Home»ثقافة وفن»رواية (بيت حُدُد) بين عالم الثورة وعالم السلطة

رواية (بيت حُدُد) بين عالم الثورة وعالم السلطة

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – صالون سوريا

يثير اسم الرواية التباساً أوّليّاً، فهل الرواية تتحدث عن إلهٍ أسطوري، أم عن دمشق وسورية، وما يعتمل بها بدءاً من ثورة 2011؟ الرواية تريد قراءة السنوات السبع الأخيرة، فلماذا الإله حدُدُ؟ أزمنة الرواية ليست خطية وتبدأ بالتاريخ السابق الذكر وتتصاعد، بل هي تتعدد بتعدد شخصياتها، وبتعدد الأماكن وبالاستطرادات الكثيرة، والتي لا يجد المرء سبباً مقنعاً لوجودها في حبكة العمل الروائي، كالإسهاب عن حياة فيديل في بريطانيا وزواجه المتعدد، أو في دبي كفصل الشم أو الحلاج مثلاً.

فضاء رواية بيت حدد متغيرٌ بتغير الشخصيات فهو تارة لندن، وتارة دمشق، وتارة دبي، وهكذا. بل يتغير مع تغير الحوار وفصول الرواية. المكان هذا، تنقلنا فيه الرواية بين الماضي والحاضر، فحين يعود الدكتور أنيس من لندن لبيع بيت خاله، باعتباره الوريث الوحيد، ويتعرف على أهمية البيت من خلال المحامية سامية والشاعر “الفاشل” والسياسي المعتقل عيسى، والباحثين الذي جلبتهم سامية لتقييم منزل خاله من الناحية التاريخية والمالية؛ حينها يعود بنا الروائي إلى أزمنة وأمكنة قديمة، ويستعرض ذلك بإسهاب كبير، وبحديثٍ طويل عن بيت حدد وسيف الإله حدد، والذي لا يُقهر أبداً من يحمله، ويفترض بالرواية هنا أنها تسرد أصل الإله “الماضي” ليكون عوناً للثورة السورية “في الحاضر”، ولكن ذلك لا يحصل؟

نجد الإله حدُدُ ثانية في الجامع الأموي، حينما تذهب إليه الدكتورة ليل، المخذولة من زوجها وأسرتها، حيث تتعرض لمحنة كبيرة، بسبب دعوة عشاء ومشاعر عاطفية مفاجئة وقبلة وحيدة على جبل قاسيون. مشكلتها تبدأ مع مراقبة الأمن لها من قبل عناصر الطبيب سابقاً وضابط الأمن لاحقاً عباس جوهر، ومن ثم تسريب المعلومة لكل من الدكتور سعد الدين وزوجها عادل، وهنا تصبح ليل مخذولة من الجميع، وعليها أن تدفع ثمن ذلك لزوجها وترضي شهوات الدكتور سعد الدين، والذي يَعدُ زوجها بشراكةٍ في مشفى جديد، وسيعود عليه بأموالٍ طائلة. الإله حدد أيضاً يوجد له مقام في الجامع الأموي، والذي تخرج منه مظاهرة للإطاحة بالنظام. لندقق هنا: فبيت خاله يصبح مكاناً لخلية من الشباب الثائر، ومن الجامع تخرج مظاهرة كذلك، وبالتالي ربما أراد الكاتب هنا إيجاد رابط بين المكانين، والقول إن الإله حدد يثور مجدّداً، ولا بد أن ينتصر. طبعاً نهاية الرواية تعاكس تماماً أهمية الإله حدد؛ فالمنزل يباع من قبل الدكتور أنيس لرجلٍ إيراني “كراماني” وكأنّ الكاتب يريد القول لقد فشل الإله حدد حامي دمشق، واستولى الإيرانيون على البلد؛ هنا يبدو في الأمر تناقض، فكيف يفشل الإله حدد في الوقوف مع أهل دمشق وينصرهم؟

تسير الرواية بعدّة خطوط سردية، وتتحكم بها شخصيات أساسية وهي الدكتور أنيس من ناحية، والمخرج الإعلاني فيديل/فضل من ناحية أخرى. تعيش الشخصيتان خارج سورية وتعودان لأسبابٍ مختلفة. أنيس لبيع منزل خاله، وهنا يتعرف على التاريخ والثورة، وواقع البلاد الغارقة بالفساد والطائفية والهيمنة الإيرانية، وتنشأ علاقة حب مع المحامية سامية تبقيه في البلاد، ويعايش سنوات الثورة، وتحولها إلى مسلحة، ولاحقاً إلى مناطق محكومة من أصوليين متطرفين وجهاديين أكثر تطرفاً. فيديل المتخم بالملذات في دبي، له حكاية أخرى وتتطوّر علاقته بليل لتكون عشقه الحقيقي وكذلك تبادله ليل ذلك في دبي وتعود لاحقاً إلى سورية لتنقذه من داعش، ولكنه الأخير يقتله بينما يتم تهريب ليل، وتكون قد حملت في أحشائها ابنا لها وتنجبه في لندن وتسميه فيديل. قد يستغرب القارئ كثرة السرد الخاص به؛ فمنذ لحظة ولادته لأبٍ شيوعي وأم تقليدية عائلتها متدينة، الأب ذاك يتعرض للاعتقال، ويخرج لاحقاً مهيض الجناح، وينتحر أخيراً. فيديل يسميه والده على اسم فيديل كاسترو، ولكن والدته وأخواله يسمونه فضل، لأنه وُلد سليماَ ولم يمت أو يكون بمرض كأخوته. استطرد الكاتب هنا، فهو يلاحق فضل منذ ولادته، وكيف تتصارع الشخصية الدينية والعلمانية داخله. لا أعرف لماذا هذا الاستطراد بشخصية فيديل، رغم أنه لا ينتمي إلى الثورة، بل وحتى حينما عاد في المرة الثانية ليخرج عنها فلماً ويكفر فيه عن مجيئه الأول لسورية من أجل تغطية إطلاق مشفى لكبار رجالات السلطة! وحتى في زيارته الثانية هذه، يقبل عرضاً من تنظيم داعش ليخرج له أفلامه وإعلاناته؛ أي أن فيديل يمثل ذاته ولا يمثل نموذجاً للمجتمع أو للثورة، ولكن دون شك شخصيته وفقاً للرواية محبوكة بشكل متميز، وخطها الدرامي ليس متضارباً.

الدكتور أنيس بدوره ليس له دور فاعل في الثورة، وكل ما عاناه بسبب علاقته بالمحامية سامية. يتم اعتقال أنيس في المرة الثانية بسبب زيارته إلى سامية في الغوطة بعد أن اضطرت للهرب خوفاً من الاعتقال. سامية محامية علوية، وباكتشاف أن علاقة الدكتور والمحامية ليست شرعية أي زواج، يتم تهديدها وكذلك وبوقتٍ أخر، تهّدد لأنّها علمانية وعلوية؛ يعود أنيس لدمشق فيُقبض عليه، وهنا لا يخرج أبداً من الاعتقال إلا بصفقة تبادلٍ، وذلك بعد أن يمضي أوراق بيع بيت حدد للإيراني السيد كراماني. طبعاً أنيس يتعرض لتعذيب وحشي، ثم يُجبر على العمل مع شخص اسمه الشيف، والذي سيُقتل لاحقاً كما يرد في آخر الرواية، وتُلصق به تهمة “إرهابي يمارس تجارة الأعضاء البشرية”، وذلك لأنه يجرد السجناء من أعضائهم الداخلية، ولصالح مافيات في السلطة؛ فيتدبر الشيف له صفقة يبيع بموجبها المنزل، ويبادله بسامية التي أصبحت معتقلة لدى جماعة متطرفة ربما النصرة، فيسلم أنيس لداعش ويُطلق سراح سامية.

الحقيقة أن الرواية لا تقارب الواقع قبل الثورة إلّا من زاوية السياسة، ولهذا توثق للمظاهرات الأولى ولمن قام بها، وكيف بدأت الثورة في الداخل والصفحة التي حاولت إدارتها من الخارج؛ ولكن تلك القضايا لا يتم التطرق إليها إلا بشكل عرضي وهامشي، وعبر جمل محدودة في بعض فصول الرواية؛ كالكلام عن الجفاف ووجود ثلاثة ملايين سوري مفقر في الرقة وكذلك عن بيع العقارات في درعا، وكذلك مجموعة الشباب في بيت حدد وهم يناقشون أوضاع الثورة وتغطيتها، ولاحقاً من خلال المجموعة الثورية التي تذهب إليها سامية، ولاحقاً تذهب ليال إلى مجموعة أخرى لتصل إلى فيديل عند داعش.

تكاد لا تظهر أسباب ما قبل الثورة وفعاليات الثورة في الرواية. فلنلاحظ مثلاً المجموعة التي تستقبلها ليال في منزلها؛ فهناك عباس الطبيب وقد أصبح ضابط أمن، وعادل زوجة ليال ولا علاقة له بالثورة بشكل مطلق، وكذلك عيسى وسامية وزوجة عباس؛ المجموعة هذه تفرقها انتماءاتها للثورة أو السلطة. ورغم محاولة رسم شخصيات روائية أساسية كسامية وعيسى مثلاً، وشخصيات سلطوية كسعد وعباس، فإن الرواية لا تقنعنا بأنها تقدم أسباباً للثورة؛ لا نتكلم هنا عن الواقع الحقيقي بل عن الواقع الخيالي الذي يصنعه الروائي.

صحيح أن الدكتور سعد الدين فاسد، وطائفي، وعباس ضابط أمن ومنحاز للسلطة، والاثنان يعملان مع الإيرانيين كما أوضحت الرواية، لكن الرواية لا تقدم أسباباً كافية لانطلاقة الثورة وتطوراتها؛ وهنا تفشل خيوط الرواية في تقديم أفكار وتصورات مقنعة للثورة ولتطوراتها. ولنلاحظ مثلاً الخطأ الذي يقع به الكاتب، فيقول إن كل ضابط في الأجهزة الأمنية ليتم ترفيعه من عقيد لرتبة عميد يجب أن يخضع لدورة دينية ويجب أن يكون علوياً، فبينما لا شيء من هذا الأمر صحيح بالواقع؛ فهناك احتكار لقيادات الأجهزة الأمنية لأفراد محددين من الطائفة العلوية، ولكن ذلك لا يتم بعد دورة دينية.

تتضمن الرواية كلاماً على لسان شخصياتها وتتناول قضايا كثيرة تخص الثورة وتطوراتها، وكثير منها مكتوب بشكل تقريري، وحينما يسرد الروائي قصصاً تخيلية تظل بعيدة عن إقناعنا كأسبابٍ لاندلاعها، كما الحال حين يسرد واقعة كتابة الأطفال على الجدران في درعا، والحريق الذي يشتعل بسبب ماس كهربائي، ثم يتطور الأمر نحو اعتقالات الأطفال، ويليه سرد كيفية بدء الثورة في درعا. كان بإمكان الرواية أن توثق أو تقدم الأمور بشكلٍ تقريري وبشكل أدق، ولكن هذا أمر صعب على من لم يعايش الثورة في سورية. إن المراوحة بين التقريري والتخييلي لا يُقدم لنا أية أفكار جديدة أو حبكة قصصية أو إثارة للقارئ تدهشه أو تفرض عليه متابعتها بشكلٍ حثيث. ربما كان الكاتب يريد عرض الواقع، ولكن ذلك ظل هامشياً لأن الكاتب لم يتطرق لأسباب الثورة كما ذكرت، والواقع الذي كان يعيشه الناس، ولم يظهر ذلك على لسان الشخصيات بكل الأحوال؛ بل لا نجد شخصية واحدة تمثل مدينة درعا مثلاً.

يهرب الروائي عبر تقطيع عمله إلى فصول، وربما هذا أمر أكثر عملية كي لا يكون نصاً متصلاً، ويقوم بدلاً من ذلك بكتابة روايته على شكل مشاهد سينمائية. وهو ما يُسهل له القطع والوصل والانتقال عبر الأزمنة والأمكنة والشخصيات بسهولة بالغة. أقصد هنا أن الرواية تتطلب التفصيل بينما السينما تكتفي بالتكثيف، فهي قائمة بذاتها، بينما النص السينمائي ليس كذلك.

يخطئ الروائي بتسمية روايته ببيت حدد لما عرضناه أعلاه، وليس من شخصيات تمثل الثورة إلا نادراً وتحديداً سامية وعيسى. ولكن الرواية ربما تقدم لنا نصاً يوضح بعض ممارسات السلطة، وما فعلته. ربما يمكننا القول إن الرواية تمثل عالم السلطة أكثر مما تمثل عالم الثورة، وذلك من خلال السرد الطويل عن المحامي وعباس وسعد والشيف وعمران وحتى فيديل.

الرواية صادرة عام 2017، وعن دار الآداب اللبنانية، ورُشحت لجائزة بوكر عن القائمة الطويلة للروايات،. كاتبها الشاعر والروائي والإعلامي السوري فادي عزام.

Previous post

مايا... فقدت قدميها فانتعلت الأواني المعدنية (شاهد)

Next post

أردوغان يفصح عن خطته حال فشل حزبه بالحصول على الأغلبية