Home»ثقافة وفن»ثقافة»هند مرشد: مواسم القهر (الجزء الخامس: موسم الرحيل)

هند مرشد: مواسم القهر (الجزء الخامس: موسم الرحيل)

0
Shares
Pinterest Google+

هند مرشد – الفيحاء نت

وحدهم اليائسون يتقنون الرحيل.. يرتبونه بين أولياتهم على رفوف الأمنيات.. الرحيل حلم مستقطع من مساحات الواقع القاسي الذي يطحن القهر والفقر حبيباته الملونة.. ينسجون تفاصيله ويسرفون في تخيله.. الرحيل تحايل  على استقرار بارد وأمان يخاتل الخوف المزروع في الأعماق لحياة ساطعة الشحوب وسنوات محفوفة بالوجع وأيام موشومة بالأنين.

وحدنا نحن الفقراء نرتب تفاصيل رحيلنا.. تهاجر بنا الغربة تضعنا على كتفها وتجوب بنا دروب الحنين.. نترك مدننا التي فقدت ملامحها فضاعت تضاريسها ومحت رياح الحرب حدودها.. مدننا التي أصبح الغياب فيها هو من يحصي أسماء من بقوا من أهلها على أرصفة الموت المعلق أو المؤجل.. مدننا التي بات الأمان ينسل من بين أصابعها كحبات الرمل.. وباتت أحلامها حكايا رطبة يغسلها الوجع وبات الحزن يلون وجهها وينساب بحضوره اللافت المتناغم من تقاطيعها.. وبات الخوف ينسل من عيونها التي قرّحتها الدموع وأثقل جفونها الانتظار.. وبات الموت يضرب بصمت أحلام المتوهمين بحصولهم على هدايا الحياة ويمنحهم حقائب السفر التي تُكمل تفاصيل الهرب.. ويُعلن بتذاكٍ غبي حضورهم المطفأ.

وحدنا نحن البائسون.. بأجسادنا النحيلة ووجوهنا المرتبكة نحاول التمرد على زحمة الخيبات برسم أحلامنا المسجونة في أقفاص الليل المتلهفة للتحليق بسماء الأمنيات العذبة.. التواقة للحظة ارتواء من نبع صباح طال انتظاره.. نزيّن صدور الأمسيات بعقود ملونة من الأحلام، لا تلبث أن تنفرط حبة إثر حبة هاربة من كوابيس كثيرة محتملة تصنعها قسوة الليالي التي ترقب صحونا وتمنع النوم من زيارتنا.. ونبقى نحن المصابون بلوثة الغياب المغموسة بلوثة الرحيل.

تلك الأماكن المنتحبة على قاطنيها الذين غادروا هربا من قحط الأحلام بحثا عن مواسم فرح تليق بمعاناتهم، تلك الأرصفة التي اشتاقت لعبور عشاقها تقضم أطرافها الندية الفارغة من حنين الأقدام وشوق الأحذية التي كانت تزرعها بالمشاوير.

الرحيل يعني أن نعتق الخوف في خوابي الغربة.. ونروج للذل بنكهة السفر.. ونغلف الجوع بغصات الشبع.. ونزين الهجران بشرائط العودة.. ونزرع الانتظار في حقول اللقاء.

الرحيل وليمة حجارة في قدور بلا قاع وأوان بلا غطاء.. خبر تافه في صحف غير مقروءة.. وجنازة حافلة لموت رخيص.. و في النهاية لا أحد منا سينجو من لوك صخور القهر ومضغ تراب الخيبة.. ونحن لاهين بالبحث عن أسباب حياة متبقية قد تطول وقد تقصر.. بالبحث عن أمل يليق بغد لم نعد نملكه.. وعن خلاص لا نعرف إن كنا نحن سندركه أم أنه هو سيدركنا.. وعن سعادة لا نعرف إن كان الموت سيمهلنا لنعيشها.. رغم أن الموت لم يعد مشكلتنا الحقيقية بل حياتنا بوضعها الحالي هي المشكلة الحقيقية حين يرتكب القلق من الآتي كل يوم مجزرة بحقنا دون أن ندري.. وحين لا يعود سوى الموت أو الرحيل هما الخياران الوحيدان المتاحان لنا.. وتجدنا في أحلامنا نحرس الغياب وما بقي لنا من آثار الحياة.. وفي صحونا نحصي عدد الباقين على قيد الأمل.. نحصي أطفالنا المشردين في حدائق المدينة كشتلات الورد.. وفي الشوارع كأشجار صغيرة دون جذور.. مجرد أغصان وبراعم، غصن أطول من غصن وبرعم متفتح أكثر من البرعم الآخر، ونخاف عليهم من قذيفة عمياء قد تقتل كل البراعم وتقتلع كل الشجيرات.

حضور بطعم المرار.. ورحيل محلى بالأحلام والأوهام.. نهاجر وفي جعبتنا صور من نحبهم محفورة بضراوة على ميناء ذاكراتنا المثقوبة.. وبقايا حكايات تلتقط البسمة وثرثرات ترصد الضحكة.. ننثرها في منافي الحنين ونرسمها على مراكب الشوق أشرعة لعناق طويل مع الشمس.

تخدعنا الحياة حين تعطينا كل شيء وتسرق منا الأمان.. حين تهزأ بنا وتجعلنا نبحث في جيوبها عن أقفال سعادة نسينا مفاتيحها مع من هاجروا وفارقوا وسافروا وتركونا لعتمة الحنين وشوق الأماكن.. وتخدعنا الطرقات حين تأخذنا إلى كل بقاع الأرض كلاجئين و منبوذين ولا تعيدنا إلى الوطن.. ويخدعنا الموت حين يسلبنا أعمار من نحبهم ويبقينا أحياء نفتقد وجودهم ونترحم عليهم.. ويخدعنا الغياب حين ينتزع أولادنا من أحضاننا ويوزعهم في الشتات لا مأوى ولا طعام ولا أمان.. ودون ان يترك لهم أملاً بالعودة ولا أمل لنا في الذهاب إليهم.. وتخدعنا الأيام حين تعطل أحلامنا ولا تترك لنا سوى كؤوس من اليأس والحرمان.. نربط أحزاننا بأحلام لقاء لا عروة لها.

في غياب من نحب.. نقضم آخر رغيف من ذكرياتهم.. نعد مقاعدهم الفارغة على مائدة الطعام.. واللقمات الهاربة من ضحكاتهم التي باتت سراباً.. نعد صحونهم الفارغة قبل العشاء وبعد العشاء.. ونحصي عدد الملاعق التي لم يتسن لها عناق أصابعهم .. وعدد السكاكين التي طعنتنا بنصل غيابهم وجرحت أرواحهم وأرواحنا بحد الغربة. نحصي ونعد ونتعب من العد.. ويتوقف الزمان عند زاوية غيمة هطلت قبل الغروب على آخر معاقل الياسمين منذرة بطوفان الرحيل.

ويبقى الرحيل شريكاً للنبض داخلنا.. وتبقى عيوننا تائهة كزوارق الصيادين التي ضربها الإعصار لا أمل بنجاتها ولا طريق لها لتلوذ بالفرار.

Previous post

قمة مرتقبة بين ترامب وبوتين

Next post

دولة الإمارات تمد يد العون للنازحين في الجنوب السوري