Home»مقالات رأي»مشعل العدوي: في فقه الترفيش والتعفيش

مشعل العدوي: في فقه الترفيش والتعفيش

0
Shares
Pinterest Google+

مشعل العدوي – الفيحاء نت

في معجم لسان العرب: رفش -رفشه رِفشاً أي أكلهُ أكلاً شديداً، قال رؤبة: دقّاً كدقِّ الوضمِ المرفوشِ.
ويُقال: أَرْفَشَ فلان إذا وقع في الأهيغَين: الأكل والنكاح، ورفش البُرَّ رفشاً: جرفه
عفش: في المعجم الوسيط: العُفاشةُ من الناس من لا خير فيهم
وفي لسان العرب: عفش: عفشه يعفشهُ عفشاً: جمعهُ وفي نوادر العرب: به عُفَاشةٌ من الناس ونُخاعةٌ ولُفاظةٌ، يعني من الخير فيه للناس (ابن منظور الإفريقي).

وهناك عشرات المعاني التي تصب في ذات المعاني للترفيش والتعفيش وجميعها تذهب إلى كل ماهو تحت ودون والمرفش والمعفش لُغةً هم سفلةُ القوم.
استفاق السوريون في السنوات الأخيرة على أمر ظنوه جديداً وماهو بجديد ولكنه بات أكثر وقاحةً، والتعفيش هو فكر ومنهاج عمل قامت عليه الدولة السورية منذ عام 1963 إذ أن أساس وجوهر فكر البعث قائم على التعفيش ولهذا الغرض بالتحديد تم تحويل كل مؤسسات الدولة وقوانينها إلى أدوات للتعفيش حتى كان عام 1970 وانتقلت سوريا فعلياً من نطاق الدولة المحكومة بمؤسسات رسميه إلى نطاق العصابة المحكومة بالمعلم والخال وأصبح الموظف السوري يعمل لدى المعلم وليس في تلك الدائرة والوزارة، وحين كان يسأل أحدهم الآخر عن عمله يسأله من معلمك، فالضابط والوزير والمدير والمهندس جميعهم تحت مسمى معلم، والمعلم هنا ليس بصفته المهنية لتعليم الآخرين مالا يعلمونه وإنما لإصدار التعليمات المخالفة للقوانين والأنظمة.

منذ وصول حافظ الأسد للسلطة بشكل رسمي وفعلي كان أول مافعله هو تعفيش الجيش أكبر وأهم مؤسسة حكومية حين اتفق مع أخيه رفعت على تشكيل سرايا الدفاع خارج سيطرة وزارة الدفاع والأركان العامه للجيش والقوات المسلحة وبحجة حماية (الآمرية) رئاسة الأركان رغم اعتراض وزير الدفاع آنذاك حسين السويداني الذي قضى في سجون الأسد مايقارب الربع قرن بعد ذلك.

بعد ذلك بعام أصبح لدينا مسمى جديد للجيش العربي السوري وهو (جيش أبو شحاطه) وذلك ليميزه الناس عن سرايا الدفاع التي تحظى بكل الإمكانيات من حيث الآليات والسلاح والسكن واللباس والصلاحيات والنفوذ، ففي حين كان كل أربعة ضباط أمراء في الجيش السوري يتناوبون على سيارة (جيب واز) مهترئة وتعود للحرب العالمية الأولى كان ضابط صغير في سرايا الدفاع يقود سيارة بيجو فرنسية حديثه والضابط الأكبر سيارتين وثلاث وأربع حسب قُربه من المعلم أو الخال.

لم يكتفي رفعت الأسد ذراع أخيه اليمنى الضاربة الطويلة بالجيش فاتجه صوب الجامعات فعفش الأكاديميين وقام بإنشاء رابطة لهم بعد أن حصل على دكتوراه وهمية من موسكو وبدأ في مسيرة تهميش العلم والجامعات والسيطره على القرارات المهنية في أروقة الجامعات من خلال تعيين أصحاب الحظوة في المراكز الهامه والمفاصل الحساسة في أروقة الجامعات السورية، واستمر الشقيق المفوض بعمله هذا حتى فكر ذات يوم أن يعفش أخيه حافظ قبل أن ينفيه خارج البلاد (وهذه قصة طويلة).

قبل كل ذلك وفي بداية مرحلة التحول من الدولة الى العصابة كان هناك تعفيش الدستور وتعفيش الدولة من خلال الدستور حيث كانت المادة الثامنة التي عفشت كل سوريا بما فيها وللخمسين عاماً اللاحقة، إذ أنها المادة التي أعطت مطلق الصلاحيات لحزب البعث ليقود الدولة والمجتمع، أي أن هذه المادة جعلت من قائد البعث إلاهاً لا يرقى أحد لرفض أمره أو حتى نقاشه وبهذا فقد عفش حافظ الأسد المجتمع السوري بأحزابه وساسته وقادته الدينيين والاجتماعيين والتربويين والشعراء والأدباء والتُجّار والصناعيين والفلاحين وأصبح الجميع موظفاً عند كبير الآلهة ومكانة كل واحد فيهم هي بمقدار تقربه من المعلم والتصفيق له والموافقة على فكره العظيم النيّر.

حزب البعث من أوائل المؤسسات التي تم تعفيشها:
إذ حول الزعيم مؤسسات الدوله الى أفرع عصابة كانت لها أشكال كثيره وأهمها الأذرع الأمنية التي كانت بمثابة المقود الذي يستخدمه الزعيم في قيادة الدولة والمجتمع، فقبل عام 1970 كان ممنوعاً على الرفيق البعثي أن يفشي أسرار الحزب للجهات الأمنيه وأن لا يُخبر أي عنصر أمني عما دار في الاجتماعات الحزبية وكانت النظره هي أن الأمن في خدمة الحزب وليس الحزب في خدمة الأمن، بعد عام 1970 تم عكس الآية تماماً فأصبح الحزب في خدمة الأمن بل أن الجهات الأمنية هي من يختار قادة الحزب من أمين حلقة وحتى عضو قيادة قطرية، وبقدر ما يكون الرفيق البعثي مقرباً من المعلم أو الخال يترقى في صفوف الحزب ولكن عليه دائماً أن لا ينسى حجمه الحقيقي، نعم لقد تحول الحزب إلى قاعدة جمع بيانات عن المواطنين السوريين لصالح قيادة الأجهزة الأمنية حيث كانت هذه الجهات تطلب دراسات وبيانات عن الأشخاص المرشحين إلى أي عمل من أمناء الفرق الحزبية لتقوم الأفرع برفع هذه الدراسات للقيادة في دمشق لاتخاذ القرار.

-تعفيش رسمي وبمراسيم جمهورية علنية:
كثيرون لا يعرفون بأن حافظ الأسد كما وريثه القاصر كان يشغل منصب رئيس الوزراء فهو الوحيد الذي يملك حق تسميتهم وعزلهم أما ما يُسمى رئيس الوزراء في سوريا فهو مجرد سكرتير وصلة الوصل بين الرئيس والوزراء إذ أنه ليس بمقدوره تسمية أحدهم او عزله وهكذا عفش الرئيس الحكومة عن بكرة أبيها.

ولَم يسلم القضاء من التعفيش حين سمى الرئيس نفسه رئيساً لمجلس القضاء الأعلى وهو أعلى سلطة قضائية في البلاد وهو من يسمي ويعزل رئيس المحكمة الدستورية، ربما هذا يكون أقرب للخيال لكن هذه هي الحقائق منذ عام 1963 ليومنا هذا وهذا سرد قصير لم نأتي من خلاله على تعفيش القضية الفلسطينيه ولبنان وعلى الموافقه على تعفيش العراق وعلى تعفيش مفهوم القومية العربية.

يبقى المؤلم فيما حصل في التعفيش الوقح الذي حصل في السنوات الماضيه هو ذكريات الناس مع أمتعتهم الشخصيه وليست القيمة المادية للأشياء، أما سوريا الوطن فكانت تُعفش كل صباح ومنذ عقود.

Previous post

وفد تركي يدخل إلى ريفي إدلب واللاذقية

Next post

حزب الله: مستعدون للمشاركة في حكومة الحريري