Home»محليات»خمسة عقود على انتفاضتها الأولى.. هل يريد آل الأسد الثأر من إدلب؟

خمسة عقود على انتفاضتها الأولى.. هل يريد آل الأسد الثأر من إدلب؟

1
Shares
Pinterest Google+

رزق العبي – الفيحاء نت

ارتبط لفظ “المنسية” بمحافظة إدلب، منذ استقبل أهلها (حافظ الأسد) بحبات الطماطم (البندورة) رشقاً على مدخل سوق الهال، وبالأحذية في إحدى ساحات المحافظة عام 1970 حين كان في جولة على بعض المدن السورية، ومرّ بـ”تفتناز”، ثم وصل إلى مدينة إدلب ليلقي خطاباً بالناس، فكانت أول صفعة يتلقّاها عند تسلّمه الرئاسة، حيث تقول الذاكرة السورية بأنّ الحذاء الذي ضربه أحد أبناء إدلب كاد أن يرتطم بوجه الأسد الأب لولا أن صدّه (عبد الله الأحمر).

وبقيت إدلب “منسية” طيلة عهد الأسد الأب، الذي توعّدها صراحةً بالعقاب، أكمله ابنه بشار خلال 11 عاماً من حكمه، إلى أن انطلقت الثورة السورية، وأصبحت رقماً صعباً في تاريخ سوريا الثوري، ومناصرة لباقي المدن السورية التي ثارت على النظام.

ولم تعد إدلب “المنسية” كما أراد لها الأسد وابنه فيما كان يعرف بـ(سوريا الأسد)، والحاضرة منذ الألف الرابع قبل الميلاد في قلب التاريخ في حضارة (إيبلا) التي شكلت آنذاك قطباً سياسياً واقتصادياً مكافئاً للجبهة الفرعونية المصرية، لتعود بثورتها وجغرافيتها بوصلة حديث الساسة والإعلام العالميين، عدا عن أنّها باتت سوريا المصغّرة، لما احتضنته من ملايين السوريين ممن هجّرهم نظام الأسد بعد أن هجرهم من مدنهم وبلداتهم… ولكن كيف انتقم الأسد الأب من إدلب؟

عزل إدلب

لم تكن الصفعة التي تلقّاها (حافظ الأسد) من أهالي إدلب، مجرد حدث عابر، يُعاقب مرتكبوه وحدهم على أقلّ تقدير، إنما توعّد بعقاب المحافظة بأكملها، وفقاً لشهود عيان عاصروا عهد الأسد الأب والابن، فحُرمت المدينة من الطرق الرئيسية ما حوّلها إلى ريف، فالطريق البري “دمشق – حلب” لايمر في إدلب، وكذلك طريق التجارة ما بين حلب والساحل السوري وموانئه.

وظلّت إدلب خلال عهد (حافظ الأسد) بلا استثمار ولا تنمية ولا خدمات، مقارنة بباقي المحافظات السورية، وبدأ أهلها يشعرون بالغربة داخل المجتمع السوري، بدءاً من الخدمة في الجيش، مروراً بالوظائف، ووصولاً إلى الحياة العامة بين أبناء سوريا من باقي المحافظات.

وخلال أحداث الثمانيات الشهيرة (آذار من العام 1980) اشتعلت المظاهرات في “جسر الشغور”، وبقيت حركة المدينة مشلولة لأيام عدّة، حيث اقتحم مجموعة من أبناء المدينة مبنى المؤسسة الاستهلاكية، لتحطّ بعد ذلك بساعات قرابة 20 طائرة مروحية محملة بالجنود والعتاد في المدينة، وبدأت ميليشيات أسد بحملات دهم واعتقال عشوائي لمدة ثلاثة أيام. جرت خلالها إعدامات ميدانية لأكثر من 150 من أهالي جسر الشغور، وفقاً لما جاء في ملف بعنوان (إدلب.. ثورة المدن المنسية) والذي كتبه لـ(أورينت نت) في وقت سابق، الشاعر السوري (ياسر الأطرش).

وفي العام نفسه، وبعد شهرين نزلت الفرقة الثالثة إلى قرى جبل الزاوية، وانتشرت رائحة الموت من “محمبل” غرباً حتى “أريحا” و”معرة النعمان”، مخلّفة مئات القتلى وآلاف المعتقلين والمفقودين.

وبقيت إدلب مهملة منذ ذلك الحين حتى موت (حافظ الأسد) فكان يوكل مهمة رئاسة الأفرع الأمنية فيها، إلى أكثر الأسماء الأمنية وحشيةً، وينشر المخبرين والجواسيس في كلّ حي من مدنها وقراها، كما أنّ الفرق الحزبية كانت الوجه الحقيقي لحافظ الأسد في المحافظة… لكنّ إدلب اليوم غير التي كانت عليه أيام حافظ الأسد وابنه.

ومع انطلاقة الثورة السورية، تصدرت “إدلب” كغيرها من بقية المدن السورية أوائل المحافظات التي انتفضت ضد النظام عام 2011، وقد خضعت لسيطرة الثوار بشكل كامل عام 2015. ووضعت ضمن المنطقة الرابعة من خفض التصعيد بحسب اتفاق “أستانا6”.

خيارات عدّة تنتظر إدلب

اليوم وبعد أن أصحبت إدلب خزاناً بشرياً لملايين الثائرين ضدّ النظام، من أبناء سوريا، بدأ النظام يتوعّد بحملة عسكرية وشيكة للسيطرة عليها، ما ينذر بحرب شرسة قد تشتعل في المحافظة المتاخمة لتركيا، والتي تضمّ آلاف من مقاتلي الفصائل.

و يرى د. رياض نعسان آغا، وزير الثقافة السوري الأسبق، أن “الوضع في إدلب أشد تعقيداً، لاسيما أنها باتت ملاذ كل المقاتلين والمعارضين الذين هُجِّروا إليها قسراً” مشيراً إلى أن “المفجع في إدلب أن فيها فصائل هيئة تحرير الشام (النصرة) التي صنفتها الولايات المتحدة منظمة إرهابية. وبرغم أن إدلب أدخلت من خلال لقاءات آستانة في مناطق خفض التصعيد، وباتت تركيا وروسيا وإيران دولاً ضامنة، فإن الاتفاق ذاته لا يشمل الفصائل المصنفة (إرهابية) داخل مناطق خفض التصعيد وخارجها، وقد يكون هذا الاستثناء بوابة للتدخل العسكري في محافظة إدلب”.

ويضيف (نعسان آغا): “يستبعد كثير من المحللين أن يكون الحل في إدلب عسكرياً، لأن أي هجوم على إدلب سيعرِّض أكثر من ثلاثة ملايين إنسان لخطر مريع، وستنشأ أمام العالم مشكلة كبرى في احتواء ملايين النازحين الذين قد لا تتمكن تركيا من فتح حدودها أمامهم، وليس سهلاً أن يصير عدد اللاجئين السوريين في تركيا سبعة ملايين من المحتاجين إلى أبسط مقومات الحياة، وفي حال الاضطرار قد تجد تركيا حلاً وحيداً هو فتح حدودها أمام ملايين الهاربين من الموت للتسرب باتجاه أوروبا التي ستعاني مشكلة جديدة، كما أن المجتمع الدولي لن يقبل بالصمت الطويل على إبادة جماعية، لأن الحرب في إدلب لا يمكن أن تحسم بسرعة مهما كانت أساليب الإبادة، فثمة جبال وعرة يمكن للمقاتلين أن يعتصموا بها لسنوات طويلة، وأن يدخلوا في حرب استنزاف مديدة، وتكرر البشرية أحداث تورا بورا”.

ويرى محلّلون بأن “أنقرة” تبدو أمام ثلاثة خيارات في إدلب، حيث أعطى الباحث في الشأن التركي (سعيد الحاج) الأولوية في الخيارات التركية، إلى تجنيب المنطقة عملية عسكرية واسعة كمصلحة تركية خالصة وخيار أنقرة الأفضل. فهو خيار يُبعد المنطقة عن النظام والأكراد معاً، وهذا ما ترغب به تركيا.

إلّا أن هذا الخيار يستوجب سحب ذريعة “مكافحة الإرهاب” وبالتالي انسحاب “هيئة تحرير الشام” من الصورة تماماً، وتحويل السيطرة على المحافظة إلى سلطة إدارية مدنية شرطية تشرف عليها تركيا – أو وفق آلية متفق عليها – وفق نموذج قريب من منطقة “درع الفرات”.

وأما الخيار الثاني، فيتلخّص بتدخل تركي مباشر في إدلب، وذلك دفعاً لتهمة دعم “الإرهاب” واستباقاً لأي تدخل كردي – أمريكي أو أسدي – روسي، وإبقاءً للمنطقة تحت سيطرة المعارضة القريبة من تركيا قبيل أي حل تفاوضي ستكون مساحات السيطرة الميدانية إحدى أهم نقاط القوة ومحددات الحل فيه.

كما يبدو الخيار الثالث، والذي يقضي بمقايضة إدلب بعفرين، هو الخيار الذي قد تفعّله أنقرة – وإن كانت لا تفضله ربما – في حال اتضح لديها إصرار الإدارة الأمريكية على حسم الأوضاع في إدلب وعدم قدرتها هي على منع ذلك أو تنفيذه بيدها، وبالتالي يكون السماح لها بعملية عسكرية في عفرين ثمناً للعملية في إدلب، وهو خيار قد لا يحتاج لكثير تفصيل في نتائجه الكارثية، والكلام هنا لـ “سعيد الحاج”.

إدلب تشغل العالم

على الأرض لا يبدو حال الناس مطمئناً في مشهده العام، إلّا أنّ الآراء الشعبية، وإن استبعدت حلّاً عسكرياً، فإن غالبية السكّان يؤكدون على المقاومة في حال حصل أي هجوم بريّ.

فالمحافظة التي كان عدد سكّانها في آخر إحصائية رسمية للنظام (2 مليون نسمة) مطلع 2011، باتت اليوم تضمّ أكثر من (4 ملايين) سوريّ، جاء نصفهم من مناطق ما يسمّى بـ(التسويات) من حمص ودرعا والغوطة الشرقية، ويدرك الغالبية بأنّه لا خيار له سوى المقاومة، خصوصاً وأنه لا مكان جديد يأوي إليه السكّان في حال الهجوم، والذي إن حصل، سيشكّل كارثة إنسانية، بات العالم يدرك انعكاساتها قبل أهالي المحافظة، وهذا ما تصرّح به دول العالم.. فكيف تتناول صحافة العالم الحديث عن إدلب؟

في تركيا، تظهر يومياً تصريحات تركية تحذّر موسكو من “كارثة” محتملة في سوريا في حال اللجوء إلى “حل عسكري” في محافظة إدلب، حيث تعتبر الأخيرة، خاصرة لتركيا من جهة (هاتاي)، الأمر الذي يجعل المحافظة محطّ أنظار الأتراك، فيما دعت المستشارة الألمانية (أنجيلا ميركل)، خلال لقاءها الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) في (18 أغسطس) إلى تجنب حدوث أزمة إنسانية في إدلب. وأكّدت أنه “من الضروري تجنب حدوث أزمة إنسانية في إدلب، والمنطقة المحيطة بها”، في الوقت الذي كان فيه (بوتين) يطرح قضية إعادة اللاجئين السوريين إلى مناطق النظام.

بدورها، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية (أنييس فون دير مول) إن “الظروف لم تتهيأ بعد لعودة اللاجئين السوريين، بالنظر إلى معاملة (بشار الأسد) للذين عادوا بالفعل واحتمال شنّه هجوماً على إدلب”.

وأضافت، أن “بحث عودة اللاجئين في ظل الظروف الراهنة ضرب من الأوهام”، وذكرت أن هذا العام شهد أكبر حركة نزوح منذ بدء الصراع في 2011، وأن المجتمع الدولي بأسره حذر من مخاطر أزمة مهاجرين ضخمة إذا هاجم النظام إدلب”.

بالمقابل، يسعى النظام عبر ماكينته الإعلامية، إلى ترويع الأهالي، من خلال نشر الأخبار التي تتحدث عن معركة قريبة، مستخدماً مصطلحات عبر وسائل إعلامه، ومنصات تواصل اجتماعية موالية له تحمل الحقد والعداء لكل السوريين في المحافظة، متجاهلاً ملايين المدنيين الذي هجرهم أساساً من مدنهم وبلداتهم إليها.

كيف تبرر روسيا هجوماً محتملاً على إدلب؟

تعمل روسيا، عبر وسائل إعلامها وتصريحات مسؤوليها، بالتسويق لبعض المبريرات لهجوم محتمل على إدلب، والتي غالباً ما يتناساها الإعلام خلال أيام، بعد طرحها من قبل روسيا، كما تتجاهلها روسيا أيضاً.

ففي نهاية الشهر الفائت، ادّعت موسكو أن أعداداً كبيرة من المدنيين غادروا محافظة إدلب، عبر ما وصفته بالممرّ الآمن الذي تشرف عليه قوات روسية. لكنّ روسيا على غير عادتها حين كانت تفبرك المسرحيات لخروج مدنيين من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام، لم تنشر أي شريط فيديو لما قالت عنه في إدلب. كما نفت مصادر من داخل إدلب وجود حركة نزوح كبيرة باتجاه مناطق النظام.

ولا يخفى على أحد أهم الادعاءات الروسية المتداولة، بأن فصائل إدلب تقوم باستهداف قاعدة (حميميم) الروسية بطائرات مسيّرة، وهو ما اعتبرته روسيا مبرّراً لبدء هجوم عسكري على ريف إدلب، ومنذ أيام لم تعد روسيا تذكر أي اعتداء على القاعدة العسكرية في الساحل السوري، لتأتي بتصريحات تقول: إن معلومات استخباراتية تفيد بإمكانية حدوث هجوم كيماوي محتمل في إدلب تنفّذه إحدى الفصائل، بالترتيب مع استخبارات دولية، وهو ما قد يدفع بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لضرب مناطق للنظام رداً على هجوم بالأسلحة الكيماوية.

Previous post

كتاب أمريكي جديد: ترامب أراد اغتيال (بشار الأسد) بعد هجوم كيماوي

Next post

قوات إيرانية إلى سوريا