Home»ثقافة وفن»هند مرشد: البلد الوبيء

هند مرشد: البلد الوبيء

0
Shares
Pinterest Google+

هند مرشد – الفيحاء نت

قراءة في كتاب الهوامل والشوامل لأبي حيان التوحيدي..

أبو حيان التوحيدي هو علي بن محمد بن العباس البغدادي.. ولد في بغداد سنة 310 هجرية وهو من أعلام القرن الرابع الهجري لُقِّب بالتوحيدي نسبة لفئة المعتزلة الذين لقبوا أنفسهم بأهل العدل والتوحيد..

امتهن التوحيدي في يداية حياته مهنة الوراقة حيث كان ينسخ الكتب ويبيعها.. وقد أكسبته هذه المهنة الكثير من المعرفة وزودته بمختلف العلوم في كل شؤون الحياة.. لقبه ياقوت الحموي بفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة.

له الكثير من المؤلفات تؤرخ المرحلة الزمنية التي عاصرها ويصف فيها الحالة التي كان عليها الناس من مشاكلهم وهمومهم ومصاعب الحياة التي يواجهونها وقد تحدث في كتبه عن الفقر والغنى وعن الحب والكراهية وعن النجاح والفشل وعن الخيانة والأمانة وعن الإيمان والإلحاد وعن فساد السلطة والمجتمع.. من أهم مؤلفاته التي وصلتنا {الإمتاع والمؤانسة} و{البصائر والذخائر} و{الصداقة والصديق} و{أخلاق الوزيرين} والهوامل والشوامل وهو كناية عن كتابين في كتاب واحد.. كتاب الهوامل وهو عبارة عن أسئلة وردت على لسان التوحيدي يسأل فيها صديقه ابن مسكويه في موضوعات أدبية واجتماعية وسياسية.. فلسفية ودينية وأخلاقية ونفسية.. أما كتاب الشوامل فهو مجموعة الإجابات التي رد بها مسكويه على أسئلة التوحيدي.

والهوامل في اللغة تعني الحيوانات التائهة والسائمة من إبل وأغنام أهملها صاحبها فتاهت منه كما أسئلة التوحيدي التي حيرته وأرقته وبدأ عملية البحث عن إجابات لها.. فكانت الشوامل والتي تعني في اللغة حيوانات الحراسة التى تضبط رعي الإبل والنوق والأغنام فلا تتركها تتوه وإن ضاعت فهذه الحيوانات الحارسة مثل الكلاب تعيدها وتجمعها وتلم شملها من جديد وهي هنا.. شوامل لهوامل وإجابات لأسئلة..

يقول مسكويه في الأسئلة التي بعثها إليه التوحيدي: {قرأت رسائلك التي سألتني أجوبتها والتي بدأت بها فشكوت فيها الزمان واستبطأت بها الإخوان فوجدتك تشكو الداء القديم والمرض العقيم، فانظر إلى كثرة الباكين حولك وتأس إنما تشكو إلى شاك وتبكي على باك وكل أحد يتلمس من أخيه ما لا يجده أبداً عنده} ومن خلال هذه الأسئلة والأجوبة نكتشف المدن الوبيئة التي تحدث عنها التوحيدي في الهوامل.

مما يجعلنا نقف مذهولين من هذه المفارقة العجيبة حين نكتشف أنه كانت هناك مدن قائمة منذ أكثر من ألف سنة تشبه إلى حد بعيدة مدننا العربية في الوقت الراهن ليس من حيث الشكل وفن العمارة ولا من حيث الإغراق في القدم والحضارة.. بل من حيث التركيبة المجتمعية والسياسية والعلاقة المتبادلة بين الفرد والسلطة على اختلاف أشكالها وألوانها! فإما أن التاريخ يعيد نفسه.. أو أن آلة عبور الزمن هي حقيقة علمية وليست من نسج الخيال..! استطاع من خلالها العلامة العربي أبو حيان التوحيدي العبور إلى زمننا والعيش بمدننا، واطلع على ما آلت إليه أوطاننا من جهل وتخلف وانحطاط أخلاقي وديني ومعيشي واجتماعي وفكري وثقافي.. ثم عاد إلى زمنه وألف كتابه الشهير {الهوامل}… والذي تحدث فيه باسهاب عن ما أسماه بـ {المدن الوبيئة}..

ويقول: هي مدن الزمان الفاسد الرديء والواقع الأخلاقي المنحط.. إنها مدن الطغيان والعصيان والظلم والظلام والقمع والاستبداد… حيث يمارس فيها البطش والقمع في كل صوره وتجلياته السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.. وتتسم هذه المدن بكونها مدن الشر المقيت والترف المزري المهلك والفاحش، وأما مجالسها فهي مجالس النفاق والرياء والاستغلال.. وبعض سكانها ندماء اللحظة العابرة أو المصلحة المستعجلة.. ممن يبيعون ولاءهم بالمال والهدايا ويبيعون ضمائرهم لمن يدفع أكثر.. تستفحل في هذه المدن علاقات الرياء والخوف والكذب والنفاق والشقاق.. وتميزها المعايير الظالمة والزائفة.. وينتشر فيها التطرف على كل المستويات المعرفية والقيمية، وهي مدن لحظية يحكمها الآن العدمي بمعاييره المزدوجة والمتناقضة والجهالات المتراكمة والعبثية اللامعقولة والصادمة لكل منطق…..! والتي تهتز لها العقول الواعية والضمائر الحية والفئات المثقفة والتي تكون عادة مهمشة او منبوذة وبالتالي نجدها متقوقعة على ذاتها تمتهن الحياد وتحترف الخوف مما يدفعها إلى الحيرة والارتباك والكآبة والحزن واحيانا كثيرة للانتحار..! نتيجة إحساسها العميق بالغبن والتهميش وبالتالي بالبؤس و الشقاء الذي يعانيه افرداها من المثقفين وأصحاب المواقف الرافضة لهذا الواقع البائس الذين يعانون من قسوة العيش وانكسارات للروح وعذابات النفس بالتباس أحلامها وطموحاتها المحبطة..!ّ

هذا الاختلاف في السلوك والتعبير والتوق للتغيير للوصول لمجتمع مديني متحضر ورفض كل أشكال القمع والتسلط الفئوي والديني، بدأ يطرح نمطا لافتا من أنواع الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي.. وعي لا حدود له ولا أفق لتطلعاته وعي يكون فضاءه التمرد والعقل الحر.. ومنهجه الاصلاح والتغيير وصوته الفكروالمنطق والتعبير بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة، لتأسيس امكانيات الحوار الخلاق والحضور الإنساني الفاعل في التاريخ وبالتاريخ…. ذلك الحضور الابداعي الحيوي المختلف المتنوع والمتعدد.. والذي يسعى لتحديد صيغة اجتماعية أكثر رقياً واحتراماً لإنسانية الفرد.. حيث يمكن لهذا الفرد أن يتبادل الحوار الجدي والجدلي مع الآخر الاجتماعي دون أن ينسحق في ظل الجماعة الاخرى المسيطرة وحتمياتها ودون أن يخضع لقوانينها بحضورها التسلطي والرقابي والعدواني والهجومي..

هذا الحضور الواعي المنفتح والمتمرد .. الذي يفرز حالة خاصة لا تخضع للنظريات والقوالب اليقينية المطلقة التي يؤسس لها أعوان السلطان وأتباعه من مرتشين وفاسدين وانتهازين.. ولا تأبه بالمعايير المزدوجة المجحفة والمكرسة لمنفعة فئة صغيرة متنفذة على حساب الفئات الأخرى الكثيرة والمغلوبة على أمرها، حالة خاصة تتسم بنزعة إنسانية عالية وعادلة تتجه لخلق طابع نخبوي مثقف حضاري وفاعل يقلب الموازين ويشرع القوانين لتحقيق مجتمع حر وكريم.

Previous post

وفاة ريم البنا

Next post

التربية التركية ويونسيف تجتمعان مع معلمين سوريين لـ"إنهاء" مشكلة التسرب الدراسي