Home»مقالات رأي»عمر قدور: بوتين إذ يشارك بشار الأسد مأزقه

عمر قدور: بوتين إذ يشارك بشار الأسد مأزقه

0
Shares
Pinterest Google+

عمر قدور – الحياة

بالتأكيد كان خبر تسبب إسرائيل بإسقاط طائرة استطلاع روسي، الأسبوع الماضي على مسافة قريبة من الساحل السوري، خبراً سيئاً جداً بالنسبة إلى بوتين. فقواعد الاشتباك غير المعلنة بين موسكو وتل أبيب تركت للأخيرة حرية الحركة في الأجواء السورية لضرب الأهداف التي تراها تخلّ بأمنها، بينما تنأى موسكو بنفسها عن المعركة تحت تبرير شكلي هو اقتصار التزامها على محاربة «الإرهاب» وإعادة المناطق التي خسرها الأسد لمصلحة فصائل المعارضة منذ بدء الثورة.

ظاهرياً أيضاً، برز بوتين كأنه حقق اختراقاً في المنطقة، وفرض نفسه لاعباً أساسياً يحسب اللاعبون الإقليميون كلهم حسابه، بخاصة مع غياب أميركي متعمد عن الانخراط في القضية السورية. وفي تقديرات أقل مغالاة، يبدو بوتين كأنه فرض نفسه حكَماً بين القوى الإقليمية الثلاث المتنافسة أو المتصارعة، إيران وإسرائيل وتركيا، من دون أن يكلّف بلاده ثمناً يُذكر، لا سيما مع التبجح بأن الجهد القتالي لقواته في سورية هو جزء من ميزانية التدريب الروتيني ليس إلا.

إسقاط الطائرة الروسية، ولو بخطأ من قوات الأسد أثناء غارة إسرائيلية، يحشر بوتين في مأزقِ أنه لا يستطيع النأي بالنفس نهائياً عن الصراع بين تل أبيب وطهران، ولا يستطيع الإبقاء إلى ما لا نهاية على صيغة ملتبسة يتجنب فيها نار الطرفين. كانت المعادلة التي ترضي بها موسكو الطرفين هي: حرية طهران في نقل الأسلحة (الصواريخ ومعداتها على نحو خاص) إلى حزب الله في لبنان، أو إلى قواعد خلفية ضمن الأراضي السورية، مع حرية الطيران والصواريخ الإسرائيلية في قصف شحنات الأسلحة التي تملك عنها معلومات استخباراتية. هذه المعادلة، على رغم وعورتها، تناور من خلالها طهران على نسبة الخطأ أو القصور الاستخباراتي الإسرائيلي، مع التضحية بنسبة لا يُستهان بها من شحنات الأسلحة، بينما تخفف تل أبيب ما أمكنها من خطر تلك الشحنات بأبخس الأثمان.

عجز دفاعات الأسد الجوية أمام الطيران الإسرائيلي، ونجاحها في إسقاط الطائرة الروسية، يؤشر إلى أمرين، أولهما الاضطرار إلى إطلاقها بغزارة وعشوائية تعويضاً عن ضعف فعاليتها ودقتها، وثانيهما أن هذه الدفاعات المصنوعة في روسيا تثبت جدواها أمام بضاعة روسية أخرى فقط. في الدلالة، أن كل تبجح بوتين بتطوير صناعته العسكرية يصحّ بالمقارنة مع قوى متواضعة عسكرياً في الأصل، كما كان حاله في أوكرانيا والقرم أو مع فصائل المعارضة السورية.

وفي دلالة أبعد، قوة بوتين هي في قبضته الحديدية على بلاده، وفي الأماكن الرخوة استراتيجياً بالنسبة إلى الغرب، أو التي يمكن أن ينفذ فيها عمليات تخدم الأخير، بينما لا تسعفه قدراته في مقارعة الكبار. تراتبية القوة هنا تغري بالمقارنة مع الأسد المتوحش إزاء السوريين واللبنانيين في ما مضى، والخانع إزاء قوى خارجية لا يستطيع مقارعتها، وكان الحس الشعبي قد اقترح لها هتافات من قبيل «أسد في لبنان وأرنب في الجولان».

بوتين في وضع مشابه لبشار، من حيث رغبة الاثنين في إرضاء إيران وإسرائيل معاً، بالطبع مع التأكيد على المأزق المركّب للثاني الذي يترتب عليه إرضاء موسكو أيضاً والعديد من القوى الغربية التي يطمح إلى إعادة العلاقة معها، ومع التنويه بحاجة بوتين إلى إرضاء أنقرة ولو موقتاً. في كل الأحوال، إسرائيل ليست تركيا، وهي اليوم ربما أقوى من أي وقت مضى، لذا يُستبعد أن تقدّم تنازلات لحفظ ماء وجه بوتين على حساب ما تراه أمنها القومي. ولن يكون من مصلحته استفزازها بنشر منظومة دفاع جوي روسية جديدة قد لا تحدث فرقاً، لأن الحدود التي يتحرك فيها الطيران الإسرائيلي المتطور ستبقى كافية مع انفتاح الأجواء اللبنانية أمامه، ما يعني أن الإهانة ستكون أكبر لموسكو التي بـذلت ما في وسعها من دون طائل.

ومهما شاعت الظنون حول قدرة موسكو على لجم إيران في سورية فهي تبقى محدودة، وضمن توافق الطرفين، فالواقع أن السيطرة الإيرانية على الأراضي السورية ومراكز القرار توازي السيطرة الروسية على الجو والقسم الآخر من مراكز القرار. ثمة أيضاً مصالح اقتصادية ضخمة، قد تتعاظم مع العقوبات الأميركية على إيران، يصعب التفريط بها بخاصة مع العقوبات الغربية المؤثرة في الاقتصاد الروسي. ومن الخطأ الظن بأن الحاجة الإيرانية لروسيا تفوق بكثير حاجة الأخيرة لها، فالتباهي باستعادة روسيا مكانتها كقوة عظمى يتغذى على التحالف مع قوى أصغر منبوذة دولياً.

دولياً، ليس هناك من يستعجل مدّ يده لمساعدة بوتين في سورية، ففشلت محاولاته أولاً بفرض مسار سياسي بديل عن جنيف مقبول دولياً، ثم فشلت محاولته استغلال ملف إعادة اللاجئين للمقايضة بانفتاح غربي على التسوية التي يريدها. البرود الغربي إزاء تلك المبادرات يُبقي حاجة بوتين إلى الشركاء الإقليميين الثلاثة، وهذا ما دفعه إلى تأجيل معركة إدلب للإبقاء على الحليف التركي. من هذه الجهة أيضاً، أتى إسقاط الطائرة في توقيت حساس لإظهاره التنازل أمام قوتين إقليميتين، بينما كان قبل أيام قليلة يقرع طبول الحرب ويتهيأ لإعلان النصر.

نصر بوتين مشابه لنصر بشار بهشاشته، والأول كما نعلم هو صانع النصر الذي لا يستند على دعائم قوية لأحد من أطرافه الثلاثة، فلا النصر الروسي يحمل صفة الاستمرار من دون صمت الغرب وترحيب الحلفاء على الأرض وفي مقدمهم الإيراني، ولا النصر الإيراني الذي سبق إعلان النصر الروسي نال حظاً أفضل من الديمومة. امتلاك قوة البطش الكافية لسحق السوريين ليس مسموحاً لها بتخطي الحدود، ولا بأن ترسم معالم استراتيجية كبرى، وليس مسموحاً لها حتى بالاندراج تحت الحرب العالمية على الإرهاب لئلا تنال أدنى شرعية.

يتشارك بوتين مع بشار في مأزقه، مثلما يتشاركان في أن الأبواب كانت مفتوحة أمام الاثنين لاختيار سبل أكثر عقلانية وفائدة، إلا أن طبيعتهما تأبى إبقاءها مفتوحة. لا يندر في الواقع أن يمد أحد يده لينتشل غريقاً، فيشده ذلك الغريق إلى الأسفل.

Previous post

قيادية كردية تهاجم النظام

Next post

الجبهة الوطنية: نؤكد تمسكنا بالسلاح