على الحق في التعليم.

* لماذا تركيا؟

هذا السؤال توجهنا به إلى كل من “هشام” مدرس اللغة الإنكليزية في المدينة، والمهندس “عقبة عبد الحفيظ” المقيم في الرياض، واتفق كلاهما أن السبب الأول الذي يدعوهما للتفكير بتركيا وطناً مستقبلياً كان اجتماعياً، فعائلتاهما اليوم من ضمن ثلاثة ملايين ونصف المليون سوري يقيمون في تركيا، وكذلك معظم الأقارب والأصدقاء، ويقول “عقبة” الذي زار تركيا الصيف الماضي إنه لم يشعر بأي غربة هناك، “زرت مدينة أنطاكيا القريبة من سوريا، وانتابني إحساس لم أعهده طيلة ثمان سنوات من الغربة، لا أكاد أنزل إلى الشارع إلا وأصادف أحد أقاربي أو أصدقائي، الشوارع والأسواق والمحال مليئة بالسوريين، والكل (عرباً وأتراكاً) يتكلمون العربية”.

في زيارته الأخيرة لتركيا حصل “عقبة” على إقامة سياحية في تركيا تخوله العودة متى شاء، ويقول إنه اتخذ هذه الخطوة بسبب صعوبة حصوله على تأشيرة الدخول إلى تركيا (الفيزا) الاي كلفته نحو ثلاثة آلاف ريال، أما الآن فيستطيع دخول تركيا بلا أي عائق ولا يحتاج تأشيرة عقب استخراجه الإقامة التي كلفته مبلغاً مماثلاً له ولعائلته.

وجد “عقبة” أيضاً في تركيا بيئة مناسبة للاستثمار بالنسبة للسوريين، وأسس شركة تورّد الأجهزة الطبية إلى الداخل السوري، واختار هذا المجال نظراً لقربها من تخصصه في الهندسة الكهربائية، وهو يعمل حالياً في شركة سعودية متخصصة في مجال الأجهزة الطبية.

تستورد شركة “عقبة” الأجهزة الطبية من الصين غالباً وفي بعض الحالات يجد احتياجه في المصانع التركية المتخصصة، ويقول إنه بصدد توسيع أعمال شركته لتشمل تصدير المعدات الطبية والأجهزة من تركيا إلى السعودية، موضحاً أن القوانين التركية تساعده كثيراً في هذا المجال، كما أن الشحن البحري من تركيا إلى السعودية رخيض جداً إذا ما قورن بتكاليف شحن البضائع من الصين، عدا عن الجودة العالية التي تتمتع بها البضائع التركية في هذا المجال.

وبكل سهولة ويسر استطاع افتتاح شركته في مدينة غازي عنتاب التركية، ومنحت له السلطات هناك إقامة عمل وتخفيضات على الضرائب مكنته من بدء العمل بشركته بسرعة لم يكن يتوقعها، الأمر الذي جعله يحسم أمره ويقرر الانتقال إلى تركيا بشكل كامل، وهو الآن ينتظر نهاية العام الدراسي الحالي لينتقل مع عائلته وأعماله إلى تركيا، وبات يخطط أيضاً لنيل الجنسية التركية التي يمكن للمستثمرين الحصول عليها.

* الجنسية

وبعد منح السلطات التركية جنسية البلاد لآلاف السوريين المتواجدين على أراضيها، وترشيح عشرات الآلاف أيضاً، يقول “هشام” مدرس اللغة الإنكليزية إنه يخطط للحصول عليها سعياً لتوفير مستقبل أفضل لأبنائه وبناته، فقد عايش معاناة حاملي جواز السفر السوري وإغلاق معظم الحدود بوجههم.

يشير “هشام” إنه يدرس عروض عمل في مجال تدريس اللغة الإنكليزية في مدينة إسطنبول، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن فرصة للتدريس في ولاية هاتاي حيث يقيم أقاربه. ورغم أن العروض لا تمنحه سوى نصف الأجر الشهري الذي يتقاضاه في عملها الحالي في المملكة، إلا أن امتيازات رخص المعيشة وإمكانية التعليم الأساسي والجامعي بالنسبة لأبنائه، والطقس الجميل والأهم الحصول على الجنسية، قد تجعل الكفة تميل لصالح القبول بأحد عروض العمل في تركيا.

* الفيزا أشبه بالحلم

لكن في المقابل، باتت العودة إلى تركيا حلماً بالنسبة للحاج أحمد جواش الذي غادر تركيا عام 2015 لزيارة ابنتيه في السعودية بموجب “كرت زيارة” وعلى أمل العودة في أقرب وقت، إلا أن سلطات البلاد أعادت العمل مطلع 2016 بنظام التأشيرات بالنسبة للسوريين، بعد أن كان دخول تركيا متاحاً لكل حاملي جواز السفر السوري.

يقول الحاج أحمد إنه غادر مدينته حماة أواخر العام 2012 بعد اعتقال دام شهرين في مفرزة المخابرات الجوية بمطار حماة، فرّ بعدها مع عائلته إلى مدينة الريحانية التركية، حيث نقل إليها خبرته في التجارة وأسس مركزاً لتوزيع المواد الغذائية بالجملة، لكن شوقه لأداء مناسك العمرة جعلته يقبل دعوة ابنته المقيمة في مكة المكرمة لزيارتها، وبالفعل سافر مع زوجته إلى هناك ليعلق حتى هذه الأيام دون أي حل في الأفق.

وفي اتصال مع الحاج جواش، قال لـ (مجلة رؤية سورية) إن الفيزا إلى تركيا تتطلب في الدرجة الأولى أن يكون مقدم الطلب حاصلاً على الإقامة النظامية في السعودية، وهو ما يفتقده نحو 70 في المئة من السوريين – بحسب تقديراته – فمعظمهم دخل إلى السعودية بطريقة مشابهة (كرت زيارة) كون المملكة أوقفت منذ العام 2011 تأشيرات العمل بالنسبة للجنسية السورية.

وما زال الحاج أحمد في مدينة مكة ينتظر أمل العودة ليس إلى سوريا فهي حلم بعيد المنال على حد قوله، ولكنه يأمل العودة إلى تركيا إلى ابنيه المقيمين هناك ويسيران أمور المحل الذي أسسه في الريحانية. لكنه يقول إن الفيزا إلى تركيا أصبحت أشبه بالحلم أيضاً بالنسبة له ولأمثاله من الزائرين في السعودية.

* تعليم بالمجان

امتياز آخر يجعل الآلاف من الشباب السوري يفكر بالتوجه إلى تركيا هو ما حصل عليه من سبقهم من فرصة للتعليم المجاني في الجامعات التركية، وحتى أن آلاف السوريين حصلوا على منحات دراسية تعينهم على نفقاتهم الشخصية خلال دراستهم، عدا عن منح الجنسية التركية لآلاف الطلاب السوريين في الجامعات التركية.

وعلى نقيض تسهيلات القبول الجامعي، يقول مختار السباعي إن الحصول على الفيزا حرمه من الالتحاق بالجامعة التي قُبل فيها هذا العام. فالشاب المقيم في قضاء بعلبك بلبنان زار بيروت أكثر من 20 مرة للحصول على الفيزا الدراسية التركية إلا أنه لم يحصل عليها.

وبات مختار على قناعة راسخة أن فرص التعليم هذه مخصصة فقط للمقيمين في تركيا، فرغم حصوله على قبول جامعي لم يستطع السفر إلى جامعته وتثبيت تسجيله، ويضيف في هذا الصدد “لكن لا سبيل للوصول إلى الجامعة، فقد أُغلقت كافة المعابر الحدودية بين سوريا وتركيا، وأصبحت طرق التهريب خطراً يهدد الحياة ويكلف أموال طائلة، ولم يبق لنا سوى السفارات التركية التي ندق أبوابها كل يوم”.

ويشتكي الطلاب السوريين الراغبين بالسفر من لبنان عموماً من معاملة موظفي السفارة التركية من اللبنانيين مع السوريين بالتحديد، فطوابير من الشباب والنساء والشيوخ والأطفال ينتظرون أمام السفارة في المطر والبرد، دون أن يسمح لهم الحراس بدخول بهو السفارة على عكس بقية الجنسيات الذين ينتظرون داخل المبنى.

Previous post

(الانتربول) يقبض على صالح مسلم في التشيك

Next post

هل يمكن تقديم طلب اللجوء لبلد أوربي بعد رفضه في آخر؟