Home»مقالات رأي»رزق العبي: من الغوطة إلى درعا.. مصالحات بلا عدالة!

رزق العبي: من الغوطة إلى درعا.. مصالحات بلا عدالة!

0
Shares
Pinterest Google+

رزق العبي – مع العدالة

جرى في الغوطة الشرقية، ومناطق في الجنوب السوري قبل أشهر، ما يُعرف بـ (المصالحات)، والتي تسببت بتهجير قسم كبير من السكّان إلى شمال البلاد، واقتلاعهم من أراضيهم، وإعادة القسم المتبقّي إلى سلطة النظام السوري، على مبدأ المثل القائل (وكأنّك يا أبو زيد ما غزيت).

المصالحات التي لم يكن ظهورهاً جديداً والتي قضمت الكثير من المناطق وأعادها لسطوة النظام السوري، هي مصطلح متداول منذ عصور قديمة. لاسيما في صدر الإسلام، وما تمّ من صلحٍ بين المسلمين وخصومهم فيما عُرف بـ”صلح الحديبة”.

كما أن الاحتكام للصلح لجأ له العرب كثيراً فيما كان يُعرب بـ(قعدة العرب)، أو (مجالس العرب) لحل الخلافات والنزاعات الأهلية.

أما على مستوى الدول، فإن الجنرال الفرنسي “تشارل ديجول”، هو أول من استخدم هذا المصطلح في خطابه الشهير حول وحدة فرنسا.

ويرتبط مصطلح “المصالحات” باحتكام الخصوم (سياسيين وعسكريين وأحزاب..) إلى مبدأ ينقذ الوطن، ويعيد الحقوق لأصحابها، ويحاسب المجرمين على اختلاف جرائمهم.

بيد أنه في سوريا لم يصُار، في تلك المناطق إعادة أي حقّ إلى أهله، على عكس ما جرى في مناطق عدّة من دول العالم، من خلال المصالحات ونُظُم العدالة الانتقالية.

ففي تجربة جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، والتي عاشت لفترة ما يقارب خمسة عقود تحت نظام الفصل العنصري (ابارتايد( الذي تم إرساؤه منذ سنة 1948 القائم على أساس التفرقة العنصرية بين كافة فئات المجتمع؛ قد تم ردع كل أشكال مقاومة هذا النظام من خلال اللجوء إلى التعذيب والاعتقالات العشوائية ومنع المعارضة وسجن قياداتها وكذلك أعضائها.

ولم يتم القضاء على هذا النظام إلا سنة 1994 مع انتخاب الزعيم نيلسن مانديلا رئيساً للبلاد، كتتويج للمسار الديمقراطي الذي أطلقه الرئيس فرديدريك دي كلارك سنة 1990.

ويعد الانتقال الديمقراطي في جنوب إفريقيا ثمرة مسار قائم على التفاوض، وليس نتيجة انتصار لطرف على حساب آخر أو نتيجة ثورة. كما أثبت الفاعلون السياسيون واقعيتهم بإصرارهم على اعتماد نهج المصالحة لتجنب كل أشكال الانتقام، والمحافظة على مستوى النمو الاقتصادي للبلاد.

فقد تم إحداث (لجنة الحقيقة والمصالحة( لكتابة التاريخ اعتماداً على قصص الضحايا. وعلى امتداد ثلاث سنوات، قدّم الضحايا شهاداتهم، علناً، أمام اللجنة وسردوا رواياتهم، وتم نقل بعض حصص الاستماع على التلفزيون ليتابعها المشاهدون في جنوب إفريقيا.

كما طلب من المسؤولين عن الانتهاكات الكشف عما ارتكبوه، وإذا ثبت أنهم فعلوا ذلك عن حسن نيَّة، وصفح عنهم الضحايا، تحصلوا على العفو.

وقدم أكثر من20 ألف شخص شهاداتهم، وطلب 7000 شخص العفو. ولئن تم رفض العديد من طلبات العفو، فإن عدداً قليلاً جداً من المحاكمات قد تم تنفيذها، وهو ما دفع المجتمع المدني في جنوب إفريقيا إلى مواصلة كفاحه من أجل العدالة والتعويض.

في مناطق المصالحات في سوريا، زوّر النظام الشهود على قلّتِهم، حيث اقتاد عشرات الشبّان إبان سيطرته على دوما، وأجرى لقاءات مع مسؤولين طبّيين، لتكذيب الروايات التي تقول: إن النظام قصف المدنيين بغاز الكلور السام وسقط ضحايا من المدنيين. إلى أن لجأ أخيراً إلى نبش قبور الضحايا، بحسب نشطاء من داخل الغوطة للتغطية على الجريمة، وهذا ليس مستغرباً، فالنظام نفسه أخّر دخول بعثة التفتيش الدولية إلى الغوطة، إلى أن ينتهي من العبث بمسرح الجريمة في وقت سابق.

وتأتي الروايات، التي تفيد بتضييق النظام على السكّان هناك، دون تشكيل محاكم تُعيد الحقوق إلى أهلها، ودون إنصاف لأصحاب الحقوق، بل على عكس ذلك، فالنظام الذي يلعب اليوم دور الكريم الذي يمنَّ على الناس بالمصالحات، متناسياً أنه قتل الآلاف منهم على مدى سنوات في تلك المناطق، بالإضافة إلى آلاف المعتقلين في سجونه، دون أي أملٍ في معرفة مصيرهم. عدا عمّا كشف عنه مؤخراً وتحويلهم إلى شهادة وفاة بكلّ وقاحة تُرسل إلى أهل المعتقل ببرقية هاتفية أو بقيد نفوس مدني.

وقد يأتي من يكتب التاريخ على مقاس النظام، متناسياً آلاف السكّان الذي فضّلوا النزوح إلى الشمال السوري، إيماناً منهم بكذب وخداع النظام بأنه لا عدالة ولا مصالحات من الممكن أن يقدّمها للسوريين أو يشرف عليها.

وكان ذلك واضحاً من خلال القصص التي جاءت عن أولئك الذين عادوا إلى بلداتهم في الغوطة الشرقية بعدما ضاقت بهم الحال في الشمال السوري، إلّا أنّ النظام صفّى معظمهم واعتقل آخرين، بعد مصادرة ممتلكاتهم.

تاريخياً يتطلب تطبيق إجراءات “العدالة الانتقالية” أشهراً وسنوات، كما حدث في تجارب سابقة، حيث استغرق تنفيذ آليات العدالة الانتقالية في جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام التمييز العنصري عدة سنوات، واستغرق عمل لجان تقصِّـي الحقائق في أمريكا اللاتينية في أعقاب سقوط الدكتاتورية في بيرو وتشيلي وتقديم المسؤولين السابقين لمحاكم جنائية عشرة أعوام. ولعله من المناسب في هذه المرحلة، القيام بدراسة متأنية لحزمة التجارب التي خاضت تجربة العدالة الانتقالية بدرجات متفاوتة من النجاح، ومن أهمها التجارب في تشيلي (1990) والأرجنتين (1983) وغواتيمالا (1994) وجنوب أفريقيا (1994) وبولندا (1997) وأسبانيا (1978)، وسيراليون (1999) وتيمور الشرقية (2001) والمغرب (2004 ).

في الحالة السورية، لا شك أن تحقيق “العدل والعدالة” بين الناس في المرحلة الانتقالية هو من أهم الضرورات لإعادة تأسيس الدولة على أسس شرعية ودستورية وقانونية وبآليات ديموقراطية.

ورغم أن إجراءات “العدالة الانتقالية” تتضمن قضايا حساسة، ومؤلمة لكل الأطراف، إلا أنها بدون شكّ في غاية الأهمية، بل لها ضرورة قصوى لكي يتحقق النجاح في عملية التحول من اللا شرعية إلى الشرعية، ومن الاستبداد إلى الحرية ومن الدكتاتورية إلى الديمقراطية.

عندها، من الممكن أن ندخل فعلاً في إطار جبر الضرر، وإعادة ما أمكن من الحقوق لأهلها، ومحاسبة الجناة،، وعندها أيضاً، تصبح سوريا رقماً فعّالاً بين الدول، ومقعداً سياسياً له كلمته، ودون ذلك، سيبقى ملايين السوريين يعتاشون على مساعدات الدول، بحقوق ضائعة، ومشتتين في بقاع الأرض، ومضطهدين في الداخل السوري، تتناقلهم سطوة الأمن تارة والاحتلالات الموجودة تارةً أخرى.

Previous post

الأمم المتحدة تردّ على (وليد المعلم) بشأن عودة اللاجئين

Next post

د. سميرة مبيض: ماذا نسمي مظاهرة يوم غد؟