Home»ثقافة وفن»ثقافة»د. رياض نعسان آغا: محمد الشيخ علي… شاعر رحل  كي يولد

د. رياض نعسان آغا: محمد الشيخ علي… شاعر رحل  كي يولد

0
Shares
Pinterest Google+

د. رياض نعسان آغا – الفيحاء نت

يفجعني رحيلك

لأنك غادرت قبل أن تشرق  شمس  الحلم، ويصير حقيقة ..

بقيت وحدك معتصماً بجبلك، تنتحي زاوية منه في كنصفرة

كنت حارس الجبل، وعينه التي لاتغفو

ولسانه الذي يغني للأبد

كنت تكتب الشعر  لأمة عشقتها

لكنها كانت في غرفة الموت السريري

فلم تكن قادرة  على احتضانك

وأنت ظلمت نفسك

ذات يوم قبل نصف قرن  قلت  لك هامساً

أنت من ذرية  المتنبي

أنت شامخ مثل جبل  الزاوية

تخبئ كل حكاياه في قصائدك

لكنني اتنبأ لك بأن  يكون لك  شأن في الفن كبير

لكني أرجوك  أن تخرج من الزاوية

لقد انطفأت الأضواء في إدلب منذ أن غاب الأزهر الصغير  كما كان اسمها..

حتى حلب  الكبرى سرق الضوء منها

فهيا إلى دمشق،

 ثمة ضجيج إذا علا فيه صوتك  صمت الأدعياء

لكن صمتك طال،

وها أنت بعد أن (كبرنا  وضاع العمر) تعترف  بخطأ  قسوت فيه  على نفسك،

وها أنت تسألها (فما معنى  السكوت   بحضرة الأشواق؟)

كنت الصامت الذي لم يتوقف  قط عن  الغناء ، و عن البكاء حزناً لما أصاب  أمتك من هوان  ، ولأول مرة تشكو من الفناء الذي حل  بجبل الزاوية، وبإدلب  وشقيقاتها، وحل بكل سورية، حتى اضطررت بعد عنادك  للرحيل ، كنت بحاجة إلى فضاء أوسع، حيث  تشع الأضواء ، فتكشف للناس عبقرية شعرك..

أذكر ما قلت لي  في آخر حديث بيننا  على الهاتف قبل  عامين ( أخيراً اضطررت مرغماً أن أخرج) وقرأت قولك (أحبائي، لأن الأرض ضيقة نسافر  نحو واق الواق)..

لم تبح لأحد بسر تمسكك بالأرض  التي ولدت فيها..

حتى قامت الثورة فانكشف السر، عاد جبل  الزاوية حصن الثوار كما كان يوم هنانو  يقهر فرنسا في سفوحه وقممه، عاد الرحم الذي يلد  العزة والكرامة والكبرياء ليخصب الحياة.. صارت (كفرنبل) حديث  واشنطن  ونيويورك، ولندن  وباريس.. وعاد صوتك هديراً في قمة  الجبل.

كنت منذ مطلع السبعينات تبهرني بقدرتك على ارتجال الشعر ..

نعم ، فثمة عبيد للقوافي، وثمة أصحاب  الحوليات، ينتظرون ولادة القصيدة حولاً كاملاً، لكن  قصائد  المتينة  تنثال من شفتيك، فلا خطأ فيها ولا وهن، ملأى بالعذوبة التي تتدفق  منها  موسيقى تطلقها نفس وهبها الله البيان ، وكنت لا تلمك أن تمسكها، ولا  أن تبتعلها في جوفك … كانت تنساب كالماء وقد به  يغص به من كان عطشانا فارتوى وفاض ..

هذا يوم موتك، لكنه يوم ولادتك..

هكذا نحن في دارنا الأول يا صديقي نهتم بالموتى، لكنما اليوم  يتحدث عنك  من أحبوك  بصمت.. ومن أعلنوا محبتهم قبل عقود.

كنت  تعشق  الشعر، و لا تهتم  للشهرة.. أخلصت للفن  وحده، وكنت الجوهرة الثمينة  التي تحب أن تبقى مكنونة، يبحث عنها عشاقها، وهي أمامهم، لكنها في صندوق في جوفه صندوق، وفي حرز يحتاج إلى كلمة  سر، لايعرفها  إلا الخبراء من العشاق، وكان سرك  غامضاً ومرمزاً ، وقد سرني أن تبوح  بعد أن خرجت مضطراً:

(أحبائي، لأن غموضنا مرض سأترك لهجة الترميز  والإغراقْ )

آه يا صديقي  محمد!!

كم يحزنني ألا يعرف العرب،  بأن محمد الشيخ علي ، شاعر ضخم ، يقف  في الصف الأول بين عباقرة الشعر العربي في القرن العشرين!!

ومن ذا مثلك يرتجل  الشعر ، كما يرتجل  عازف العود أو  الكمان لحنه الجديد ، تقوده إليه الأفكار والمشاعر والأوتار؟

كان محمد الشيخ علي يعتكف في مركز ثقافي ناء في قريته البعيدة المختبئة  في حضن طبيعة ساحرة في كتف  من جبل  الزاوية ..

كان رهين محابس الطبيعة والقهر ..

ولكن صديقه الشعر  كان يغنيه عن الدنيا وما فيها..

لروحك التي تغادرنا اليوم ، سماء لاحدود لها ، وفضاء لاحدود له ، ستنشد  فيه أعذب أشعارك ، لن تحتاج هناك إلى كاميرات  التلفزيون ، ولا إلى  صفحات  الجرائد ، أحسب أن الشعراء الذين صفت أرواحهم من مكائد دنيانا ، سيخرجون في موكب مهيب لاستقبالك …

سيشد على  يدك المتنبي  ويهمس لك ( أنت من خيرة أبنائي يامحمد ) ..

سيقترب منك المعري وقد بات مبصراً ليقول  بصوت رخيم ( كم أنا فخور بك  يا ابن ضيعتنا !! ) .

أما  أبن الرومي  وقد ذهبت عنه الغيرة فسيلقاك ضاحكاً وهو  يغمم: ( آه منك  أيها الساخر مثلي ، أأنت الذي قلت ما لم أقله تسخر من زمانك ، ومن بؤسك ومن شقائك :

إني امرؤ شؤم وأنحس كل فالْ

 أمي بُعيْد ولادتي

 مرضت بأورام الطحالْ

 وأبي تعرض لاعتقالْ

 وأخي رآه مقيداً

 فبكى وبالْ

 عمري بعمر الاحتلالْ

 وختنت في يوم

 فكان الانفصالْ

.. وبعرسي الميمون قد

 عبر اليهود من القنالْ

 وحججتُ للبيت العتيق

 فعاث فيه أبو رغالْ

أحببت فاتنةً فماتت بغتةً

 ولأن شخصاً كاد يشبهني

 تدلى عنقه تحت الحبالْ

.. يا نحس هل لك من زوالْ؟”»

لن  أكتم روحك  سراً يا صديقي  الشاعر

كنت أحسب  أني  سأرحل  قبلك

وكنت أوثر أن ترثيني ، لا أن أرثيك ..

رحمك الله ، وأسكن روحك فسيحاً من جنته ..

تغرد فيها  ، ويلتم حولك  المبدعون ، وتجد فيها ما صبوت إليه

من الحرية ، ومن الكرامة ،

وما عند الله خير  وأبقى ..

Previous post

بعد الاغتيالات... حكومة الإنقاذ تطالب بتسجيل السيارات

Next post

قونيا: سوري يقتل مواطنه انتقاما لمضايقات شقيقته