Home»ثقافة وفن»ثقافة»تدمير النظام للتراث السوري جزء من الحرب المنهجية على المجتمع

تدمير النظام للتراث السوري جزء من الحرب المنهجية على المجتمع

0
Shares
Pinterest Google+

نزار السهلي – جيرون

لا يتكون تراث أي شعب إلا من خلال حياة مستمرة لقومٍ على بقعة من الأرض ذات عمق تاريخي طويل، هو الوطن، له ملامح محددة ترسمها قدرات شعبه في حب الحياة، إلى جانب التمتع بخيراته. والمجتمع السوري يمتلك هذه الخصائص التي جعلته غنيًا بتراث عريق متميز في كثير من الجوانب، وبمستويات بالغة الرقي اللافت للنظر، والحضارة المبهرة، على مدار التاريخ. ولا نبالغ في الوصف، هنا، ونحن نتحدث عن حضارة كانت قائمة في بيئة السوريين ومنازلهم التي احتوت كثيرًا من أسباب الراحة والفن والثقافة والأدب والحرف المتعددة.

منذ سبع سنين، يتعرض تراث السوريين لنكبة كبرى، ولأبشع عمليات التدمير السافر والمنهجي، على أيدي النظام السوري وعصاباته المستوردة والمقيمة، نتج عنها تشريد نصف سكان سورية، وتحويلهم إلى نازحين ومهجرين، داخل وطنهم وخارج الحدود، ولم تقتصر عمليات التدمير الكلي والجزئي للمجتمع السوري على إحداث تطهير عرقي لجزء واسع من القرى والبلدات السورية، بل عمد النظام إلى استهداف معظم المواقع الأثرية والتاريخية، لطمس وتدمير كل ما يتصل بموروث ثقافي أو اجتماعي لتلك المناطق، في محاولة لإنزال عقاب جماعي بكل المجتمع الثائر، وضرب مقوماته الحضارية والتراثية التي ميزت نسيج المجتمع السوري عبر التاريخ بطابع خاص، يلاحظ بوضوح في كثير من مظاهره وملامحه.

يشتمل التراث الشعبي السوري على نتاجات فنية متنوعة، أدبية، وفنون سمعية وبصرية، كالموسيقى والغناء والرقص الشعبي، وفنون حرفية وصناعات يدوية ذاعت شهرتها ومهارة عمالها في أرجاء المعمورة، على مدار عقود طويلة، وقد انتظم جزء من هذه الفنون والأعمال التراثية ضمن أسواق ومحال البلدات السورية المتعددة، واحتضنت بيوت السوريين مهارات في نسج الغزل والتطريز، من درعا جنوبًا إلى الحسكة ودير الزور والمالكية شمالًا، فضلًا عن الصناعات المتنوعة للفخار والزجاج، والأخشاب والأصداف والمعادن، إضافة إلى الأطعمة والمأكولات التي ارتبطت بجغرافيا المكان الزراعية والصناعية.

ولما كان المجتمع السوري، في بقعته الجغرافية الممتدة على كامل الأرض، ذا أهمية عالية في اندلاع الثورة منذ سبع سنين، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية والسياسية، فقد تعرض ويتعرض لهجمة شرسة تهدف إلى تفكيك بنيانه، ولعمليات تطهير عرقي حدثت في بعض أرياف المدن، ولتهجير كثير من المناطق. وهذه شكلت أحد أهم عمليات ضرب تراث السوريين، حيث يمكن اعتبارها محاولة لتغيير هذا التراث، عبر عمليات تهجير وإسكان بديلة، والأهم تدمير مرتكزات التراث الفني والمجتمعي الاقتصادي والاجتماعي الذي يشكل الاقتباس الأساس الذي يعتمده أي مجتمع لصياغه وجهه وحضارته.

لم تقتصر هجمة النظام في دمشق على معارضيه من السكان، بل امتدت هجماته لتطال في تدميرها آثارًا مهمة في لوحة التراث الشعبي السوري، بحرق وتدمير الأسواق في حلب وحمص وغوطة دمشق ودرعا والرقة، والمناطق الثائرة كافة، انتقامًا من المجتمع، بهدف إعادة إخضاعه، وإرجاعه إلى عصر ما قبل الحضارة. وشملت عمليات التدمير والاعتداء كل شيء يمكن أن يبني عليه السوريون حياتهم من جديد. الآن، لم تعد الصورة التراثية للمدن والأرياف على ما كانت عليه، من بناء ملون من الفنون والأعمال والصناعة والتجارة التي طبعت التراث بهويته السورية، وبمميزات فريدة كان لدرعا وريفها، وأرياف دمشق وحلب وحمص ودير الزور والرقة، فرادة واضحة في كثير من ملامحها ومظاهرها.

النظام عدَّ كل ما يتصل ببيئة السوريين الثائرة عدوًا له، فصبّ عليهم محرقته: آلاف المهرة من الحرفيين تم تدمير منشآتهم وقتلهم، وأسواق عريقة ارتبطت ببيئة وجغرافيا السوريين نزلت عليها براميل وصواريخ الأسد المتفجرة، ولم يبق منها أثر غير الذي يرسمه فنانو الأسد، عند تخوم القرى والمدن المدمرة، وعلى لوحات تقطر من دم الضحايا، لتمجد قاتلهم ومدمر تراثهم.

إذا كان لتراث السوريين وقع مؤثر في صوغ بنيان المجتمع السوري، مرده تعلق السوريين بكثير من الفنون والإبداعات المرتبطة بمهارة حرفهم وأثرها في أحاسيسهم التي شاعت في أرجاء الكون؛ فإن مستقبل تلك العلاقة الحميمية، بين السوري ومفرداته التراثية التي انقطع حبل بعضها، ودُمر بقيته، وأصابت جروح غائرة معظم أصحابه، وحمل جزءًا منها من نجا من بطش الأسد، لن تستعاد بهمروجات فنية وتراثية فوق حطام السوريين، ولن يستعاد بعض من تراث سورية، ولن تتم المحافظة عليه في ظل وجود مجرمٍ دمّر وزوّر وطمس تاريخ سورية باسمه، وتلك أكبر نكبات التراث السوري.

Previous post

وكالة إيرانية تفضح سر الطائرة التي أعلن عنها نظام الملالي

Next post

(مفوضية الأردن) تحول القسائم الغذائية للاجئين إلى مبالغ مالية