Home»ثقافة وفن»ثقافة»سورية و (الرماد الثقيل): الطائفية جذوراً ومصائر

سورية و (الرماد الثقيل): الطائفية جذوراً ومصائر

0
Shares
Pinterest Google+

حمود حمود – حكاية ما انحكت

كما أنه من الصعب التفكر بـ “الدين”، كهوية، أو قل كناظم مخيالي يربط بين جماعة ما (لا يهم ما إذا كان هذا الناظم يَنْظمُه ربّ أم لا)، من غير التفكر به طائفياً، فكذلك الأمر ينطبق على وجود الطائفية نفسها، والتي لا يمكن التفكر بوجودها من غير مجتمع طوائف. هل بالفعل أنه لا طائفية من غير طوائف؟

تتواجد الممارسة الطائفية فقط، بحكم التعريف، في مجتمع متعدد الطوائف. هذا بالفعل ما يبدأ به ويذهب إليه حسين شاويش في درسه المهم عن “الرماد الثقيل: الطائفية جذوراً ومصائر” (دار الفارابي، 2017)، والذي يرسم فيه صورة فكرية واسعة لرصد “الفكر الطائفي” (أو “البضاعة المغشوشة” كما يحب هو أنْ يطلق عليه) لأسماء وعناوين مختلفة خرج معظمها من عباءة الإسلام، أسماء: سواء أكتب لها المجد لأنْ تنال لقب “الطائفة” أو تلك التي لم يكتب لها أو ربما تلك الأسماء التي ربما يُحالفها الحظ يوماً وتنال لقب هذه البضاعة المغشوشة، كما هو حال الوهابية.

لا تشكّل سورية وطائفيات طوائفها عصب هذا الكتاب، بالرغم من عدم تمكن الكاتب تجنب حضورها بين تلافيف درسه، هذا إنْ لم نقل أنها وثقلها الطائفي الثقيل ربما كانت الدافع لهذا الدرس (وعلى أيّة حال، فإنّ هذا أمر هامشي). وطالما أنّ الكتاب، كما أراه، يمثّل دعوة فكرية صريحة لمواجهة سؤال هذا الرماد، فإنه يمكن من خلاله قراءة تفاصيل كثيرة فيما يخص العقدة الطائفية السورية بشكل خاص، وطبعاً هذا بعيداً الآن عن الجهاز الإيديولوجي السوري المثقف، الذي أثبت ببراعة المحتال أنه، بجزء كبير منه، عمقٌ من أعماق التطييف وإعادة تطييف المطيّف. ولا أدلّ على هذا أولئك الذين يصرون من داخل هذا الجهاز على تسييس الفكرة الطائفية وتحييد السؤال الأنثروبولوجي والديني عنها، مع العلم أنهم هم نفسهم قد أثبتوا، بعد ما يقارب سبع سنين على عمر الأزمة السورية، أنهم من الأعمدة الأيديولوجية في إعادة التطييف. شاويش لم تغب عنه هذه النقطة، والتي تعتبر من الركائز التي يدعو كتابه لتجنبها، أي التفكر بالطائفية خارج أسوار السياسة.

الأخذ بعين الاعتبار على أنّ الطائفية بكونها “موقفاً” (وهذا ما يشكل مقولة من مقولات الكتاب الرئيسة)، يقود الكاتب إلى تناولها على عدّة صعد تتعلق بالمستويات التي تطال تراكيب الهوية التي تخضع للتبدلات الاجتماعية والسياسية. الهوية الطائفية كذلك الأمر، والرأي لشاويش، تخضع أيضاً للديناميات التي تخضع لها بقية الهويات الاجتماعية. وإذا كنا نوافق على جزء كبير من هذا الدرس، فإنه لا يمكن تعميمه ونحن نقرأ اليوم الحاضر الطائفي السوري المعقد. اعتبار الطائفية على أنها “موقف”، يشي بالغموض نحواً ما؛ لكن، وبغض النظر عن هذا، فما يُفهم منه هو الطبيعة التحولية لـ “الموقف”، أو لـ”الهوية”. وإنْ كان هناك من فضيلة لهذا الحكم، فإنها تكمن في الرد على من يقول بحتمية هذه الهوية ولصقها وراثياً بالبيولوجيا وعلوم الوراثة (رغم أنّ هدف الكتاب لا يكمن هنا). المسألة عند شاويش تماماً عكس ذلك: إنها مرتبطة بشرط اجتماعي واقتصادي ودينامية سياسية…الخ، الأمر الذي يُمكّنها “ربما” من خلع هذا “الموقف”، إذا ما اقتضى ذلك الشرط التاريخي الذي يحتضن هذه الهوية.

هل ينطبق هذا التحليل على الشرط الطائفي السوري؟ بالتأكيد لا. أولاً، نعاود التأكيد أنّ هذا الحكم من شاويش دقيق، لكن إلى حدٍّ محدد وفي شروط محددة فقط. العامل الأنثروبولوجي الديني عامل جدّ معقد. ولنصارح أكثر: لقد أثبتت المتاريس والحروب الطائفية السورية فشل الكثير من النظريات والبحوث التي تتناول هذه الإشكالات الدينية الجمعية وعلاقاتها المعقدة والممتدة بل والمتداخلة بين الإثنيات والقبائل والأرياف المدن…الخ. لا يمكن الإقرار مع شاويش، مثلاً، أنّ “وجود الطوائف في ذاته لا يخلق بالضرورة حالة طائفية بل وليس كافياً وحده حتى في أسوأ الظروف إلى خلق تلك الحالة الصراعية” (ص 67). العكس تماماً هو الصحيح: وجود الطوائف يقتضي تماماً وجود “شريان طائفي” ما؛ إذ لا يمكن شدّ أعصاب الجماعة الطائفية، حتى تنال على الأقل لقب “الطائفة” من غير هذا الشريان الطائفي الذي يربط أفرادها. وبالفعل، فإنّ طائفية الطوائف السورية وتواريخها يثبت هذا العكس. ما أثبتته الأزمة السورية هو تماماً إعادة تسييس الثيولوجيا الطائفية وفق شروط تاريخية وسياسية جديدة. وإعادة التسييس هذه هي التي خلقت تلك الجماح الطائفية في شهوة القتل والشهادة التي تتسابق إليهما جماعات الإله والطوائف.

الكثير يمكن الحديث عنه حول عمليات إعادة تسيس الثيولوجيات الطائفية في سورية، لا تبدأ بالسياسات الجيو-بوليتيكة المندفعة وراء متاريس طوائفها للسيطرة والهيمنة الإقليمية، والتي تستخدم الطوائف كخزانات وقود لها، ولا تنتهي بتلك الفضاءات الفكرية الواسعة التي تتظلل بمظلات ما بعد الحداثة، والتي لا تتعب من الحديث عن حقوق وثورات الهويات الطرفية ضد تلك المركزية (وللمناسبة شاويش يستخدم مصطلح ما بعد الحداثة في سياقه، لكن من غير أنْ يضبطه معرفياً، ليبقى بالتالي مشوشاً إلى حدٍ ما)؛ هذا فضلاً عن عامل مهم يتعلق أساساً بالحركات الأصولية التي تنصب نفسها بكونها حماةً لأسوار الطوائف. كل هذه العوامل، وغيرها الكثير، قد ساهم بشكل عميق في أخذ المسار العنفي الطائفي في سورية إلى عنف ملاعب الشهادة والدم. أما القول من شاويش أنّ الصراع الطائفي يخضع بشكل عام إلى الصراع السياسي، لهو قول دقيق، لكن مع التأكيد، والحال السورية خير تأكيد، أنّ الحالة الطائفية هي الشرط الأنثروبولوجي الطائفي الذي يجب أنْ يسبق الصراع الطائفي. لنؤكد بنحو أدق: الشرط الديني بالأصل هو شرط جماعاتي؛ وحينما نحيل إلى الجماعة، فإننا نحيل، بالاقتضاء، إلى “جامعٍ واجب الوجود” مهمته الجمع بين أفراد الجماعة. هذا الجامع هو بالضبط ذلك الشريان الطائفي الذي سبق الإشارة إليه.

وبالفعل، فقد أعادت كثير من العوامل إعادة تشكيل هذا الشريان الطائفي في سورية وأخذه إلى جهات لا يخفى عنف شكلها على أحد. لست متأكداً إذا كان يصح وصف هذا الجامع الطائفي في حالة اللاحرب بأنه “الشريان الكامن” المتمترس فقط خلف الاعتقادات والأساطير الطائفية. لكن ما هو مؤكد في التجارب الدينية والأصولية (لو استعرنا من السوسيولوجيا الدينية التاريخية) هو الحاجة الملحة للأصولي الطائفي دائماً إلى ترجمة إيمانه (إيمانه بالطائفة، بالجماعة، بأسورها، بأصولها، بأساطيرها….الخ) إلى أفعال. وغالباً ما تظهر هذه الترجمة في أوقات الشدائد والأزمات؛ وهو الأمر الذي يصادق فيه الأصولي ويثبت فيه على أنه “ابن الطائفة”. من هذه الزاوية يمكن أنْ نقرأ صورة من صور الحالة الطائفية السورية، أو بنحو أدق الحالة الطائفية الكامنة، ولماذا تُرجم هذا الكمون إلى أشكال فاقعة بدمويتها.

لا أسوق هذه الكلمات نقداً ضد الكتاب. على الإطلاق لا. الأمر يتمثل فقط بتسجيل تعليق سريع، ربما يساعد في إضاءة الصورة أكثر، وبخاصة إذا ما أردنا تناول الأزمة الطائفية السورية. الكتاب من وجهة نظري يبقى من الدراسات القليلة الجادة التي تناولت الفكرة الطائفية وتعقيداتها مع أسئلة الهوية، مع أخذ أمثلة حركات دينية متنوعة (مثلاً طائفة الموحدين، البابية، الوهابية…) يميل الكتاب إلى قراءتها وقراءة نشوئها والشكل الذي نشأت فيه كما هو حال نشوء الطوائف الأخرى. كتاب حسين شاويش، كما أعتقد، سيساعد كثيراً في تقديم خطاب آخر بعيدٍ عن كثيرٍ مما قُدّم إلى اليوم.

ومرة أخرى، فإنّ المثال الطائفي السوري قد أثبت فشل كثير من النظريات الدرسية التي تناولت فسيفساء الطوائف المشرقية وربطها إما بحتميات تاريخية بيولوجية (مصيرها أنها طوائف وستبقى طوائف!)، أو تلك الدراسات التي لا تستطيع القراءة سوى من المنظور السياسي، وكأنه لا طوائف ولا طائفية لا قبل السياسة ولا بعدها.

Previous post

الأحد... الليرة تتراجع أمام العملات والذهب مستقر

Next post

التلغراف: أهم دليل على كيماوي وما دُفن في مكان سري