Home»ثقافة وفن»ثقافة»الأمير الحسن بن طلال: المصير الثقافي للأمة

الأمير الحسن بن طلال: المصير الثقافي للأمة

0
Shares
Pinterest Google+

الأمير الحسن بن طلال – العرب اللندنية

هل اللغة، الوعاء الثقافي والفكري والحضاري، عامل مشترك في تقريب المكونات الديموغرافية الأساسية لمنطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، أم أنها عنصر تفرقة وانعزال بيئتها؟

يذكرني هذا السؤال بالاقتباس الشهير الذي ينسب إلى برنارد شو، “إن أميركا وبريطانيا دولتان يفصل بينهما حاجز اللغة”.

وإذا تمعنّا في اللغة الحديثة المستخدمة في وسائل التواصل الاجتماعي نرى كثيرا من مفرداتها ومصطلحاتها قد تتحول إلى صورة للتعبير عن الإعجاب أو الاستنكار، الضحك أو البكاء، التحية أو الهجاء، والتي تذكرنا بالرسوم الهيروغليفية المنقوشة على حجر رشيد، والذي ساهم في فك طلاسم لغة الفراعنة القديمة.

تشير الإحصائيات إلى أن استخدام الرموز التكنولوجية الحديثة أصبح اليوم يفوق استخدام اللغات الصينية والإنكليزية والإسبانية، وأضيف هنا “استخدام اللغة بشكل عام”. كما تشير الإحصائيات إلى أن تأثير التكنولوجيا امتد ليشمل العلاقات بين الأشخاص.

واللغة المتعارف عليها هذه الأيام هي لغة الحرف والصورة، والشكل البياني ولغة الأرقام، وكل واحد منها له استخداماته الأنسب حسب النصوص العلمية التي نلجأ إليها لنقل الفكر والأدب، والمواقف والتجارب ولكنها مهما تنوعت، فإن الأساس في اللغة هو التواصل الإنساني.

وإذا بدأت اللغة في الانقراض وتعرضت للتآكل بسبب الهجوم عليها من حضارات منافسة أخرى، فسيبدو المحتوى الفكري وقد صاحبته لغة متراجعة ويبدأ في التآكل والتضاؤل محدثا شرخا عميقا في وجوده كله.

لقد بدأنا نلحظ أن الأعمدة الأربعة المكونة للأمة في الشرق الأدنى وهي الفرس والأتراك والأكراد والعرب باتوا يؤكدون على هويتهم الخاصة في التمسك بلغتهم الخاصة على حساب اللغة الجامعة لهم والتي جعلتهم من أكثر المساهمين في الحضارة الإنسانية والعلوم الحياتية والثقافية والفلسفية والفكرية، ألا وهي اللغة العربية.

ولم تكن الفارسية أو التركية أو الكردية لغات مضطهدة، ولا ممنوعة، ولكن أصحاب هذه اللغات كانوا على أتم الإدراك والوعي بأن اللغة العربية لغة القرآن القادرة على احتواء عدد غير محدود من المفردات التي جعلت قاموس اللغة أوسعها وأعمقها.

وفي حين كتب عمر الخيام وابن الرومي باللغة الفارسية، فإن ابن سينا والخوارزمي والحسن بن الهيثم والرازي والنيسابوري كتبوا علومهم باللغة العربية. وترى نفس التوجه عند استخدام الكردية أو التركية ولو دخلت إلى مكتبة توب كابي واطلعت على فهارس المجلدات التي تحتوي عليها لرأيت أن ثلاثة أرباع المخطوطات فيها قد كتبت باللغة العربية، لغة القرآن، والباقي قد صيغ باللغة التركية وأقل من ذلك بالفارسية.

وخلال قرون التميّز العلمي قدمنا للعالم إنتاجنا الفكري باللغة العربية والترجمات لكتب الإغريق والهندوس والبوذيين في العلوم والإنسانيات إلى اللغة العربية. ودعونا لا ننسى إسهامات اليهود العرب الثقافية الذين كان غالبيتهم يعتبرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من الثقافة العربية الإسلامية وساهموا في تأسيس مجالس اللغة العربية.

وفي العصر الحديث، انكب الكثير من القساوسة في لبنان والمشرق العربي على تعلم اللغة العربية والإبداع فيها، والترجمة من الحضارة الأوروبية بلغاتها المختلفة إلى العربية على أساس أنها رمز هويتهم كعرب، ووعاء حضارتهم الإسلامية الغالبة.

الاعتراف بلغات الهويات المختلفة صار جزءا من شرط البناء في الدولة الواحدة، والاستغراق في إبراز الهوية الفردية ولغتها سيؤدي مع الوقت إلى إسقاط اللغة الجامعة من قواميس هذه الهويات الفرعية، مما يجعل اللغة العربية حائطا فاصلا بينها وليس عنصر وحدة وتجميع في ما بينها.

وعندما تعرضنا لهجمات الاستعمار، تعرضنا لغزو ثقافي أوروبي استهدف كل مكونات حضارتنا الجامعة ليحولنا إلى ثقافات فرعية متنازعة، وجماعات متناحرة تعتز بهويتها الفرعية وترى في جعل لغتها الخاصة لغة رسمية بهدف التمهيد للشرذمة في المستقبل، وليس بهدف تعزيز التنوع الذي نبغي والتآلف والتفاعل بين المكونات، ذلك التنوع الذي يعزز ويقوي.

لذلك صار الاعتراف بلغات الهويات المختلفة جزءا من شرط البناء في الدولة الواحدة، والاستغراق في إبراز الهوية الفردية ولغتها سيؤدي مع الوقت إلى إسقاط اللغة الجامعة من قواميس هذه الهويات الفرعية، مما يجعل اللغة العربية حائطا فاصلا بينها، وليس عنصر وحدة وتجميع في ما بينها.

وقد رأينا إسرائيل تفعل ذلك حين وافق الكنيست في القراءة الأخيرة على قانون يهودية الدولة، جاعلا اللغة العربية “فضلة خير” لمن يريد استعمالها، ولكنها تلاشت كلغة رسمية، فلا يتحدث أحد معك إلا بالعبرية، ولا تُعرف الأماكن إلا بلغة المحتل للأرض، ولا تُعرف أسماء السلع والدواء إلا باللغة العبرية.

وهكذا نرى صورتين مختلفتين: واحدة داخل الوطن العربي تترك اللغة الأم ضحية اللغات الفرعية، وثانية تضيّق الخناق على الفلسطينيين العرب في إسرائيل حتى ينسوا لغتهم، وتتراجع مكانتهم، وتتوارى ثقافتهم لصالح الاندماج أو الانخراط في ثقافة غريبة عليهم.

هذه الصورة القاتمة على جانبي فلسطين، يجب أن تتوقف، وعلى كل مثقف عربي واجب النهوض للإبقاء على الهوية العربية الفلسطينية داخل أرض فلسطين التاريخية. وهذا يشمل ضرورة الرفض الكامل والتصدي للإشارة إلى اللاجئين الفلسطينيين في الوطن العربي والعالم بأنهم لاجئون دون الإشارة إلى هويتهم.

ويجب ألا نسمح لأي مصدر معلومات على الشبكة العنقودية الدولية بأن يطمس هوية الشعب الفلسطيني بالإشارة إليهم كسكان، أو تجمع، أو عدد مطلق دون توصيف. ومن الواضح أن هذه التطورات لا تحصل دون خطة معدة بالتفاصيل المملة.

ومما يعزز هذا الاستنتاج هو المعلومات التفصيلية التي تراها لدى بنوك المعلومات الإسرائيلية سواء الاستخباراتي منها أو الوظيفي في الوزارات والدوائر الأخرى عن أعداد الفلسطينيين وتفاصيل أعمارهم وجنسهم وتحصيلهم العلمي، وميولهم الفكرية والدينية ومهاراتهم الشخصية وصلات النسب والقرابة التي تجمع بينهم. وهم يستخدمون هذه المعلومات سعيا نحو تفكيك المجتمع الفلسطيني الذي يعتدون على شبابه وبناته وأطفاله، وعلى مؤسساته ومدارسه، وحقول زراعته وأراضيه بالقلع والتخريب أو الاستملاك والاستيطان، وإذا فككوا عراهم الثقافية، وتمكنوا من فصلهم عن هويتهم الفلسطينية العربية الإسلامية، فرّقوهم أشتاتا وفرقا متناحرة، وتمكنوا من اقتلاعهم وتهجيرهم بالوسائل المختلفة.

Thumbnail

بالمقابل، فإننا نحن العرب أبناء الوطن العربي لم نطور معلوماتنا عن إسرائيل، ونكتفي معظم الأحيان بالمصادر الغربية عنهم. والأدهى أن معلوماتنا عن أهلنا وشعبنا ليست بالعميقة، فالمواطن مجرد رقم أو عنصر من مجموعة ونشير إلى معدل الوفيات والمواليد والنمو السكاني ودخل الفرد ومعدل البطالة ومعدل التضخم وأنواع الجريمة، دون أن نرد هذه الإحصاءات إلى بعدها الإنساني .

ولقد اطلعت مؤخرا على تقرير إحصائي يصدر في غانا بأفريقيا عن أربعين دولة أفريقية بعنوان  “باروميتر أفريقيا”. يقيس هذا الباروميتر القيم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة مثل الديمقراطية والتسامح، والمواطنة، والفساد.

ويقدم تقارير تقييمية عن السياسة والاقتصاد مثل الديمقراطية وكرامة الاقتراع الانتخابي والثقة السياسية والفساد. ويقدم معلومات عن نوعية الحياة كالفقر المعيش والمشاركة المدنية والتصويت والحملات الانتخابية وعن التجمعات والاحتجاجات ويتناول أيضا الأبعاد الديموغرافية من حيث الدين والمهن والعرق، والإثنية.

وتأتي كل هذه الإحصاءات من قالب إنساني دقيق يسعى إلى تحسين نوعية الحياة، وتعزيز البناء المجتمعي وتجسير الفجوة بين المواطن والمسؤول، ويعزز مناخ الثقة في الإجراءات والسياسات العامة. وإننا بحاجة ماسة في الوطن العربي إلى تعزيز هذه الثقافة الجامعة التي تبحث عن المشتركات بطريقة تفاعلية خلاّقة لا تنكر على أحد هويته ولكنها تخلق هوية مشتركة للجميع يتفيأون بظلالها متساوية في الحقوق والواجبات ومطمئنة إلى عدالة الحكم، وإلى أن ما يقدموه يكافأون عليه بما يستحقون دون تمييز أو محاباة.

وعقد منتدى الفكر العربي مؤخرا في عمان مؤتمر الأعمدة الأربعة بحضور ممثلين عن العرب والأتراك والفرس والأكراد. وجاء ذلك كخطوة أولى تسعى نحو خلق المشتركات بين هذه الأعمدة وخلق وسيلة للتواصل والاتفاق على الهوية الجامعة واللغة الجامعة والتواصل الثقافي الموضوعي غير الاتهامي بينها والتأكيد على أنها جميعا مستهدفة.

إننا نسعى لخلق إطار شوروي يتسع للجميع، وسقف من الأمن والوعي المشترك حتى نتجنب ما يريده بنا من لا يحبون حضارتنا، ولا لغتنا، ويسعون إلى تفتيتنا إلى هويات فرعية ضعيفة مستضعفة تُضيع حقنا في فلسطين. وتطمس هويتها الفلسطينية والعربية والإسلامية والإنسانية، لكي يستبدلوها بهوية فرعية عدوانية.

“فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا” صدق الله العظيم، واختم القول بأن أذكر بما تناقله العلماء “إن لله أقواما إذا أرادوا أراد”.

Previous post

علي العبدالله: الريفي والمديني في تجربة الثورة

Next post

السلطات الإسرائيلية تفرج عن عهد التميمي ووالدتها