Home»أسرة ومجتمع»من الغوطة إلى كفرنبل.. هكذا أصبح “محمد” سنداً لأهله

من الغوطة إلى كفرنبل.. هكذا أصبح “محمد” سنداً لأهله

3
Shares
Pinterest Google+
تعبيرية

محمد التعتاع – الفيحاء نت

“خرجنا من حصار، مليئ بالدمار ورائحة الموت، والقهر والعذاب، لنكتشف لأول مرة منذ 7 سنوات أنّ هناك بشر على مقربة منا يعيشيون وكأنّ لا حرب في الشام.. رأيناهم وهم يلوّحون لنا بشماتة على أطراف الطريق، وكأننا خرجنا من ديارهم وليس من ديارنا”.

إنه حديث لطفل من الغوطة الشرقية وصل قبل أشهر إلى إدلب بصفقة تهجير قسري، بدأت قصته بالحصار وانتهت في الباص الأخضر الذي دفع أجرته أهالي الغوطة الشرقية، ليس نقوداً، إنما دفعوا الأجرة “ديارهم، أراضيهم وقبور شهدائهم..”، وانتقلوا إلى الضفة الأخرى من البلاد حيث لا أسد ولا حصار، لتبدأ حياتهم من جديد على أمل العودة.

يقول الطفل (محمد الغوطانيّ) الذي هُجّرَ في 2018/3/28 مع عائلته إلى الشمال السوريّ: كان ذلك اليوم الذي خرجنا فيه من الغوطة أشبهُ بيوم القيامة الذي سمعنا عنه في القرآن الكريم، آلاف من البشر شيوخ، أطفال، نساء، رجال.. مصيرنا كان الباص الذي ينتظر على حافة الطريق، وعلى الرغم من أن لونه الأخضر يرمز للسلام لَكنه لا يُمتّ للسلام بصلة.. كنا طوابير متراصّة، ننتظر دور الصعود إليه، وأنظارُنا كانت مُتجهة نَحْوَ أحيائنا المُهَدَّمة التي كانت جزء من أجسادنا الهشه.. صعدّنا للباص انا وعائلتي كانت، أول مرة نخرج بها من الغوطة منذُ سنوات لنرى العالم الخارجي.

استغرقت رحلة تهجير (محمد) ومَنْ معه 14 ساعة إلى أن وصلوا (قلعة المضيق)، يقول: هُنا توقفنا، لبضعة ساعات للنزول إلى مناطق (الثوار)، الذين استقبلونا استقبالاً جميلاً وقدموا لنا الطعام، والدواء وبعدها أَتَتْ الرحلة الثانية، هذا الباص ليسَ لروسيا أو للأسد كان للمنظمات الإنسانية في الشمال صعدنا إليه ومضى.. ليستقر بنا في مدينة (كفرنبل) لنخوض مرَارَة التهجير الجديدة.

“كانت الوجوه غريبة علينا، لكنّها لطيقة، نحنُ في غُربة داخل حدود الوطن (الأم سوريا)، عابرون بأجسادنا لكن أرواحنا في الغوطة.. إنهم أهل (إدلب) الكرام التي أصبحت سوريا الثانية، التقينا بعدة نازحين أتوا إليها، واستقروا بها، فتحوا لنا بيوتهم عند وصولنا، استقر بنا الحال في إحدى البيوت وبعد أيّام خرجتُ للشارع ودخلت إحدى المحال كانت لهجتي مختلفة عن أهالي إدلب، سألني البائع من أين أنت؟ قلت: له نازح من الغوطة..
فقال: إياك وأنّ تقول بعد اليوم أنك نازح أنت هنا في بلدك وبين أهلك وناسك يا ولدي..

كانت أجمل كلمات سمعتها، أخبرتُ أبي بتلك الحادثة، ومن شدّة الفرح سقطت دموعه”.

ربما تنتهي هنا المشاعر والترحيب، ويبدأ فصلٌ جديد من التأقلم مع العيش في بيئة جديدة، لا ذكريات فيها ولا ارتباط روحي سوى الثورة.

يقول (محمد): أنا الكبير بين إخوتي، طَلَبتُ من أبي أن أعمل فالمساعدات الإنسانية لا تكفينا لبضعة أيّام، ذهبت للبحث عن عمل، في (كفرنبل) لينتهي بي المطاف في محل لبيع الأحذية، بأجر قليل لا يتعدَّى عشرة آلاف ليرة سورية في الشهر، ولَكن أفضل من أَكون، عال على أبي أنا فخورٌ بنفسي كثيراً أصبحت رجلٌ يحمل مسؤولية كبيرة جداً رغم صِغرَ سني.. أعمل وأكافح، تارةً وأبكي تارةً أخرى، أبي يقول لي: لا تحزن لا بد أنّ نعود للغوطة يا ولدي… أبي الذي احتفظ بمفتاح البيت في عنقه على أَمَل كبير بالرجوع وفتح باب بيتنا من جديد هذا المفتاح مصدر قُوتِنا جميعنا..

والدتي تستيقظ كُلّ يوم باكراً على صوت أذآن الفجر وتَدعوُ لنا بالرزق والحماية والأمان، خلّسةً ذات مرة رأيتها هي وأبي يبكون بدموعٍ بطيئة فيها شرائط ذكرى الغوطة وبيتنا ونحنُ بكلّ دمعة على خدّيهُما. الوقت يجري بسرعة هُنا انتهت العطلة الصيفيّة، بقدوم شهر (أيلول) موعد افتتاح المدارس، فضّلت إخوتي على نفسي وطَلَبت من أبي أنّ يبعَث بهم للمدرسة، واستدنت بعض المال من صاحب المحل الذي أعمل به، لأفتح مشروعي الصغير وهو بيع اللوازم (المدرسيَّة) على بَسْطَة صغيرة بجانب الطريق العام.

محمد لا يشعر بالخجل من عمله، لكنّه يحترق ألماً وحزناً لأنه يبيع الأقلام ولا يمكنه أن يكمل دراسته، يقول: عند بيع كلّ قلَم ودفتر دموعي تَنهَمر مني.. وأتذكر أبي عندما كان يشتري اللوازم المدرسيّة لي كان الفرح يعّم قلبي للذهاب للمدرسة التي رغم قصفها بصواريخ الحقد كانت تبقى جميلة في أعيُننا، أنا على يقين تام أنّ هذه السنة لن أكون من طلاب المدرسة، لأسباب عديدة أولها.. عملي الذي لا أستطيع تركه ولا أستطيع أن أوفّق بينه وبين المدرسة، وثانياً من سيؤمن حاجيات المنزل وأبي لا يستطيع العمل.. وهذا السبب الأهم عندي.
يتابع: ولكن عندما أَرَى إخوتي وهم ذاهبون إلى المدرسة تدخل السعادة قلبي من جديد، هَؤُلاء من سينهضون بنا للنور.. أَتَذَكَّرُ بهم صديقي (مصطفى) الذي كان يقاسمُني المقعد، كان مصطفى كأخي فرقتنا الهجرة لا أعلَم أين استقرَّ به الباص..

محمد رغم كل مرارة التهجير وقسوة الحياة يؤكد على حقّه وحقّ أهله في العودة إلى الغوطة ولو بعد حين.

Previous post

علي الأمين: كيف سيرد الحرس الثوري على هجوم الأحواز؟

Next post

رزق العبي: المواطنة بدون إعلام رسمي