Home»ثقافة وفن»ثقافة»هند مرشد: بين الخيط والحلم

هند مرشد: بين الخيط والحلم

0
Shares
Pinterest Google+


هند مرشد – الفيحاء نت
من المفارقات العجيبة التي نختبرها في حياتنا.. هي أننا حين نكون صغاراً نحلم ونزين الأحلام ونطرزها بكل ألوان السعادة.. نحلم بأشياء كبيرة كثيرة ومستحيلة..

رغم يقيننا بأننا عاجزون عن تحقيق أبسطها وأقلها استحالة.. إما بسبب ضعفنا أو فقرنا أو صغر سننا.

وحين نكبر ونتجاوز منغصات الفقر والحاجة وضيق الحال.. ويصبح بإمكاننا تحقيق بعض ما حلمنا به ونحن صغار إن لم يكن معظمه.. تفاجئنا الحياة بحقيقة صادمة وهي أننا فقدنا القدرة على الحلم.. أو أن تحقيق تلك الأحلام لم يعد هاجسنا.. أو ربما لأنها لن تحقق لنا السعادة المرجوة التي كنا ننتظرها.. لنكتشف أن الأحلام تتغير وتتبدل وفق الحاجة إليها وأن ما كان يسعدنا ونحن صغار لن يسعدنا ونحن كبار.. وأن لكل مرحلة من مراحل العمر أحلامها الخاصة وأن الحلم هو حاجات نريدها وتنقصنا.. نحاول التعويض عنها بالحلم.. نحلم بالبيت حين نكون بلا مأوى.. نحلم بالطعام حين نكون جياع.. ونحلم بالغنى حين نكون فقراء.. وحدهم الفقراء يتقنون صناعة الأحلام الضيقة.. يفسحون لها طريق الخيال لتعبر.. يربطونها بخيطان عجزهم ويمررونها من خرم إبرة.. ينسجونها بنول ضعفهم قطبة إثر قطبة.. ويطرزونها بصبرهم دمعة إثر دمعة.. تتراكم الخيوط حتى تصبح كبيت عنكبوت في كهف رطب..

وتجتمع القطب حتى تصبح كثوب رث في خزانة قديمة.. وتتكاثف الدموع حتى تصبح كحبات مطر في جوف أرض قاحلة.

وحدهم الفقراء يصنعون من مواويلهم العذبة أحلامأً هشة تعوض يتمهم الغائر في القلوب.. ويرسمون بألوان باهتة صوراً للفرح يمتص اصفرار الحزن من عيونهم.. ويحلقون بأسراب أمنياتهم الخفيفة كاليأس في فضاءات انتظار لا ينتهي.. يسرقون من سطوع الشمس شحوب النهارات ومن احتراق النجوم لهيب الأمسيات.. يلملمون في سلال الوهم طحالب أقمار نبتت على وجه السماء.. ويبعثرون على مساحات العتم امتداد الظلال ودهشة الضوء.

وحدهم الفقراء.. يُلبسون العوز ألوان قوس قزح.. يعرون اللحظات من بؤسها.. يكسرون إيقاع الزمن بأهازيج تراقص المستحيل.. ويواجهون هلع الإعصار بترنيمات تقطع وحشة الموج وطوفان المرافىْ.

كنا ثلاث بنات صغيرات.. لم ينبت زغب أجنحتها بعد.. ولم تقلم مقصات الحياة أظافرها.. يغالب النعاس أجفاننا.. ونحن ممسكات بتلك الأبر الدقيقة.. لنخيط تلك الياقات والأكمام لكنزات الصوف الثقيلة.. التي كانت توزعها علينا أمنا تعطي لكل واحدة منا الكنزة التي تناسب مقاسها ليكون حجمها ملائماً أحجامنا المتفاوتة فالكنزات الصغيرة لأختنا الأصغر والمتوسطة لي والكبيرة لأختي الكبيرة التي تجاوزت الخامسة عشرة من عمرها.. وحين كانت الإبرة تنخر أناملنا الطرية.. كنا ببراءة نمضغ نقاط الدم عن أطراف أصابعنا.. لكي نوقف نزفها ونمنع سقوطها على تلك الكنزات الثمينة التي ستباع في المخازن الكبيرة لقاطني الأحياء الراقية والبيوت الفاخرة.

كنا نجلس ثلاثتنا في الركن الضيق من الغرفة الصغيرة الباردة.. الخالية من كل شيء إلا من دفء أحلامنا.. وسخونة أحضاننا التي كانت تمنحنا إياه تلك الكنزات التي كنا نضمها بشغف.. لكن سرعان ما كان يغادرنا ذلك الدفء اللذيذ وتلك السخونة بعد انتهائنا من العمل.. ذلك الدفء الذي وإن بقي منه شيئاً فأنه لم يكن كافياً لطرد الصقيع الذي يغزو أطرافنا العارية.. تحن أمي علينا بغطاء سميك.. وهي تجمع ما أنجزناه من الكنزات التي خيطنا لها ياقاتها وأكمامها.. تطويها باهتمام بالغ وترصها فوق بعضها في كيس كبير من الخام الأبيض.. الذي يحتل مكانته المميزة في الركن الآخر من الغرفة.. تلحظ في عيوننا التعبة جوعاً لشيء آخر غير النوم.. تدخل المطبخ و تعود بثلاث قبعات من الخبز الأسمر مرشوش عليها القليل من الزيت والزعتر.. تناول كل واحدة منا لفافتها.. نقضم منها قضمة واحدة.. بل قضمتين.. يأمرنا سلطان النوم بأخذ اغفاءة قصيرة.. نتكىء على بعضنا وكأننا قططشاردة حاصرها البرد في زقاق مظلم.. نتلاصق ببعضنا أكثر علنا نحظى بمزيد من الحرارة الهاربة من تحت الغطاء الوحيد الذي يدثرنا.. ويسدل النعاس أجفاننا المرهقة.. واللقمة التالية عالقة في الفم.. تنفض أصابعنا القابضة على لفافة الخبز.. لتبقى راحة يدنا محتضنة لها بحنان خشية أن تنزلق منها.. مابين الإغفاءة والأخرى.. يوقظنا صوت أمي: لا تنسين أن تكملن طعامكن يا بنات قبل أن تنمن.. نعاود الكرة.. قضمة أخرى.. وقضمتين.. والتعب ملء العين.. و ما هي سوى لحظات قليلة و يسرقنا النوم.

ونستسلم لأحلامنا الصغيرة.. فنحلم بسرير ناعم مريح.. بنار مدفأة لا ينطفأ حين تشتد الريح.. بوسادة من ريش نعام.. بسجادة من صوف الأغنام.. أو حتى حصيرة.

نحلم بأرجوحة من حديد أو حتى من حبال.. بدمية نصنعها من قماش أو حتى من صلصال.. نحلم بكوب ساخن من الحليب.. مع كعكة بنكهة القرفة محشوة بالزبيب.. لا يهم إن حصلنا عليها قبل طلوع الشمس أو حتى بعد أن تغيب.

Previous post

دفعة جديدة من السوريين فى طريق العودة لبلادهم من لبنان

Next post

تركيا.. القبض على 4 سوريين بتهمة الانتماء لداعش