Home»مقالات رأي»سوريا.. وضرورة ترميم المجتمع

سوريا.. وضرورة ترميم المجتمع

0
Shares
Pinterest Google+

اﻷيام السورية – رزق العبي
تعد المواطنة من القضايا القديمة المتجددة التي ما تلبث أن تفرض نفسها عند معالجة أي بعد من أبعاد التنمية بالمفهوم الإنساني الشامل بصفة خاصة ومشاريع الإصلاح والتطوير بصفة عامة.

ويفسر ذلك ما تناله المواطنة من اهتمام على المسارات التشريعية، حيث تتضمن دساتير جميع دول العالم تقنيناً لحقوق المواطن وواجباته.

والتربوية حيث نظم التنشئة التي تسعى إلى تكريس وعي المواطنة قيماً وممارسات لدى النشء من أجل تحقق الاندماج الوطني.

والسياسية في صورة بنى وآليات مؤسساتية تستوعب مشاركة أفراد المجتمع في بنية الدولة الوطنية الديمقراطية .

عانت سوريا على مدى نصف قرن من الزمن، من تفتّت مجتمعي مقيت، افتعله حزب البعث وما بات يُعرف بـ(سوريا الأسد)، حيث عَمَدَ النظام الأمني القائم إلى خلق فجوة اجتماعية بين السوريين سواءً على مستوى المحافظات أو على المستوى الديني.

كما فصّل النظام لكلّ محافظة صفة نعرف غالبيتنا كسوريين بأنها سطحية هشّة، وغالباً لا تمتّ للواقع بصلة، إلا أن تلك الصفات ومع مرور السنوات أصبحت السِّمة الأبرز لكل محافظة. ولن ندخل في تفاصيل تلك الصفات إلّا أننا ومع مثال واحد نستطيع القفز بالذاكرة إلى بقية المحافظات، فغالبية السوريين لا يعرفون عن أهالي حمص، مثلاً، سوى احتفالهم بيوم الأربعاء في إشارة إلى “جدبنة” الشعب الحمصي، متجاهلين تاريخ حمص وطيبة أهلها وثقافتهم.

ولعلّ ما نراه من انقسام مخيف بين السوريين خلال السنوات الماضية، كان نتيجة حتمية لما أسس له النظام القمعي والأمني، فظاهراً من غير المقبول أن ترى سوريّاً يُدكّ بالصواريخ أو البراميل في محافظة ما، بينما ترى سوريّاً آخر يرقص في مكان آخر فرحاً للقصف مدّعياً أن ذلك انتصاراً على الإرهاب، ولكن من حيث المعطيات يبدو الأمر عاديّاً، في دولة يُقال لها (سوريا الأسد).

وتشير القراءات التاريخية إلى أن ما نعيشه اليوم في سوريا كان يعتبر من نتائج الحملة الأمنية الواسعة في ثمانينات القرن الماضي، وهي حملة شُنَّت على أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لنظام حافظ الأسد، كانت نتائجها وخيمة على سوريا والمجتمع السوري، ويمكن تلمّس هذه النتائج من خلال انحراف ثورة الحرية عن أهدافها الرئيسية في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والفوضى الأمنية الواسعة سواء بمناطق سيطرة النظام أو الخارجة عن سيطرته.

لقد أدى هذا الفعل لإنهاء اصطفاف المجتمع السوري على أسس سياسية، ليبدأ الفرز على أسس ما قبل سياسية، مذهبية ودينية وقومية ومناطقية وعشائرية.. وشجع النظام على هذه الانقسامات وحرض عليها، من أجل السيطرة على المجتمع عبر السيطرة على رموز هذه التكوينات.

سوريا، التي سعى النظام إلى فرز أهلها إلى أقسام عدّة، بين من يؤيده، ويوصف عنده بأنه من صفوة السوريين، وبين من يعارضه، ويوصف بالخائن، وبين الصامت، الذي هو بحكم العميل لدى النظام، والرمادي لدى المعارضين، ولم يكتشف أبناؤها حتى الآن أن النظام والاحتلال سيزول وسيبقى أهل الدار على اختلاف مواقفهم.

السوريون اليوم مطالبون بمختلف انتماءاتهم أن يراجعوا حساباتهم الوطنية، لأن سوريا معروفة منذ الأزل لا تكتمل إلى بكافة أطياف شعبها. وحالة الشرخ الحاصلة، تحتاج إلى ضمير وطني، وإنساني، تجاه ما يحصل، والأخذ بعين الصواب بألا يكون الإنسان منقاداً لنظام ما أمام أهله، لأنه كما أسلف سابقاً سيزول النظام وتبقى الجماهير.

وهنا لابدّ من العمل على هذه الحتمية، التي تقول: إن كلّ دولة أو جهاز أمني أو سياسي، مهما طغى أو تجبّر، سيأتي يوم وينكسر ويصبح من الماضي، والذي سيبقى حتماً أولئك الناس على شقّيهم، ممن وقف إلى جانب تلك الأنظمة أو ممن عارضها.

ربما قد يرى البعض أن الوقت تأخر لهذا الكلام، لكن من غير الممكن السكوت عنه، حتى ولو كان ذلك يخدم أبناءنا لا نحنُ، فمن غير المعقول أن يدرسوا في ذات الجامعات مستقبلاً مع سوريين آخرين شمتوا بهم يوماً أو صمتوا عن قتل النظام وتهجيره لهم.

سوريا بحاجة لجميع أبنائها في الداخل والخارج، للتفكير بصيغة وطنية جامعة، والعمل وفقها، وهذا ليس بالصعب أبداً، إنما هو بداية الطريق نحو العدالة الانتقالية، والتي تقتضي بمحاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم، وتعيد الحقوق لأهلها، وترمّم وتجبر الضرر قدر المستطاع، وبغير ذلك لن يقوم لسوريا قائمة.

Previous post

ملامح جديدة تُرسم لإدلب بعد اتفاق نزع السلاح

Next post

هكذا يبتز نظام الأسد صيارفة مناطق المصالحات