Home»مقالات رأي»د. سميرة مبيض: العولمة ومتطلبات عهد عربي جديد

د. سميرة مبيض: العولمة ومتطلبات عهد عربي جديد

4
Shares
Pinterest Google+

د. سميرة مبيض – الفيحاء نت

لا بد أن العالم عموما ومنطقة الشرق الأوسط خصوصا تشهد حقبة مفصلية، قد تكون عتبة انتقال لانتهاء رموز عهد عربي فائت سادت طيلة القرن الماضي، هذه الحقبة التي اتسمت بتقهقر مستمرعلى الصعد الاجتماعية، الاقتصادية و السياسية حيث يبدو العالم العربي اليوم في حالة شلل رغم امتلاكه، نظرياً، لمقومات النهوض من موارد طبيعية وبشرية وثقافية لكن أي من هذه المقومات لم تصمد في مواجهة واقع النظم الاستبدادية والشمولية المترافقة بسلطة رجال الدين الرديفة والداعمة لحالة الجمود والتقهقر.

يفرض وجود عهد عربي جديد الإقرار بفشل المرحلة السابقة أولا، تلك التي لفظ المجتمع الشاب الصاعد خطوطها ورموزها الرئيسيّة على الصعد السياسية والاجتماعية.
منها على سبيل المثال رمزية الفرد القائد المؤله المترافق بطابع بصري قسري يتمثل بصور قد تختلف تقاطيعها بين الدول العربية، لكنها تحتفظ بنفس الهدف وتتنافس بسعة الانتشار عبر احتلال واجهات المحال وجدران المدارس والمؤسسات والزجاج الخلفي للسيارات ووسائل النقل الجماعي، هذا الانطباع البصري المقحم قسرا في العقول أجيال وراء اجيال بات مادة سخرية مستمرة وفقد، لحسن الحظ، الأثر المهيمن الذي لعبه في العقود العديدة الماضية فلم يعد ممكنا إعادة صنم الوجه الواحد إلى الواجهة بعد أن تم كسره مرات ومرات.

 

رموز عربية سياسية، قيدت القضية الفلسطينية بشعارات وحولتها إلى قضية استقطابية شغلت فيها الشعوب العربية عن أي شأن داخلي، عن أي مطلب بالتغيير واعتبر كل من يلتفت إلى الإصلاح الداخلي مرتبطا بالمؤامرة الكونية ومناهضا لمحور الممانعة المرتبط بدوره بالفرد القائد المؤله حيث يتهم كل من يسعى لإسقاط الاستبداد بسعيه إلى إسقاط الصمود والمقاومة، في متلازمة فريدة يكرس لها جهد ووقت عظيمين تلزم الشعوب بقبول الظلم والتأخر والتطرّف والاحتلال السلطوي في محيطهم وبالمناداة بالحرية والتحرر بعيدا عن واقعهم.

 

رموز عربية اقتصادية واجتماعية، تتمسك بثقافة الاستهلاك دون الانتاج. بل هو استهلاك يحل مكان الإنتاج ولا يدفع نحوه، ويصبح بحد ذاته هدفا عوضا عن يكون تحقيقا لحاجة. في متلازمة غير منطقية، هي الأخرى، تجعل من الاستهلاك أداة لصنع القيمة الفردية والاجتماعية عوضا عن أن يكون الانتاج على اختلاف مجالاته هو معيار لهذه القيمة كما هو في المجتمعات المتقدمة، المستقرة والمزدهرة. فلا بد لأفق عهد عربي جديد يواكب العولمة أن يكون قادرًا على تغيير هذا المفهوم جذريا ليصبح جزءا منتجا مساهما في تطوير وتحسين حياة البشرية جمعاء على كافة الصعد منها العلمية والتقنية، الثقافية والاقتصادية وغيرها.

يتضمن ذلك حتميا نظرة جديدة للبيئة المحيطة تخرج من النظرة السائدة طويلاً في المجتمعات العربية بكون المحيط البيئي هو وعاء البترول أولاً وثلاجة الأطعمة ثانيا ومكب القمامة أخيراً في رؤى متناقضة فيما بينها لهذا المحيط لكنها منسجمة بكليتها مع نظم لم تسعى يوماً إلى تحقيق التوازن بين الإنسان ومحيطه بل وتنظر لهذا التوجه باستخفاف بينما يشكل بوابة الانتقال للحداثة والاستقرار المستقبلي.

رموز عربية اجتماعية، تتطلب حتما تغيير المفاهيم الأسرية التقليدية السائدة من أزمنة فائتة، والتي تبدأ بتفضيل المولود الذكر على الأنثى وتستمر نحو إعطاء الدور الحصري للذكور بإدارة شؤون الأسرة والعمل وبتأمين مستلزمات الحياة نحو اعتبارها مهمة للأبوين بناء على إتاحة فرص متساوية للتعليم والعمل بين الجنسين وإدارة الحياة بشكل مشترك بينهما بالإضافة إلى ضرورة ربط الإنجاب بقدرة الأسرة على منح الأطفال حياة ذات نوعية جيدة من حيث الصحة والتعليم وتطوير الشخصية والمواهب كما يستحق كل طفل وطفلة، دون استنزاف طاقات الأمهات في وظيفة الإنجاب والتنشئة فحسب بل اعتبارها خطوة مرحلية في مسار حياة الاسرة تعود بعدها المرأة لدورها الفاعل كجزء من المجتمع.

يحتاج ذلك إلى تقويم المفهوم المتعلق بالمرأة بشكل كامل والذي يعد قضية مفصلية اشكالية تعيق تطور المجتمعات العربية والمستندة عموما على مفاهيم دينية واجتماعية خاطئة تستخدم كعتبة تدخل منه كل العادات والتقاليد المقيدة للحريات الفردية للمرأة أي المقيدة لنصف المجتمع.

 

يضاف إلى ذلك ضرورة اتاحة حق تقرير المستقبل للشباب والشابات دون حصر خياراتهم المهنية والدراسية بالقيود الاجتماعية والوراثة المهنية فالنجاح عامل يرتبط كليا بقناعة واختيار كل فرد لمستقبله والأهم تحرير خياراتهم السياسية من الخيارات التقليدية التي لا تمتلك إمكانية تحقيق طموحاتهم وترك الفرصة لظهور تيارات سياسية شبابية دون وصاية كهولية تعيق فرض رؤى نضرة متوائمة مع تطور فكري نحو مواكبة العولمة دون تصلب من جهة ودون دفعها نحو الذوبان والانصهار من جهة أخرى.

من أجل تحقيق ذلك، لا يحتاج العالم العربي إلى إصلاح في بنيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية بل يحتاج إلى البدء عن قناعة بعهد جديد، يرى في الثقافة العربية جزءا من الثقافات العالمية وليست أفضلها ويرى في أديان الشرق الأوسط جزءا من الثقافات الدينية العالمية ويرى في اللغة العربية جزء من المخزون اللغوي العالمي. ليكتسب العالم العربي ثقافة الاعتراف بالتنوع وتقدير أهميته القصوى في محيطه المكاني أولاً و على المستوى العالمي تالياً.

وأن يرى في الغد فرصة للتواجد بفاعلية في مستقبل البشرية و تشكيل إضافة نوعية لها في اصطفاء لأفضل ما حملته هذه الحضارة عبر التاريخ ونبذ ما لحق بها من سوء وتشويه ليدفن في الماضي ويبقى منه عبرة ضرورية لتجنب الأجيال الشابة الصاعدة من السقوط في نفس الأخطاء مرة أخرى.

Previous post

الجيش التركي يسير دورية جديدة في منبج

Next post

في يومهم العالمي.. أطفال سوريا بلا طفولة