Home»د.رياض نعسان آغا»د. رياض نعسان آغا: تظاهرات في إدلب ضد النصرة

د. رياض نعسان آغا: تظاهرات في إدلب ضد النصرة

4
Shares
Pinterest Google+

 

ذات يوم سألني أكبر مسؤول في سورية (لماذا يكرهنا أهل إدلب؟) قلت له بصراحة وصدق (لقد سألني كثير من أهل إدلب لماذا تكرهنا الحكومة السورية؟ فهي لم تقدم لنا أي مشروع مهم منذ الستينيات، ويبدو أن الموضوع فيه إشكالية تحتاج إلى فهم وإلى حلول سريعة).

 

د. رياض نعسان آغا – الفيحاء نت
لم يكن أهل إدلب قطّ يقبلون بالتطرف، فهم وسطيون، وأغلبهم محافظون ولكنهم منفتحون على ثقافات الكون كله، وفي مجتمعات إدلب احترام عريق وأصيل للتعددية، فمسيحيو إدلب يعيشون مع أهلهم المسلمين في انسجام تام، وهم من خيرة الناس أخلاقاً وطيبة، وصداقاتنا لا تفرق بين مسلم ومسيحي، والطريف أن أهم مدرستين إبتدائيتين خاصتين كانتا (مدرسة الفتح (لأستاذنا الشيخ نافع شامية) ومدرسة مسيحية (يديرها الخوري) وكان كثير من التلاميذ المسلمين يتعلمون في الكنيسة، كما يتعلم الآخرون في مدرسة الفتح، ولا يوجد أي فارق بين مسلم ومسيحي إلى اليوم، وربما عبرت إدلب عن هذا الانسجام الرائع حين بكت مؤخراً ابنها البار بها، الطبيب الكريم المسيحي الطيب (الدكتور فؤاد زيادة) رحمه الله، كما لم تبك سواه.

مظاهرة ضدّ جبهة النصرة في كفرنبل بريف إدلب – الفيحاء نت

وكذلك كان الأمر مع الشيعة في الفوعة وكفريا، والفوعة تلاصق (بنش) حيث اتصل العمران بينهما، ولم تحدث قطّ أية مشكلة بين الشيعة والسنة في المحافظة، وكان أهل الفوعة وكفريا أهلنا وأصدقاءنا على مر السنين، وكذلك كان الوضع مع أهلنا (الدروز) فثمة عدة قرى درزية حول إدلب تربطها بالجميع علاقات أخوة عريقة، وأحدهم كان مدير تربية في إدلب لسنين طويلة، وبات هو وسواه من المديرين الدروز أحباء منغمسين مع أهلهم في إدلب دون أي سؤال عن مذهب أو طائفة، ولم نشهد قط أي خلاف مع الدروز، وكانت أمهاتنا يرددن مثلاً شعبياً شهيراً يقول (كل مين على دينه، الله يعينه).

ورغم عدم وجود علويين في محافظة إدلب سوى في الغاب وفي المناطق الجبلية التابعة لإدلب قرب بداما، فلم يحدث قط أي خلاف مع العلويين، وللإنصاف أقول إن أهل إدلب، لم يحتفوا بمحافظ تولى أمرهم من خمسين سنة، كما احتفوا بمحافظ شاب تولى إدلب في الستينيات، وهو الأخ الفاضل الكبير (الأستاذ جميل حداد) الذي أحب أهل إدلب وأحبوه وبات صديق الجميع، وبات عونهم حين يحتاجون إلى عون بعد أن غادر إدلب وصار وزيراً، ويوم جاء مع نور الدين الأتاسي رئيس الدولة آنذاك لزيارة إدلب، حمل الناس سيارة الوزير (جميل حداد) على أكتافهم تعبيراً عن وفائهم له، ورئيس الدولة يتفرج.

وكان من خصوصيات إدلب، أن جلّ من يقدمون إليها موظفين من مختلف المذاهب والطوائف والمحافظات كانوا يقيمون ويبقون فيها لما يجدون في مجتمعها من الترحيب بهم، والإكرام لهم، والقبول بخصوصياتهم المذهبية أو الدينية، ولم تكن صراعات السياسة تفرق بين الأدالبة، وأذكر في مطلع شبابي أن السهرات العامرة التي تجمعنا كانت تضم المتدينين والملتحين والملحدين الوجوديين والماركسيين، والبعثيين، دون حقد أو كراهية، وكانت الحوارات الحارّة تنتهي غالباً بصينية شعيبيات أو كنافة، وتواعد على سهرة قادمة، لأن ما يربط الناس هو الانتماء الأصيل للوطن، والفهم العميق لخصوصيات الاختلاف والوعي لكونه سنة الله في الأرض (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين).

 

وحين جاء حزب البعث ليحكم سورية عام 1963، ابتعد أهل إدلب عامة عن هذا الحزب، رغم وجود أشخاص بعثيين كانوا يحظون بالاحترام من أساتذة وأطباء ومحامين ومثقفين، لكن الحزب سرعان ما استدعى السوقة والرعاع، وزودهم بالأسلحة وسماهم (الحرس القومي) وبات هؤلاء يستعرضون قوتهم في الشوارع، وجعلهم سادة المجتمع، بدل أن يستعين بمن يُجمِع أهل إدلب على احترامهم، وكان هؤلاء الرعاع يظهرون عدم احترام لعقائد الناس ولأديانهم وتقاليدهم، وكانوا يقترفون من الفواحش ما يرفضه الشعب في إدلب..

ومنذ السبعينيات ارتبط الحصول على عمل أو وظيفة بالانتساب إلى الحزب، فأقبل كثير من الشباب ينتسبون إليه، وهذا ما حوّل الحزب إلى حامل شعبي، يحتاج له النظام في التظاهرات والمسيرات، وتعبئة الولاءات.. وغاب عن الحزب البعثيون تاريخياً، وأذكر قول الشاعر سليمان العيسى (أحد مؤسسي الحزب) حين سألته عن سر ابتعاده، قال لي ضاحكاً (اكتفيت بالحلم وتركت لهم الحكم)..

ولقد حاول بعض الشباب المثقفين في إدلب أن يكونوا إصلاحيين، وأن يحسنوا الصورة، لكن سرعان ما اكتظت إدلب بالأجهزة الأمنية التي باتت تستقطب الولاءات لأجهزة الأمن، وللأسف غابت إدلب عن اهتمام الدولة، ولم تنفذ فيها أية مشاريع توفر عملاً لشباب إدلب، ولم يكن أمام الناشطين منهم غير الهجرة إلى قبرص أو اليونان، أو السعودية أو الخليج بحثاً عن العمل.

لقد عانت إدلب مثل كثير من المحافظات من الإهمال الرسمي الحكومي، ولم تنفع مطالبات أبنائها في لفت انتباه القيادة الفاشلة إليها، لإقامة مشاريع حيوية كبرى تسهم في التنمية، وذات يوم سألني أكبر مسؤول في سورية (لماذا يكرهنا أهل إدلب؟) قلت له بصراحة وصدق (لقد سألني كثير من أهل إدلب لماذا تكرهنا الحكومة السورية؟ فهي لم تقدم لنا أي مشروع مهم منذ الستينيات، ويبدو أن الموضوع فيه إشكالية تحتاج إلى فهم وإلى حلول سريعة)..

حين قامت الثورة السورية عام 2011 لبى أهل إدلب نداء درعا التي حوصرت وقتل العديد من أبنائها منتصف آذار (مارس) وسرعان ما اكتظت بأبناء إدلب معتقلات أجهزة الأمن، ولم يكن جرم المعتقلين سوى أنهم تظاهروا وطلبوا الحرية والكرامة، وسرعان ما انطلق الرصاص يقتل شبانها المطالبين بالحرية.. وبات المعتقلون يموتون تحت التعذيب.. وتلقى جثثهم أمام منازل أهلهم..

لذلك حين جاءت النصرة هلّل كثيرون للخلاص من سطوة النظام الظالم الذي قتل أبناءهم، واعتقل الآلاف منهم، وكان أهل إدلب يتوجسون من الرايات السوداء، ويرفعون علم الثورة، ولكن النصرة استبدت وبدأت تقاتل الجيش الحر، وتستقدم داعش، ولأن الجيش الحر تمكن من طرد داعش من إدلب، سارعت النصرة لقتل الشباب من الجيش الحر، وأنهكته، وكانت تلقى دعماً دولياً بالمال والسلاح، وبدأت تقدم أسوأ تجربة لتطبيق الشريعة، حتى إنني قلت مرة في لقاء السبت في دبي، وكتبت على صفحتي (أخشى من هؤلاء المتطرفين أن يجعلوا الناس يخرجون من دين الله أفواجا) لم تكن ثمة مثيل لتجربتهم في التخلف والفشل وسوء التدبير والتقدير، وفي إرهاب الناس باسم الدين سوى تجربة داعش، التي هي صنيعة مخابرات دولية، ولمامة قتلة ومجرمين لبسوا رداء الدين للتعمية على ثورة الشعب السوري، ولتقديم دليل دموي بأن هؤلاء هم ممثلو السنة، وهذا ما سيفعلونه إذا وصلوا إلى الحكم، وهذا ما عناه لافروف حين قال: (لن نسمح لأهل السنة أن يصلوا إلى الحكم في سورية).. وما يزال تنظيم داعش كامناً حول دمشق وفي بعض أحيائها، وفي جنوب درعا، في حماية دولية لاستخدامه عند اللزوم، كما تستخدم النصرة ذريعة لا يفهمها مئات الشباب المنتسبين المحليين لها، الذين يخدعهم نداؤها بشعار (لا إله إلا الله) ويغيب عنهم أنه مجرد ستارة لقتل الإسلام ذاته، ولتشويه صورته أمام العالم، وأنهم يستخدمون ضد الإسلام وليس لإحيائه، وأن القادة الأجانب في النصرة وفي داعش ينفذون مهمات مخابراتية، وبات على الشباب أن يفهموا ذلك، فحين تم طرد داعش سارعت دول عديدة لتسترد موظفيها وضباطها الذين لبعوا الدور بإتقان، وانتهى تنظيم داعش دون قتلى ودون أسرى ودون محاكمات في الدول التي عاد إليها الإرهابيون، وبقي الخليفة سراً، لا يسأل عنه أحد، أين ذهب؟؟ وأين اختفى؟؟ وهل سيظهر عند الحاجة الدولية إليه؟ ولست هنا في معرض الحديث عن داعش وعن تأصيل النصرة، وعن خروج قادتها من السجون السورية والعراقية، وعن أسرار ظهور أصدقاء أبي القعقاع قادة لإمارات إسلامية سرعان ما تمكنت، وقد سبق أن حذر النظام من ظهورها يوم لم يكن هناك أي حضور لشعارات دينية، وحتى قبل أن يدخل حزب الله للثأر من قتلة الحسين رضي الله عنه، ولحماية السيدة زينب رضي الله عنها، فهو يخاف أن تسبى مرتين، وقد جاءت إيران بكل جيوشها لتحمي السيدة زينب، من أهل السنة السوريين!..

المهم أن شعبنا في إدلب الذي خرج أمس واليوم في مظاهرات جريئة يطالب بخروج النصرة، يؤكد أنه أول من حارب الإرهاب في محافظته وطرد داعش منها، وسيطرد النصرة أيضاً، كما طردها أهل محافظة إدلب من عدة مدن وبلدات وأرياف، ولن يتوقف نزيف الدم، حتى ينال الشعب مطلبه السامي في (الحرية والكرامة)..

طوبى لأهل إدلب الشرفاء الأحرار.. وليتني كنت شاباً وبينهم، لأهتف معهم، ضد النصرة وضد الإرهاب، وضد النظام الذي دمر سورية وجعلها مستباحة لدول العالم كله، بحماقته ورعونته، وجنون العظمة التي أوصلته إلى العبودية أمام إيران وروسيا وإسرائيل.

Previous post

فنان فلسطيني: النظام يسرق خدعي السينمائية ويستخدمها ضدّ معارضيه

Next post

هيئة تحرير الشام تفقد نفوذها.. مظاهرات تعمّ إدلب