Home»ثقافة وفن»ولدي… إرهابي يستيقظ في سريرنا

ولدي… إرهابي يستيقظ في سريرنا

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – وكالات

لا يهتم الفيلم التونسي «ولدي» بتصوير كيفية تصطاد التنظيمات الإرهابية جهادييها. وهو لا يشغل باله في البحث عن معاقلهم. لا يغرق في وحول ما تبثه الفضائيات الإخبارية عن المتطرفين، ولا يحاول لعب دور المحقق. بل يدخل عالم «داعش» وأخواته، من الضفة المقابلة لما عهدناه في نشرات الأخبار، ليصوّر بالاتكاء على قصة حقيقية، بيتاً لا يمكن من ينظر إليه من الداخل أن يظن لوهلة أنه قد يُشكل يوماً بيئة حاضنة للأفكار الإرهابية والتطرف… ومع هذا، انتحاري سيخرج من هذا البيت، مخلفاً وراءه أحبة، لن تعود حياتهم إلى سابق عهدها بعد قراره المريب، فتراهم ممزقين، حائرين، تائهين، غير مصدقين أن إرهابياً استيقظ في سريرهم.

الإرهابيون من مكان آخر

بيت تونسي تسوده الإلفة والمحبة بين أفراد أسرته، يبتعد في يومياته من أفكار التشدد، ولا يرشح منه أي مظهر من مظاهر التطرف، ما يجعل المشاهد يحتار في أمره حول السبب الذي جعله يصدّر جهادياً إلى سورية. فلا هو بيت متزمت دينياً، ولا هو ينتمي إلى الطبقة المسحوقة، وكأن مخرج الفيلم محمد بن عطية أراد أن يلفت الأنظار إلى سبب لا يلتفت إليه عادة المحللون حين يعتبرون أن تضييق زين العابدين بن علي الخناق على الإسلاميين والفقر هما السببان الجوهريان اللذان جعلا تونس بعد إطاحة النظام عام 2011، الدولة الأكثر تصديراً للإرهابيين. ولا يأتي هذا الكلام من عبث، إذ يشير تقرير صادر عن فريق «عمل الأمم المتحدة حول استخدام المرتزقة» في 2015، إلى أن «أكثر من 5500 تونسي تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، انضم إلى التنظيمات الجهادية في سورية والعراق وليبيا، ما يجعل المقاتلين التونسيين من بين الأعلى ضمن الأجانب الذين يسافرون للالتحاق بمناطق النزاع».

تقرير لفت انتباه محمد بن عطية وهو ينجز فيلمه الروائي الطويل الأول «نحبك هادي» الذي أبصر النور عام 2016، وصوّر فيه قصة حب وتحرر إبان الثورة التونسية، ففاز عنه بجائزة أفضل عمل أول في مهرجان برلين السينمائي. كما لفته يومذاك خبر سمعه عبر الراديو عن والد تونسي قرر اقتفاء أثر ابنه الذي التحق بالجماعات الإرهابية في سورية. وانطلاقاً من هنا، ولدت فكرة «ولدي». فما الذي قد يقود شاباً يعيش في كنف عائلة محبة إلى أحضان الإرهاب غير التشدد والعوز؟ سؤال سيجيب عنه الفيلم بانسيابية ومن دون أيديولوجيات، من خلال التركيز على الشق النفسي – العاطفي، قبل أي شي آخر، وتحديداً عند أولئك الذين أنجبوا إلى هذه الدنيا وحوشاً آدمية من دون أن يكون لهم أي ذنب في ذلك. وشيئاً فشيئاً مع انكشاف الأحداث، سيتبدى أن «البؤس العاطفي والجنسي والروحي»، كما يحلو للمخرج أن يسميه في أحاديث صحافية، و «العزم على تغيير نمط الحياة هذا»، هو الطامة الكبرى التي يجب عدم إهمالها عند البحث عن أسباب انجرار الشباب التونسي إلى التطرف، بخاصة أنها تقود صاحبها إلى الدمار. فماذا عن قصة الفيلم الذي شارك في الدورة الأخيرة من مهرجان كارلوفي فاري خارج المسابقة الرسمية ضمن فئة «آفاق» بعدما شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان «كان» الفرنسي ضمن مسابقة «أسبوعي المخرجين»؟

إنهم يعيشون بيننا

تدور حبكة فيلم «ولدي»، حول عائلة تونسية مؤلفة من أب وأم وولد وحيد، يعيشون حياة طبيعية في العاصمة التونسية. «رياض» (محمد الظريف) رب العائلة، رجل يشبه كثيرين حولنا، ممن كرسوا حياتهم للعمل والعائلة، ومثله زوجته «نزلي» (منى الماجري). أما ولدهما «سامي» (زكريا بن عياد) ابن الـ19 سنة فيستعد للامتحانات المدرسية.

حياة هادئة تعيشها العائلة، لا يعكر صفوها سوى انشغال الأبوين بأوجاع الرأس المفاجئة التي تنتاب «سامي»، والتي يرجعانها إلى ضغط الامتحانات النفسي. حتى الآن، كل الأمور تسير في شكل طبيعي. يذهب «سامي» إلى المدرسة. يرتاد أماكن السهر. يعيش الحياة التي يعيشها أي شاب في مثل سنه. أو هذا ما كان يظنه والداه، قبل أن يكتشفا الحقيقة المرة، ومن دون أي سابق إنذار. يحدث ذلك حين يستيقظان ذات صباح على خبر سينزل وقعه كالصاعقة على مسامعهما: ابنهما الحبيب «سامي» هجر البيت. ويا ليت الأمور وقفت عند هذا الحدّ، بل هو هجر بيت والديه ليلتحق بصفوف الجماعات الإرهابية في سورية. ولنا أن نتخيل الصراع الداخلي الذي سيعيشه الوالدان والشعور بالذنب والألم، وتحديداً «رياض» الذي يحمل الفيلم على كتفيه بأدائه المؤثر وتجسيده الصادق لشخصية الأب المكلوم.

ولم يشأ مخرج الفيلم أن يكون «ولدي» فيلماً عن «سامي» الابن الضال، بل عن «رياض»، ضحية الإرهاب المنسي، مثله مثل آباء كثيرين وجدوا أنفسهم أمام أزمة وجودية بعد قرار صغارهم الالتحاق بتلك الجماعات المتطرفة، على رغم أنهم لم يبخلوا عليهم بشيء. وانطلاقاً من هنا، تبدأ رحلة «رياض» لاقتفاء أثر «سامي» من تونس إلى تركيا على أمل الوصول إلى سورية وإعادة فلذة كبده إلى أحضان والدته، ما سيقودنا إلى شبكات تهريب البشر عبر الحدود، ولكن الأهم سنعيش مع البطل «رياض» صراعه النفسي الذي لن يهدأ بعد عودته إلى البيت خالي الوفاض، حيث ذات لحظة وعلى غير توقّع، يتسلم من «سامي» عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي صورة للفتى ومعه زوجته المنقبة وابنه، فما الذي يمكن هذا الأب أن يفعل إزاء هذا المصير الذي لم يرتضه أبداً لابنه ويعتبره كناية عن فشله هو نفسه في حياته؟ لا شيء. لا شيء لأن مع مثل هذه الكوارث العائلية ليس ثمة من حلول فردية عجائبية. كل ما يفعله رياض هو أن يجلس قبالة حاسوبه ليصب كل ما في أعماقه من غضب وحزن ويأس وإخفاق في رسالة هي أقسى ما في الفيلم يعبّر فيها عن رأيه بجماعة «الوحوش» التي انتمى إليها ابنه فكان ذلك الانتهاء إعلاناً عن نهاية الابن. بعد أن يكتب رياض رسالته يتأملها قليلاً ثم يحذفها. لكن هذا يحدث قبل النهاية التي لم تعد مفاجئة ولا قاتلة بالنسبة إلى رياض: حين ينتهي الفيلم على خبر مقتل «سامي» في عملية انتحارية… ويكون السؤال الأكثر مرارة: أيّ من «النهايتين» هي إعلان الموت الأكثر إيلاماً لرياض؟

في نهاية الأمر، «ولدي» فيلم قاتم يشتغل بنوع من الانزياح الدرامي في تساؤل مرير عمن هو، في الحقيقة، الضحية المظلومة لما يحدث: سامي الذي اختار مصيره وسعى إليه وحقق ذاته من خلال بؤسه، أم رياض؟ ذلك هو السؤال الحقيقي في فيلم يعيد ترتيب أوراق الجماعات الإرهابية في مجتمع ينهكه الفراغ العاطفي.

Previous post

أفلام عالمية تضيء سماء دورة الجونة السينمائي الثانية

Next post

بذور الحرب من حلب إلى القطب الشمالي