Home»أسرة ومجتمع»جرائم الشرف.. داءٌ مسكوتٌ عنه في مجتمعات هدّها العنف

جرائم الشرف.. داءٌ مسكوتٌ عنه في مجتمعات هدّها العنف

0
Shares
Pinterest Google+

الفيحاء نت – فوز الفارس – جيرون

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، بمشهد فيديو يظهر فيه شاب يُدعى “بشار” وهو يقتل أخته “رشا”، في أحد مخيمات اللجوء في شمالي حلب. بدأت القصة -كما تذكر روايات عديدة لأهل المخيّم وجيران العائلة- بصورة انتشرت للفتاة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي التي امتهنت فبركة الفضائح في تلك المنطقة تحديدًا، وانتهت بثلاثة مخازن من الرصاص أفرغها الأخ في جسد أخته. وقد وثق الجاني جريمته بفيديو يصور عملية القتل التي اشترك فيها صاحب العدسة، حين حرّض الأخ على القتل بتلك العبارة: “غسل عارك يا بشار”.

لاقت الجريمة استنكارًا واسعًا من قِبل فئات اجتماعية متنوّعة، وراوحت ردات الفعل بين من شجب الجريمة بخجل يحاول إيجاد مبررات واهية لتلك الجريمة، وبين من استنكر الحادثة، وطالب بمحاكمة القاتل والمحرّضين على الجريمة، وإعادة النظر في كلّ التشريعات التي تخصّ هذا النوع من الجرائم، وقد وصل الأمر ببعض الناشطين إلى إطلاق حملة تضامن مع الضحية، ومن صور هذا التضامن إنشاء إحدى الصفحات (لوغو) يحمل صورة الضحية.

من المؤسف بالفعل، أن معنى “الشرف” في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يرتبط في أذهان كثيرين بجسد المرأة فقط؛ المرأة الموسومة في موروثنا الثقافي والاجتماعي بأنها (ناقصة عقل ودين) و(شرفها كعود الثقاب)، وتُناط بها مسؤولية الحفاظ عن شرف عائلتها! فإذا حصل منها تهاون أو تفريط بشرفها؛ فسيكون مصيرها القتل؛ كي تمحو عائلتها هذا “العار”، وتنجو من فخّ السقوط في أحكام مجتمعية جائرة لا ترحم.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في الأسباب التي تدفع إلى جرائم كهذه، بل في تضافر عوامل (نفسية – اجتماعية – قانونية) على تبرير هذه الظاهرة وجعلها مقبولة، بل إنها في بعض الأحيان تعتبر فعلة كهذه مدعاة لفخر صاحبها، وتسبغ عليه صفة “البطولة”، حتى النصوص الشرعية الواضحة، بخصوص هذا الأمر، لم تنجُ من التجيير وليّ العنق، لتنضم إلى بقية العوامل التي تجد للمجرم مخرجًا وتبريرًا.

وللوقوف على رأي الشرع في جرائم كهذه، توجّهنا بالسؤال إلى السيدة عابدة المؤيد العظم الباحثة الإسلامية والمهتمة بقضايا الأسرة، وهي تقيم في جدة، فقالت لـ (جيرون): “لا يوجد في الشرع جرائم شرف، هذه مجرد قوانين أرضية؛ لأن الأصل في الشرع الإخفاء والستر، طمعًا بتوبة من أقدم على فعل كهذا، وليس العقاب والتشهير، وبناء عليه فإن القتل من أجل الشرف هو اعتداء وظلم لا يجوز، كما أن الأخ ليست له ولاية على أخته، خاصة بوجود أبيها، قتل الإنسان جرم أكبر بكثير من الزنا وأشدّ إثمًا، فكيف لو كان القتل قد حدث بالظنّ، وبناء على أقاويل لم يتم التثبت من صحّتها؟”. وتابعت: “إن تنفيذ الأوامر من صلاحيات الحاكم، ونقل السلطة إلى الفرد يعتبر كارثة عظيمة”.

من حيث الدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف خلف “جرائم الشرف”، قال محمد السيد، المعالج النفسي والمدرب في مجال الحماية، وهو يقيم في هاتاي بتركيا، في حديث إلى (جيرون): “السبب الرئيس الذي يقف خلف جرائم كهذه هو مفهوم (الذكورة والأنوثة) أي الامتياز الطبيعي غير المكتسب؛ بمعنى أن مجرّد كونك ذكرًا يعطيك الأولوية في المجتمع والسلطة على المرأة، أيًا كانت صلتك بها. امتياز الذكورة يمنحك حقوقًا أكثر، ويجعلك تمارس صلاحيات تحكّمية أكثر، وهكذا ينشأ الصبيّ على أنه الحاكم والمسؤول والمتنّفذ بالمرأة، بغضّ النظر أكان هو ممن يراعي الشرف في سيرته الذاتية وكينونته وحياته الشخصية أم لا”.

وأضاف: “هناك أسباب أخرى كامنة في التنشئة التي يعتريها الخلل؛ فالمجتمع ينشّئ المرأة على أن تنظر إلى جسدها وذاتها ودورها على أنها مجرد (شيء)، لا إنسان يتمتع بكامل حقوقه ويتحمل مسؤولية نفسه. هذه النظرة التشيئيّة للمرأة تُعدّ بالتربية الفاسدة، لكي تنظر إلى نفسها على أنها (شيء) تابع لأب أو أخ كبير أو زوج، على عكس الرجل الذي يشعر بأنه المالك الذي يحقّ له التصرف بشيء تابع له وملحق به، وهو المرأة”.

حتى القوانين التي يفترض بها حماية المجتمع تعزز هذه السلوكات في أذهان أفراده، وكل سلوك ينال تعزيزًا يتكرر، لدينا منظومة قانونية تخفف عقوبة القاتل وقد تلغيها، تحت بند “الشرف”، لينضم القانون إلى منظومة قيم مجتمعية لا تخفف اللوم على الجاني بل تنحاز إليه بإسقاط التهمة، والمتأمل في قانون العقوبات السوري يجد أن المادة (548) دليل على ذلك.

هذا التعزيز المجتمعي والقانوني والنفسي يتبدّى بشكل واضح في جريمة قتل الأخ لأخته، حتى الآن لم يصدر أي بيان رسمي من أي جهة تعلن القبض عليه ومحاسبته، مع أن إلقاء القبض عليه لمحاكمته قد يسهم في تخفيف حالة الجنون المنتشرة في استخدام العنف المرتبط بهذه القضايا، وعلينا ألّا ننسى تصاعد ثقافة العنف والدماء بسبب الحرب الدائرة، التي جعلت بعض الأفراد يميلون إلى تصرفات سلبية مستهجنة، قد تكون بمثابة ردة فعل على العنف الذي مُورس ويُمارس عليهم.

إن مشهد الفتاة، في خضوعها واستسلامها، دفع بعض المعلّقين والمتابعين إلى الظنّ أنها ربما اعتقدت أن الأمر برمّته مجرّد تهديد من قِبل أخيها أو مزحة ثقيلة، إلا أن تعبيرات وجهها لا توحي بذلك، وهناك آخرون يرون أن الأشخاص الثلاثة في الفيديو هم تكثيف رمزي جدًا لواقع المجتمع؛ نظرة الرجل إلى نفسه، تأثير المجتمع الذي ظهر من خلال من يمسك العدسة ويطالب بغسل العار، وزغاريد الفرح التي انطلقت من خلف الجدار، ونظرة المرأة إلى نفسها واقتناعها بالصورة النمطية التي حبست في إطارها، مع العلم أن المرأة عادة ما تشعر بالذنب، إن هي أخطأت بحق نفسها وأهلها، بخلاف الرجل الذي قلّما يشعر بالندم حيال أفعال كهذه.

إن التعامل مع قضايا خطيرة كهذه ينصب دومًا على النتائج، ويهمل المقدمات والأسباب، ومن المعلوم أن تغيير أي سلوك في المجتمع ينطلق من تغيير الأفكار والمعتقدات البالية التي لا تمتّ إلى الدين ولا التشريعات ولا الشرف بصلة، هذا التغيير في الأفكار وحده الكفيل بإخراجنا من فلك ردات الأفعال الآنية والسطحية التي باتت صفة وعلامة مميزة لنا.

Previous post

معتقل سابق يروي ظروف اعتقال اللاعب جهاد قصاب

Next post

قالن: لن نسمح بكيان إرهابي ضد تركيا شرق الفرات