Home»ثقافة وفن»ثقافة»د. رياض نعسان آغا: الجواهري ومائة عام مع الشعر

د. رياض نعسان آغا: الجواهري ومائة عام مع الشعر

0
Shares
Pinterest Google+

رياض نعسان آغا – الفيحاء نت – من طيوب الذاكرة
حين مضيت إلى أول لقاء لي مع الجواهري، ساورني شعور بأنني ذاهب إلى لقاء مع أبي الطيب المتنبي، فشعرُ الجواهري ينتمي إلى ذات السدرة العظيمة التي كان من أفانينها الباسقة، أبو الطيب، وأبو فرات..
وأحسب أنه لم يكن يفصل بين الشاعرين عبر ألف عام، شاعر، في مثل قامتهما الشعرية، وإذا كان محمود سامي البارودي هو المقصود بقول بعض النقاد: انتهى الشعر العربي بعظيم وبدأ بعظيم، فإن البارودي كان يعارض أبا الطيب، ويبث الحياة في نهجه وأسلوبه و شاعريته وبلاغته، فأما الجواهري فقد كان صنوه، خرج من الجذع ولم يخرج من الأغصان..

د. رياض نعسان آغا

وأعترف أنني لم أكن أعرف الكثير عن الجواهري، وأنا ماض إلى لقائه في ذاك اليوم الذي تحتفي به ذاكرتي من أواخر السبعينيات..
كنت منبهراً بثورة الشعر الحديث، وكان جمع من الأقران يكتبون الشعر المنثور، ويتبادلون الإطراء فيما بينهم.
وكنت أكتم ضيقاً بكثير من الهراء الذي يسمونه شعراً، وكثيراً ما كان ينفجر صمتي لأصارحهم بأن من يريد أن يكتب الشعر الحر، عليه أن ينجح في امتحان الشاعرية، وأن يترك الوزن والقافية عن تمكن واقتدار، لا عن ضعف وافتقار..
لكن ذاكرتي كانت تردد مطالع القصائد الشهيرة للجواهري (رحمه الله ).. وأهمها في البال تلك التي كان لها دوي:

(أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ بأن جراح الضحايا فمُ؟)

وتلك المرثية الحزينة التي رثا فيها زوجته أم فرات :

(في ذمة الله ما ألقى وما أجدُ
أهذه صخرةً أم هذه كبدُ ؟
أعيا الفلاسفة الأحرار جهلهمو
ماذا يخبّي لهم في دفتيه غدُ)

وحين التقيت (أبا الفرات) بقامته المديدة، وابتسامته الودودة، وكان في أواخر السبعينيات من عمره وجدته يقبض على وهج الشباب حيويةً وصبوةَ نفس.. وقد دعوته إلى الغداء في أحد الفنادق الكبيرة، ودعوت الشاعر الكبير المرحوم (محمد الحريري) لأستعين بحضوره على مجالسة الشاعر الشيخ، فقد كنت يومذاك في الثلاثينيات من العمر، لكن الشاعر الشيخ، نظر إلينا ملياً، ثم طاف ببصره في فسحة المطعم الفاخر المزدان بالصبايا والحسان في شيراتون دمشق، وقال مداعباً بلهجته العراقية المحببه:

– شنو ها الحظ؟ أقعد معاكم والقاعة ملأى بالحسان!!
فإذا بشاعر الشام الظريف (محمد الحريري) يقول:
– أبشر..
وينهض مصفقاً، فيلتفت الناس إليه، فيخاطب الصبايا والحسان..
– يا صبايا.. أما تعرفن شاعر العراقين؟ شاعر العربية الضخم؟ أم أنتن تخجلن من القدوم للسلام عليه!!

وكان الحريري مرحاً خفيف الظل، مشهوراً في الشام بدماثة الطبع، ولطف المعشر، وسرعة البديهة، وحب النكتة، وكان بديناً (قبل أن يجبر نفسه على الريجيم الذي قتله) فانهالت الصبايا والحسان يتحلقن حول الجواهري وتقول إحداهن:
لقد صدنا عن السلام عليك الحياء.. ولكن قلوبنا سلمت عليك..

ويبتهج الشاعر الشيخ وتنطلق شاعريته ويتحول الغداء إلى احتفالية شعرية عذبة وقد اتسعت الحلقة حين انضم إلينا آباء الصبايا وأمهاتن يرحبون بالشاعر ويستزيدونه من شعره وقد آثروا ملء الوجدان على ملء البطون..

* كان وزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد (رحمه الله) قد طلب إليّ أن أستضيف الجواهري في لقاء تليفزيوني مطول، يكون وثيقة عن سيرته وحياته، فحين سألني الجواهري: كم ستكون مدة اللقاء؟ قلت: أرجو أن يكون لقاء طويلاً نعوض فيه للناس عن طول الغياب، قد يكون ساعتين وأكثر.. سنحاور ستين عاماً مع الشعر.. وإذا كان ذلك يتعبك فبوسعنا أن نسجل على مراحل..

قال الجواهري ضاحكاً: إن شئت أن يطيب الحوار، فلتكن في اللقاء مذيعة حسناء يفيض حضورها رقة ولطفاً وشاعرية.. (عيني، تريدني أقعد أقول شعر ساعتين وأنا امعن النظر فيك وفي الحريري!!) ضحكنا الحريري وأنا، وقلت حسناً، سأختار من المذيعات من ترغب أن تشاركنا الحوار.

وقد تدافعت المذيعات ترجون أن تكون لهن الحظوة في الحوار مع الجواهري الشيخ، وكنت حرصت على أن يكون معنا في الحوار التلفزيوني الشاعر (الحريري) كي أستعين بصداقته القديمة مع الجواهري على اكتشاف مجاهيل هذا الصرح الشعري الضخم الذي كان قد امتد حتى آنذاك على مساحة ثلاثة أرباع القرن (وسيتابع الجواهري بعد ذاك القرن كله) وكانت تحفزني نشوة الاقتراب من عالم شعري تجلجل فيه اللغة، وتصدح فيه الموسيقى، وتنطق فيه الصور، وتعترك فيه الأحداث، وتختزن فيه الذاكرة، حكاية التاريخ العربي كله، ويتسع فيه الوجدان، لفيض مشاعر الإنسان.

وقد حدثني الجواهري عن ولادته في النجف، وعجبت من ضيقه من الذين يزيدون في عمره عاماً أو عامين، فقد أصر على أنه لم يولد سنة (1898) كما يزعمون (يريدون أن يكبروني ثلاث سنوات ونيف) والمفارقة أنه جعل من سنة ولادته إشكالية تحدث عنها الكثيرون، ولكن ألطف ما كان في الحديث أنه استعاد أمام الكاميرا أجزاء ضخمة مما حفظه قبل سن التاسعة، وهو من شعر الجاهلية ومن شعر الإمام الرضي، ومن نهج البلاغة، وقد سألته عن سبب تسميته (الجواهري) فحدثني بإسهاب عن أسرته العلمية العريقة وعن انتسابها إلى كتاب ألفه جده، فجعل عنوانه (جواهر الكلام) فصار القوم آل الجواهري وحدثني عن ارتدائه العمامة قبل (القبعة التي اشتهر بها) وعن مشاركته في ثورة العشرين، ثم عن شغله الأول في بلاط الملك فيصل الأول، ثم عن انتقاله إلى الصحافة حين غادر النجف إلى بغداد، حيث أصدر عدداً من الصحف مثل (الفرات) و(الانقلاب) ثم (الرأي العام) وكانت صحفه توقف وتلاحق، فقد كان دائماً في صف المعارضة رغم انتخابه مرات رئيساً لاتحاد الكتاب ونقيباً للصحفيين في بغداد..

ثم حدثني عن لجوئه إلى لبنان، وعن الملاحقة له في بيروت، ثم عن اضطراره للهجرة إلى براغ، حيث أقام قبل أن يجعل محطته الأخيرة في دمشق، ومن طرائف ما روى لي الجواهري أنه في مرحلة نضاله ضد نوري السعيد، نشر في جريدته قصيدة يهجوه فيها، وكانت من عيون الشعر، فأصدر نوري السعيد أمراً باعتقال الجواهري وبإيقاف الجريدة.. وقال أبو فرات:


– كنت أتوقع أن يصدر نوري السعيد أمراً باعتقالي، فذهبت أختبئ عند صديق قديم لي، وقد أفرد لي الصديق مخبأ في قبو مهجور من منزله المنزوي.. وترك عندي طعاماً وهاتفاً.. وقال:

– يا أبا فرات .. ستبقى وحدك في الدار، وهذا هاتف لا يعرف أحد رقمه.. لأنه مهجور مع الدار.. فإذا رنّ فارفع السماعة ولا تتكلم.. حتى تسمع صوتي لأنني سأتصل بك وأطمئن عليك بين الحين والحين..
وبعد حين.. رنّ الهاتف، فرفعت السماعة، ولم أتكلم حتى أسمع صوت صاحبي، فإذا بصوت نوري السعيد ينسل عبر الهاتف، وهو لا يغيب عني.. يقول:
– اعرف أنك لن ترد.. وأنا لا أتصل بك لأقول لك إنني أعرف أين تختبئ.. أنا أتصل بك لأقول لك: (أما_ خوش _ قصيدة يا أبا فرات)
قال الجواهري: ضحكت .. لأن إعجاب نوري السعيد ببيان القصيدة وروعتها أنساه حقده عليّ.. ولكنني رغم ذلك غيّرت المكان..?
ومن الطرائف التي رواها لي أبو فرات رحمه الله، وكنت أتحدث عن إعجابي بصبوته (وأغمز إلى نفسه الخضراء رغم المشيب) وأثني على همته العالية وتدفق نشاطه وهو في سن الشيخوخة، قال ضاحكاً: (حين كنت في براغ.. كان ولدي قد تجاوز الخمسين من العمر، وقد مرض ذات يوم، فسكن في طابق أرضي كيلا يتعبه السلم في الصعود، فلما عاده الطبيب أوصاه بالراحة والسكون، ولكن الطبيب سمع هرجاً ومرجاً وموسيقى صاخبة، ووقع أقدام راقصة، تنبعث من الطابق الأعلى الذي يلي البيت فقال لمريضه:

– يحسن أن تبلّغ جارك الذي فوق بأن يخفف هذا الضجيج، وإن كنت لا تعرفه وأنت الغريب، فبوسعي أن أحدثه، وأن أعلمه بأن جاره مريض..

قال المريض لطبيبه: بل أعرف جاري هذا معرفة طيبة.. وسأطلب منه أن يكف عن ضجيجه ، وعن صخب الرقص والموسيقى لديه.. إنه أبي يا سيدي الطبيب.. ?
وقد أدهشتني ذاكرة هذا المبدع الكبير، فقد زرته حين كان يعدّ قصيدته الشهيرة (جبهة المجد) وكنا نستعد لإقامة حفل ضخم في مسرح الحمراء في دمشق سيلقيها فيه.. فقلت له، وكانت أواصر المودة قد نمت ما بيننا:
_ طمّني يا أبا فرات هل ولدت القصيدة؟
قال: نعم.. لقد انتهيت منها اليوم.. وها هي ذي بين يديّ..
كان بين يديه قصاصة صغيرة من الورق لا تزيد على بضعة سنتيمترات قلت:
أين القصيدة؟ قال: هذه.. ومدّ يده بها إليّ.. فأخذت القصاصة.. فإذا فيها بضع كلمات هنا وهناك.. قلت: لا أكاد أفهم شيئاً.. هنا.. (شممت) وهنا.. (وما وجدت).. ماذا يعني ذلك؟
تبسم أبو فرات وقال: هكذا أكتب شعري.. تولد القصيدة في ذاتي فتختزنها الذاكرة، وهذه القصاصة لكي أتذكر مطالع الأبيات خشية أن يفاجئني النسيان، ولعلي كنت أول من سمع القصيدة من الجواهري وفيها يقول:

شممت تربك لا زُلفى ولا مَلقا
وسرت قصدك لا خبّا ولا مَذِقا
وما وجدت إلى لقياك منعطفا
إلا إليكِ وما ألفيت مفترقا
وكان قلبي إلى رؤياك باصرتي
حتى اتهمت عليك العين والحدقا
قالوا دمشق وبغداد قلت هما
فجر على الغد من أمسيهما انبثقا
دمشق عشتك ريعانا وخافقة
ولمِـّةً والعيونَ السود والأرقا
وكان قلبي إلى رؤياك باصرتي
حتى اتهمتُ عليك العين والحدقا

إلى آخر القصيدة، وحين وقف يلقيها أمسك هذه الوريقة الصغيرة، فكانت هي ديوانه..
وقد امتدت الصلة بيني وبين الجواهري حتى أواخر أيامه، وكنت أحرص على زيارته في بيته في حي الروضة في دمشق، لأستقي من ينبوع الشاعرية والثقافة العريقة الأصيلة، وقد أجريت معه حواراً متلفزاً آخر في أوائل الثمانينيات.. ولكنني انقطعت عنه حين اعتزل بعد أن ألمّ به المرض، وفترت عنه الهمة حتى التقيت به مصادفة في رحلة ضمتنا معاً إلى مهرجان الجنادرية في السعودية عام 1994 وقد صعد إلى المنبر في قاعة الملك فيصل رحمه الله وهو على أبواب المائة من العمر، فجلس متعباً يلقي شعره، وليس في يده ورقة يقرأ فيها، إلا أن ابنه كان يقف خلفه، فيذكره أحياناً بمطالع الأبيات..

كانت ذاكرة الجواهري، عميقة الصلة بعبقريته، وكان يعرف قدر نفسه، فوراء ذاك التواضع الدمث، زهو واعتداد، يضاهي زهو المتنبي.. وقد سألته مرة في حوار على شاشة التليفزيون.
– من شعراء العرب الكبار يا أبا فرات؟
صمت.. وسرح.. وقال:
– لا تحتاج الأمة إلى شعراء كثيرين.. فالإنكليز يذكرون شكسبير، والألمان يذكرون غوته.. وأحياناً شيللر، وكذلك الروس يذكرون بوشكين.. والفرنسيون يذكرون هيجو ولا مارتين.. يعني.. ما أدري كم يحتاج العرب من الشعراء!!
قلت – وقد أحببت أن أخلصه من حرج الاعتداء:
– هل تسمح لنا نحن العرب أن نعد المتنبي والجواهري .. وشوقي؟.. ثم من يا أبا فرات؟
– قال: والله عندكم في سورية شعراء ممتازون .. وأثنى على شعرائنا الثلاثة الكبار (بدوي الجبل وعمر أبو ريشة ونزار قباني).. ولست أدري أكان ذلك الثناء مجاملة للشام.. أم قناعة من شاعر يضاهي أبا الطيب في قوله:
(فدع كل صوت غير صوتي فإنني
أنا الطائرالمحكي والآخر الصدى)؟؟..

وقلت : ألا تشبه مائدة الشعر مائدة الطعام؟ لكل لون مذاق، ولكل مذاق متعة ؟
– والطريف أنني سألت السؤال ذاته للشعراء الكبار.. فكان نزار الوحيد الذي اعترف بشاعرية الجميع حين قال لي: ( أنا من أمة إذا وخزتَ شريان أي مواطن فيها ستخرج لك من الشريان قصيدة).

– وكان الجواهري يحب أن يكرم وأن يدلل، فإن أكرمته فهو سخي في الثناء، فقد امتدح في ديوانه أحد أصدقائنا وثبت القصيدة في الديوان، تعبيراً عن امتنانه لمعروف (بسيط) قدمه له الصديق، وذكرني ذلك بالقصيدة الدينارية لأبي الطيب.. وهذه المفارقة يشترك فيها الشاعران الكبيران أبو الطيب وأبو الفرات.. فكلاهما يكيلان المديح دون حساب، فإن نفرا، فهما نزقان عصبيان، وما أسهل أن ينقلب المديح إلى هجاء.

– وحين توفي أبو فرات، في السابع والعشرين من يوليو عام 1997، كان قد عاش قرناً من الزمان أو كاد.. وأحسسنا جميعاً أن الشعر العربي الأصيل بات يتيماً.. ولا ندري كم من الزمان ستنتظر الأجيال حتى يولد شاعر كبير في حجم أبي الطيب وأبي الفرات وقد أتيح لي في حفل تأبين الشاعر الراحل الضخم في دمشق، أن ألقي كلمة اتحاد الصحفيين العرب (وقد كان الجواهري نقيباً للصحفيين في العراق دورتين بدءاً من عام 1959) وكنت أسمع دقات قلبي وأنا أرتجل الكلام وجلاً وحزناً، وأسى على رحيل عبقري الشعر العربي.

Previous post

حملة أمنية تشنها تركيا في مدينة أضنة

Next post

واتساب ينفذ تغييراته.. تحكم "غير مسبوق" للمستخدمين