Home»مقالات رأي»طارق نعمان: إعلام هدم ثورته 1/4

طارق نعمان: إعلام هدم ثورته 1/4

2
Shares
Pinterest Google+

طارق نعمان – الفيحاء نت

الشاطر والمشطور والكامخ بينهما

الشاطر

قبل ما يقارب العشرين عاماً من الآن حضرت عراكاً في أحد شوارع العشوائيات في دمشق، العراك كان بين شاب طويل ممتلئ الجسم وآخر قصير نحيل، وكان من الواضح والبديهي لمن ستكون الغلبة بين الاثنين، فالأوّل كان يبدو عليه شدة الصرعة والحزم، أمّا صاحب القامة القصيرة فكان من أصحاب الأصوات العالية والتمطط عند الشتم.

لكنّ المفاجئة كانت بأنّ الطويل وفي لحظة واحدة تمدّد على الأرض بين الأرجل وصار يتلوّى كدبٍ يهرش ظهره على لحاء شجرة.

أمّا ما حدث فهو أنّ أهل الحارة عند سماعهم لصوت العراك تجمعوا لفضه، وبديهياً أو كما بدا، توجّهوا للجهة الأقوى ليتم ردعها عن حصاد ما زرع في وجه قصير القامة من تضاريس، وتركوا الأخير حرّاً كونه لا يستطيع القتال كما بدا، وتعالت الأصوات واختلط الحابل بالنابل فانتهز قصير القامة الفرصة والتف حول الطويل ليطعنه بين لوحي كتفه ب”بموس كباس سبع طقات” لم يستطع لضعف عصبه من غرزه أكثر من 1 سم في ظهر الطويل لقوة بنيته. أمّا الأخير فسقط على الأرض من المفاجأة والصدمة والألم، لكنّ العراك لم يتوقف هنا فعند سقوطه تكاثر عليه المصلحون ليمسكوا به أيضاً حتى لا يقتل قصير القامة كردّة فعل كونه استشاط غضباً أضعافاً مضاعفة، وثبّته المصلحون الناصحون له بعدم ارتكاب الأخطاء، وأنّ هذا الرجل القصير لا يستحق أن يكون سبباً في دخول الكبير السجن، وأنه هو العاقل صاحب الحلم والرجل المعول عليه اتخاذ القرار السليم، ولكن في خضم هذه المعمعة والنصائح الرجولية بالهدوء وأعمال العقل كان القصير يرفس وجه المثبّت بالأرض بفعل تدخل المصلحين الذين تتعالى أصواتهم بجمل من قبيل ” طول بالك خلينا نروق وغداك عندي “أو” خيو إذا ما بتهدى ما رح احكي معك بحياتي”، حتى وصل الأمر بأحدهم للقول “إذا لم تهدأ وتلتزم بآداب العراك سنطردك من الحارة”، وكلّما حاول المسكين الصراخ بأنّه مطعون ويتألم وأنّ القصير مازال يضربه ويخالف كل قوانين العراك، أسكتوه بالتهديدات. لينتهي به الأمر في المشفى.

الشاطر

انطلقت الثورة السورية فكان لابد لها من صوت يشرح ما أهدافها، ولماذا كانت وإلى ماذا صارت وأين وصلت، وفعلاً بدأ بعض المخلصين بإنشاء منصّات تعبّر عن ألم الأحداث وأملها لكن كما حال الطبيعة الكونية دون ماء تموت الأزهار، وهكذا كان خطر إسكات صوت الثورة الإعلامي، وتوجّه الثوريون نحو المنظمات المعنية بتقديم الدعم المالي واللوجستي ليكملوا مسيرتهم وثورتهم.

وبالفعل لم تتوان المنظمات في إغداق المال والتوجيهات والتدريبات على الجميع في الفترة الأولى، ولسان حالهم يقول: نحن معكم افضحوا الانتهاكات، اضربوا بيد من حديد كلّ منتهك لحقوق الإنسان والحيوان، نريد للشعب السوري أن يحقّق كرامته وبعد أن وصل الحبل لمنتصف عنق البئر، جاءت السكين، فإمّا أن تكونوا كما نريد “طلبات محددة سنأتي على ذكرها لاحقاً”، أو نقطع عنكم التمويل، وهنا كان فعل “الشاطر”. فمن اعتاد على أسلوب حياة معين أو من غادر منزله لمنزل أفضل بسبب الدعم المالي، لم يعد قادراً على التراجع وبدأت سياسات التحرير تتغير، وعمل المندسون من الإعلاميين عملهم في غسل أدمغة الباقين إلى أنّ الحرفية الصحفية تكون في عدم الصدق والصراحة بالتعابير، وإذا أردت كصحفي أن تدافع عن شرف أمك يجب أن لا تعتبرها أمك وأن تذكر الحقائق كما هي، وفي حال لم تقبل يجب عليك التنحي، وقالها لي شخصياً أحد المسؤولين الإعلاميين القائمين على رأس عملهم حتى اليوم، يجب أن نكون كالأطباء إمّا أن تتعامل بجمود خلال عملية أمك أو تعتذر كونك منجرٌّ عاطفياً، فيما كان الطرف الآخر ديكتاتور الثورة يضاجع – مجازاً وكناية- كل قوانين الإعلام والحيادية وصار الحال كمن يطلب من المظلوم مجابهة الدبابة بصدر عار حتى لا يقال إنه حامل سلاح.

حوارية الطبيب والأم تلك لم تك -على ما يبدو- موجّهة لي فقط، بل لمعظم الصحفيين أصحاب الباع الطويل في العمل الصحفي، وذوي الخبرة والمعرفة في أساليب وطرق التواصل ومهارات سبك وتحرير وإيصال الأفكار والحقائق واكتشاف دسائس وخفايا ومآلات الأخبار، هؤلاء اختاروا أو اختير لهم التنحي بشكل جبري أو اختياري. وحين يطلب إليهم العمل تجدهم قانطين ولسان حالهم يقول: “لن يصلح العطار ما أفسد الدهر” أو بمعنى آخر: لن يصلح المتمكّن ما أفسد الممول. وخسر قطاع الإعلام الثوري قامات إعلامية هامة أبت أن تسجد لسياسات تحرير لا تمتُّ للنضال الشعبي بصلة، فيما برّر آخرون عملهم الصحفي بمهنية غريبة عجيبة لا تلتزم بها أو لا تفرضها أي صحافة عالمية سوى الممول. فالممول الغربي او لنقل احد اهم الممولين دعم إحدى اكثر الأوراق الإعلامية اندساسا الإعلامية ملمحا أن من لا يوافق عليها سيكون مصيره عدم الاعتراف وبالتالي صفر تمويل ومن ضمن شروط هذه الورقة و تسعين بالمئة من الممولين مثلاً: منع استخدام كلمة طائفية، وشيعة، وسنة، منع استخدام كلمة دكتاتور كذريعة أنّ هذا الكلام غير حرفي أو حيادي أو تحريضي مع العلم أنّ كبريات مدارس الصحافة في العالم تستخدم هذه التعابير كأيّ تعابير أخرى، ولكم فقط أن تستخدموا عملاق البحث على الشبكة العنكبوتية لتعرفوا مدى استخدام هذه التعابير من قبل صحفيين محترفين في صحف مرموقة عريقة كدليل أنها (أي التعابير) لا تطعن بحرفية الصحافة طالما أنها استخدمت في السياق الصحيح.

هذا المنع على ما يبدو كان مدروساً بدقة من قبل الممول ليصبَّ في مصلحة أحد الأطراف، فأن يستخدم شخص ما سكيناً في القتل ويمنع الصحفي من ذكر اسم السكين فهذا أمر يصبّ في مصلحة القاتل، وأن تمنع الصحفي والإعلامي من استخدام كلمة شهيد أيضاً هو عزل للصحفي عن البيئة التي يعبّر عنها فيما كان واضحا ان المعركة كانت على اشدها بين إعلام الأسد وإعلام المعارضة ولا يخفى دور الإعلام في تحقيق الانتصارات وتأثيره على الرأي العام إلا على أحمق أو غبي او مندس أسدي يقود آلة الإعلام بعيدا عن تهديد الديكتاتور.

الجزء الأول.. يتبع

Previous post

صحيفة: دول تفضل الإنقاذ المخزي للأسد على إعادة الإعمار ومساعدة السوريين

Next post

ميشيل كيلو: خطة عربية ضد إيران